قَالَ ﷺ إِن الرسَالَة والنبوة قد انْقَطَعت فَلَا رَسُول بعدِي وَلَا نَبِي قَالَ فشق ذَلِك على النَّاس فَقَالَ لَكِن الْمُبَشِّرَات قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا الْمُبَشِّرَات قَالَ رُؤْيا الْمُسلم وَهِي جُزْء من أَجزَاء النُّبُوَّة
وَقد فسر قَوْله ﵎ لَهُم الْبُشْرَى فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا أَنَّهَا الرُّؤْيَا الصَّالِحَة يَرَاهَا الْمُسلم أَو ترى لَهُ
ذكر الْحَدِيثين التِّرْمِذِيّ
وروى مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَة بشرى من الله
وَمن حَدِيث ابْن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الرُّؤْيَا الصَّالِحَة جُزْء من سبعين جُزْءا من النُّبُوَّة ذكر هَذَا الحَدِيث مُسلم وَغَيره
وَقَالَ ﷺ رُؤْيا الْمُؤمن جُزْء من سِتَّة وَأَرْبَعين جُزْءا من النُّبُوَّة وَإِذا ثَبت صَلَاح العَبْد صدقت رُؤْيَاهُ وَإِلَّا فَهِيَ تسر وَلَا تضر وَالله أعلم بِمن يثبت صَلَاحه وبمن يصدق كل مَا يرَاهُ وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع الْكَلَام وسأذكر لَك جملا من هَذِه الْأَخْبَار
[ ٢٢١ ]
وَذكر البُخَارِيّ من حَدِيث أم الْعَلَاء وَكَانَت مِمَّن بَايع رَسُول الله ﷺ قَالَت طَار لنا عُثْمَان بن مَظْعُون فِي السُّكْنَى حِين أقرعت الْأَنْصَار على سُكْنى الْمُهَاجِرين فاشتكى فمرضناه حَتَّى توفّي ثمَّ جَعَلْنَاهُ فِي أثوابه فَدخل علينا رَسُول الله ﷺ فَقلت رَحْمَة الله عَلَيْك أَبَا السَّائِب شهادتي عَلَيْك لقد أكرمك الله فَقَالَ وَمَا يدْريك أَن الله أكْرمه قلت لَا أَدْرِي وَالله قَالَ أما هُوَ فقد جَاءَهُ الْيَقِين إِنِّي لأرجو لَهُ الْخَيْر من الله وَالله مَا أَدْرِي وَأَنا رَسُول الله مَا يفعل بِي وَلَا بكم قَالَت فوَاللَّه لَا أزكي أحدا بعده
قَالَت وأحزنني ذَلِك فَنمت فَرَأَيْت لعُثْمَان بن مَظْعُون فِي النّوم عينا تجْرِي فَجئْت رَسُول الله ﷺ فَذكرت ذَلِك لَهُ فَقَالَ ذَلِك عمله يجْرِي لَهُ
ويروى عَن عبد الرَّحْمَن بن غنم أَنه قَالَ رَأَيْت معَاذ بن جبل بعد وَفَاته بِثَلَاث على فرس أبلق وَخَلفه كرجال أهل منى رجال بيض وَعَلَيْهِم ثِيَاب خضر على خيل بلق وَهُوَ قدامهم وَهُوَ يَقُول يَا لَيْت قومِي يعلمُونَ بِمَا غفر لي رَبِّي وَجَعَلَنِي من الْمُكرمين ثمَّ الْتفت يَمِينه وشماله يَقُول يَا ابْن رَوَاحَة يَا ابْن مَظْعُون الْحَمد لله الَّذِي صدقنا وعده وأورثنا الأَرْض نتبوأ من الْجنَّة حَيْثُ نشَاء فَنعم أجر العاملين قَالَ ثمَّ صَافَحَنِي وَسلم عَليّ
معَاذ بن جبل وَعُثْمَان بن مَظْعُون وَعبد الله بن رَوَاحَة ﵃ تشهد لَهُم صُحْبَة رَسُول الله ﷺ بِمَا هم فِيهِ من الْخَيْر وَبِمَا صَارُوا إِلَيْهِ من الْكَرَامَة وَلَا يحْتَاج لَهُم إِلَى رُؤْيا وَلَكِن أردْت أَلا أخلي هَذَا الْبَاب من ذكر بعض الصَّحَابَة ﵃
قَالَ صَالح بن بشير المري رَأَيْت عَطاء السّلمِيّ فِي النّوم بعد مَوته فَقلت لَهُ يَرْحَمك الله لقد كنت طَوِيل الْحزن فِي الدُّنْيَا فَقَالَ أما وَالله لقد أعقبني ذَلِك فَرحا طَويلا وسرورا دَائِما فَقلت فِي أَي الدَّرَجَات أَنْت قَالَ مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ
وَلما مَاتَ سُفْيَان الثَّوْريّ رئي فِي الْمَنَام فَقيل لَهُ مَا فعل الله بك قَالَ وضعت أول قدم على الصِّرَاط وَالثَّانِي فِي الْجنَّة وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن إِيَاس رَأَيْت سُفْيَان الثَّوْريّ فِي النّوم فَقلت لَهُ مَا فعل الله بك قَالَ أَنا مَعَ السفرة
[ ٢٢٢ ]
قلت وَمَا السفرة قَالَ الْكِرَام البررة
وَقَالَ عبد الله بن الْمُبَارك رَأَيْت الثَّوْريّ فِي الْمَنَام فَقلت لَهُ مَا فعل الله بك قَالَ لقِيت مُحَمَّدًا وَحزبه
وَقَالَ صَخْر بن رَاشد رَأَيْت عبد الله بن الْمُبَارك فِي النّوم بعد مَوته فَقلت لَهُ أَلَيْسَ قد مت قَالَ بلَى قلت فَمَا صنع الله بك قَالَ غفر لي مغْفرَة أحاطت بِكُل ذَنْب قلت فسفيان الثَّوْريّ قَالَ بخ بخ ذَلِك مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا
وَعَن قبيصَة بن سُفْيَان قَالَ رَأَيْت سُفْيَان الثَّوْريّ فِي النّوم بعد مَوته فَقلت لَهُ مَا فعل الله بك فَقَالَ
نظرت إِلَى رَبِّي عيَانًا فَقَالَ لي هينئا رضائي عَنْك يَا ابْن سعيد
لقد كنت قواما إِذا لِليْل قد دجا بعبرة محزون وقلب عميد
فدونك فاختر أَي قصر تريده وزرني فَإِنِّي مِنْك عير بعيد
وَعَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة قَالَ رَأَيْت سُفْيَان الثَّوْريّ فِي النّوم وَقد مَاتَ كَأَنَّهُ يطير فِي الْجنَّة من شَجَرَة إِلَى نَخْلَة وَمن نَخْلَة إِلَى شَجَرَة وَهُوَ يَقُول لمثل هَذَا فليعمل الْعَامِلُونَ فَقيل لَهُ بِمَ دخلت الْجنَّة قَالَ بالورع فَقيل لَهُ فَمَا فعل عَليّ بن عَاصِم قَالَ مَا نرَاهُ إِلَّا مثل الْكَوْكَب
وَكَانَ شُعْبَة بن الْحجَّاج ومسعر بن كدام رحمهمَا الله رجلَيْنِ فاضلين جليلين وَكَانَا من ثِقَات الْمُحدثين وحفاظهم وَكَانَ شُعْبَة أكبر وَأجل فماتا قَالَ أَبُو أَحْمد اليزيدي فرأيتهما فِي النّوم وَكنت إِلَى شُعْبَة أميل مني إِلَى مسعر فَقلت لَهُ يَا أَبَا بسطَام مَا فعل الله بك قَالَ وفقك الله يَا بني لحفظ مَا أَقُول ثمَّ أنْشد
[ ٢٢٣ ]
حباني إلهي فِي الْجنان بقبة لَهَا ألف بَاب من لجين مجوهرا
وَقَالَ لي الْجَبَّار يَا شُعْبَة الَّذِي تبحر فِي جمع الْعُلُوم فأكثرا
تنعم بقربي إِنَّنِي عَنْك ذُو رضَا وَعَن عَبدِي القوام فِي اللَّيْل مسعرا
كفى مسعرا عزا بِأَن سيزورني وأكشف عَن وَجْهي وَيَدْنُو لينظرا
فهذي فعالي بِالَّذِي تنسكوا وَلم يألفوا فِي سالف الدَّهْر مُنْكرا
وَذكر أَبُو الْحسن بن جَهْضَم عَن أبي بكر أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْحجَّاج قَالَ حَدثنِي رجل من أهل طرسوس قَالَ دَعَوْت الله ﷿ أَن يريني أهل الْقُبُور حَتَّى أسألهم عَن أَحْمد بن حَنْبَل مَا فعل الله بِهِ فَرَأَيْت بعد عشر سِنِين فِيمَا يرى النَّائِم كَأَن أهل الْقُبُور قد قَامُوا على قُبُورهم فبادروني بالْكلَام وَقَالُوا يَا هَذَا كم تَدْعُو الله أَن يُرِيك إيانا
تسألنا عَن رجل لم يزل مُنْذُ فارقكم تحفه الْمَلَائِكَة تَحت شَجَرَة طُوبَى
وَهَذَا الْكَلَام من أهل الْقُبُور إِنَّمَا هُوَ عبارَة عَن علو دَرَجَة أَحْمد بن حَنْبَل وارتفاع مكانته وَعظم مَنْزِلَته فَلم يقدروا أَن يعبروا عَن صفة حَاله وَعَما هُوَ فِيهِ إِلَّا بِهَذَا أَو بِمَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ
وَقَالَ مُحَمَّد بن أَحْمد الْكِنْدِيّ رَأَيْت أَحْمد بن حَنْبَل فِي النّوم فَقلت لَهُ يَا أَبَا عبد الله مَا فعل الله بك فَقَالَ غفر لي ثمَّ قَالَ لي يَا أَحْمد ضربت فِي سِتِّينَ سَوْطًا قلت نعم يَا رب قَالَ هَذَا وَجْهي قد أبحتك فَانْظُر إِلَيْهِ
ويروى عَن عَبدة العابدة قَالَت لما حضرت الْوَفَاة رَابِعَة العدوية قَالَت لي يَا عَبدة لَا تؤذني بموتي أحدا وكفنيني فِي جبتي هَذِه وَهِي جُبَّة من شعر كَانَت تصلي بِاللَّيْلِ فِيهَا قَالَت فكفناها فِي تِلْكَ الْجُبَّة وَفِي خمار من صوف
[ ٢٢٤ ]
كَانَت تلبسه قَالَت عَبدة فرأيتها فِي مَنَامِي بعد دَفنهَا وَعَلَيْهَا حلَّة استبرق خضراء وخمار من سندس أَخْضَر لم أر قطّ شَيْئا أحسن مِنْهُمَا قَالَت فَقلت لَهَا يَا رَابِعَة مَا فعلت تِلْكَ الْجُبَّة الَّتِي كُنَّا كفناك فِيهَا والخمار الصُّوف قَالَت إِنَّمَا وَالله نزعا مني واستبدلت بهما هَذَا الَّذِي تَرين عَليّ وطويا وَختم عَلَيْهِمَا ورفعا فِي عليين ليكمل ثوابهما إِلَى يَوْم الْقِيَامَة قلت لَهَا فَمَا فعلت عُبَيْدَة بنت أبي كلاب قَالَت هَيْهَات هَيْهَات سبقتنا وَالله إِلَى الدَّرَجَات العلى قلت لَهَا وَبِمَ وَقد كنت أَنْت عِنْد النَّاس أكبر مِنْهَا قَالَت إِنَّهَا لم تكن تبالي على أَي حَال أَصبَحت من الدُّنْيَا وَلَا أمست قلت فَمَا فعل ضيغم بن مَالك قَالَت يزور الله ﷿ مَتى شَاءَ قلت فَمَا فعل بشر بن مَنْصُور قَالَت بخ بخ أعطي وَالله فَوق مَا كَانَ يأمل
قَالَت فَقلت لَهَا فيمَ تأمرينني أَن أَتَقَرَّب إِلَى الله ﷿ فَقَالَت عَلَيْك بِذكر الله فيوشك أَن تغتبطي بذلك فِي قبرك
وَقَالَ بعض الصَّالِحين رَأَيْت بشر بن مَنْصُور فِي النّوم بعد مَوته فَقلت لَهُ مَا فعل الله بك فَأَعْرض عني فَقلت لَهُ فضيغم بن مَالك قَالَ ركب إِلَى الله السَّاعَة
وَقَالَ ابْن ثَعْلَبَة العابد رَأَيْت ضيغم بن مَالك فِي النّوم بعد وَفَاته فَقَالَ لي يَا ابْن ثَعْلَبَة أما صليت عَليّ فَذكرت لَهُ شَيْئا مَنَعَنِي فَقَالَ أما أَنَّك لَو صليت عَليّ لربحت رَأسك يَقُول لنجوت وَغفر لَك
وَقَالَ أَبُو جَعْفَر السقاء صَاحب بشر بن الْحَارِث رَأَيْت بشر بن الْحَارِث ومعروفا الْكَرْخِي رَحْمَة الله عَلَيْهِمَا وهما جائيان وكأنهما فِي قبَّة أَو كَمَا قَالَ فَقلت من أَيْن قَالَا من جنَّة الفردوس زرنا كليم الله مُوسَى ﵇
وَلما احْتضرَ حجاج الزَّاهِد قيل لَهُ مَا تشْتَهي قَالَ الله ثمَّ خرجت نَفسه فَرَآهُ بعض إخوانه فِي النّوم يمشي على حَائِط قَالَ فَرفعت رَأْسِي إِلَيْهِ وَأَنا أَمْشِي بِالْأَرْضِ فَقلت لَهُ أَبَا يُوسُف كَيفَ حالك وَكَيف أَنْت وعلام
[ ٢٢٥ ]
قدمت قَالَ فَضَحِك وَقَالَ مَا الْأَمر إِلَّا سهل مَا رَأَيْت شَيْئا مِمَّا كنت أخافه وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
وَعَن سعيد بن أَسد أَن رجلا كَانَ من دُعَائِهِ اللَّهُمَّ سهل عَليّ الْمَوْت وَيسر عَليّ الْحساب وَبَارك لي فِي اللِّقَاء وأعذني من جهد الْبلَاء فَمَاتَ فَرُئِيَ فِي النّوم فَقيل لَهُ مَا فعلت فَقَالَ لقِيت خيرا وكل شَيْء سَأَلت الله أَن يعطينيه أعطانيه
وَقَالَ بعض الصَّالِحين رَأَيْت بشر بن الْحَارِث فِي النّوم وَمَا كنت رَأَيْته فِي الْيَقَظَة وَلَا كَلمته قطّ فَرَأَيْت كَأَنِّي وَاقِف بَين يَدي الله ﷿ أسمع كلَاما وَلَا أرى أحدا وَهُوَ يَقُول يَا بشر قد قبلناك وَقَبلنَا مَا كَانَ مِنْك فَسمِعت بشرا يَقُول وَمن تَبِعنِي يَا رب قَالَ قد غفرت لَهُم
وَقَالَ عَاصِم الْجَزرِي رَأَيْت فِي النّوم كَأَنِّي لقِيت بشر بن الْحَارِث فَقلت من أَيْن يَا أَبَا نصر فَقَالَ من عليين قَالَ فَقلت لَهُ مَا فعل أَحْمد بن حَنْبَل قَالَ تركته السَّاعَة مَعَ عبد الْوَهَّاب الْوراق بَين يَدي الله تَعَالَى يأكلان ويشربان قلت لَهُ فَأَنت قَالَ علم الله قلَّة رغبتي فِي الطَّعَام فأباحني النّظر إِلَيْهِ
وَقَالَ أَبُو جَعْفَر السقاء رَأَيْت بشر بن الْحَارِث فِي النّوم بعد مَوته فَقلت لَهُ يَا أَبَا نصر مَا فعل الله بك فَقَالَ ألطفني ورحمني وَقَالَ لي يَا بشر لَو سجدت لي فِي الدُّنْيَا على الْجَمْر مَا أدّيت شكر مَا حشوت قُلُوب عبَادي مِنْك وأباح لي نصف الْجنَّة فأسرح فِيهَا حَيْثُ شِئْت ووعدني أَن يغْفر لمن تبع جنازتي فَقلت لَهُ مَا فعل أَبُو نصر التمار قَالَ ذَاك فَوق النَّاس لِصَبْرِهِ على بلائه وَفَقره لَعَلَّه أَرَادَ بقوله أَبَاحَ لي نصف الْجنَّة نصف نعيم الْجنَّة لِأَن نعيم الْجنَّة نِصْفَانِ نصف روحاني وَنصف جسماني فيتنعمون أَولا بالروحاني ثمَّ إِذا ردَّتْ الْأَرْوَاح إِلَى الأجساد أضيف لَهُم النَّعيم الجسماني إِلَى النَّعيم الروحاني وَالله أعلم بِمَا أَرَادَ
[ ٢٢٦ ]
وَذكر بعض الصَّالِحين قَالَ رئي بشر بن الْحَارِث فِي النّوم وَهُوَ يُهَرْوِل وَيَقُول السَّاعَة انطلقنا من السجْن
وَقَالَ أَبُو الْحسن الْمَالِكِي صَحِبت خيرا النساج سِنِين كَثِيرَة فَقَالَ لي قبل مَوته بِثمَانِيَة أَيَّام أَنا أَمُوت يَوْم الْخَمِيس قبل الْمغرب وأدفن يَوْم الْجُمُعَة قبل الصَّلَاة وستنسى هَذَا فَلَا تنس قَالَ فَنسيته إِلَى يَوْم الْجُمُعَة فَلَقِيت من أَخْبرنِي بِمَوْتِهِ فَخرجت لأحضر جنَازَته فوحدت النَّاس قد أخرجُوا جنَازَته قبل الصَّلَاة كَمَا قَالَ فَسَأَلت من حضر وَفَاته فَقَالَ إِنَّه غشي عَلَيْهِ ثمَّ أَفَاق فَالْتَفت إِلَى نَاحيَة الْبَيْت وَقَالَ قف عافاك الله فَإِنَّمَا أَنْت عبد مَأْمُور وَأَنا عبد مَأْمُور وَالَّذِي أمرت بِهِ أَنْت لَا يفوتك وَالَّذِي أمرت بِهِ أَنا يفوتني ثمَّ دَعَا بِمَاء فجدد الْوضُوء ثمَّ صلى ثمَّ تمدد وغمض عَيْنَيْهِ وَمَات ﵀ فَرُئِيَ فِي الْمَنَام فَقيل لَهُ كَيفَ حالك فَقَالَ لَا تسْأَل وَلَكِنِّي تخلصت من دنياكم الوضرة
وَكَانَ من دُعَاء بعض الصَّالِحين اللَّهُمَّ يَا سَيِّدي حبست من شِئْت عَن خدمتك وأطلقت لَهَا من أَحْبَبْت من خلقك غير ظَالِم وَلَا مسئول عَن فعلك وَقد تقدّمت لي فِيك آمال فَلَا تجمع عَليّ الْمَنْع من الطَّاعَة وخيبة الأمل فِيك يَا كريم فَكَانَ هَذَا خَاتِمَة دُعَائِهِ فَلَمَّا مَاتَ رئي فِي الْمَنَام فِي الْجنَّة فَقيل لَهُ بِمَ نلْت هَذَا قَالَ بذلك التضرع والاستغاثة فِي الأسحار قيل ورئي عَلَيْهِ حلَّة قَالَ الرَّائِي فَمَا رَأَيْت شبها لَهَا وَعَلَيْهَا مَكْتُوب بِالذَّهَب انْعمْ فقد نلْت الأمل فَقلت لَهُ مَا هَذَا الْكتاب على ثِيَابك قَالَ هَذَا خَاتِمَة تضرعي وأملي الَّذِي كنت أؤمله من سَيِّدي
وَقَالَ بعض الصَّالِحين رَأَيْت أَبَا بكر الشبلي ﵀ فِي الْمَنَام وَكَأَنِّي قَاعد فِي مجْلِس الرصافة بالموضع الَّذِي كَانَ يقْعد فِيهِ وَإِذا بِهِ قد أقبل وَعَلِيهِ ثِيَاب حسان قَالَ فَقُمْت إِلَيْهِ وسلمت عَلَيْهِ وَجَلَست بَين يَدَيْهِ فَقلت لَهُ يَا سَيِّدي من أقرب أَصْحَابك إِلَيْك فَقَالَ مسرعا ألهجهم بِذكر الله وأقومهم بِحَق الله وأسرعهم مبادرة فِي مرضاة الله
[ ٢٢٧ ]
وَقَالَ أَبُو عبد الرَّحْمَن الساحلي رَأَيْت ميسرَة بن سلم فِي الْمَنَام بعد مَوته فَقلت لَهُ أصلحك الله طَالَتْ غَيْبَتِك فَقَالَ السّفر طَوِيل قلت فَمَا الَّذِي قدمت عَلَيْهِ فَقَالَ رخص لنا لأننا كُنَّا نفتي بالرخص فَقلت لَهُ فَمَا تَأْمُرنِي بِهِ فَقَالَ اتِّبَاع الْآثَار وصحبة الأخيار ينجيان من النَّار ويقربان من الْجَبَّار
وَرُوِيَ عَن شُعَيْب بن حَرْب قَالَ كَانَت بِمَكَّة امْرَأَة من الصَّالِحَات من أهل الْقُرْآن فرأت فِيمَا يرى النَّائِم حول الْكَعْبَة وصائف بأيديهن الرياحين وعليهن المعصفرات فَقَالَت سُبْحَانَ الله أَحول الْكَعْبَة يكون هَذَا فَقيل لَهَا أما علمت أَن عبد الْعَزِيز بن أبي رواد تزوج اللَّيْلَة قَالَت فَاسْتَيْقَظت فَإِذا عبد الْعَزِيز بن أبي رواد قد مَاتَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة
قَالَ بعض الصَّالِحين رَأَيْت فِي النّوم كَأَنِّي فِي السَّمَاء وَلأَهل السَّمَاء ضجيج وحركة وهم يَقُولُونَ جَاءَ المحسن جَعْفَر بن الزبير فانتبهت فمشيت إِلَى منزله فَوَجَدته قد مَاتَ
ويروى عَن أبي جَعْفَر الضَّرِير أَنه قَالَ رَأَيْت عِيسَى بن زادان فِي النّوم بعد مَوته فَقلت لَهُ مَا فعل الله بك فَأَنْشَأَ يَقُول
لَو رَأَيْت الحسان فِي الْخلد حَولي وأكاويبها بصافي الشَّرَاب
يترنمن بِالْقُرْآنِ جَمِيعًا يتمشين مسبلات الثِّيَاب
وَقَالَ عبود الْمعلم وَكَانَ يعرف بِوَجْه الْجنَّة رَأَيْت أَبَا عبد الله الْفَزارِيّ الْمعلم فِي النّوم بعد مَوته فَقلت لَهُ كَيفَ وجدت الْأَمر قَالَ أسهل مِمَّا تذكرُونَ وأصعب مِمَّا تصفون فَقلت لَهُ صَاحبك سهل الْوراق أَمَعَك هُوَ قَالَ يَدي فِي يَده وَيَده فِي يَدي يَعْنِي فِي الْجنَّة وَلكنه أطول مني قامة
وَقَوله أطول مني قامة يُرِيد أرفع مني مرتبَة وَكَانَ قد رَآهُ بعد مَوته
ويروى عَن معوذ بن دَاوُد الباكرتي وَكَانَ من الصَّالِحين أَنه قَالَ رَأَيْت أَبَا حَفْص عمر بن عبادل الرعيني الزَّاهِد بعد مَوته فَقلت لَهُ مَا فعل الله بك
[ ٢٢٨ ]
فَقَالَ لَو كنت أعلم الْغَيْب لاستكثرت من الْخَيْر وَهَذَا يدل على أَنه فعل مَعَه خير فَأَرَادَ الزِّيَادَة مِنْهُ
وَعَن يعلي بن عبيد قَالَ جَاءَ رجل إِلَى سُفْيَان الثَّوْريّ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا عبد الله رَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَن ملكا نزل من السَّمَاء إِلَى الشَّام فاقتلع رَيْحَانَة ثمَّ صعد بهَا إِلَى السَّمَاء فَقَالَ لَهُ سُفْيَان إِن صدقت رُؤْيَاك فقد مَاتَ الْأَوْزَاعِيّ فحفظ ذَلِك الْيَوْم فجَاء نعيه أَنه مَاتَ فِيهِ
ويروى عَن حَمَّاد بن زيد عَن هِشَام بن حسان عَن حَفْصَة قَالَت كَانَ مَرْوَان المحلمي لنا جارا وَكَانَ عابدا مُجْتَهدا فَمَاتَ فحزنت عَلَيْهِ حزنا شَدِيدا فرأيته فِي النّوم فَقلت لَهُ يَا أَبَا عبد الله مَا صنع بك رَبك
قَالَ أدخلني الْجنَّة قلت ثمَّ مَاذَا قَالَ رفعت إِلَى أَصْحَاب الْيَمين قلت ثمَّ مَاذَا قَالَ ثمَّ رفعت إِلَى المقربين قلت فَمن رَأَيْت ثمَّ من أَصْحَابك قَالَ رَأَيْت الْحسن الْبَصْرِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين وَمَيْمُون بن سياه قَالَ حَمَّاد قَالَ هِشَام فحدثتني أم عبد الله وَكَانَت من خِيَار نسَاء أهل الْبَصْرَة قَالَت رَأَيْت فِيمَا يرى النَّائِم كَأَنِّي دخلت بستانا فَذكرت من حسنه مَا شَاءَ الله أَن تذكر فَإِذا أَنا بِرَجُل متكيء على سَرِير من ذهب وَحَوله الوصائف بأيديهن الأكاويب قَالَت فَأَنا متعجبة من حسن مَا أرى إِذْ أَتَى ذَلِك الرجل فَقيل لَهُ هَذَا مَرْوَان المحلمي قد أقبل فَوَثَبَ فَاسْتَوَى جَالِسا على سَرِيره قَالَت فَاسْتَيْقَظت من مَنَامِي فَإِذا بِجنَازَة مَرْوَان المحلمي قد مر بهَا على بَابي تِلْكَ السَّاعَة
ويروى عَن عبد الْوَاحِد بن زيد وَكَانَ من الصَّالِحين قَالَ رَأَيْت فِي الْمَنَام لَيْلَة مَاتَ الْحسن الْبَصْرِيّ كَأَن أَبْوَاب السَّمَاء قد فتحت وَكَأن الْمَلَائِكَة صُفُوف فَقلت مَا هَذَا إِلَّا لأمر عَظِيم فَسمِعت مناديا يُنَادي أَلا إِن الْحسن بن أبي الْحسن قدم على الله وَهُوَ عَنهُ رَاض
ويروى أَن امْرَأَة قَالَت لِابْنِ سِيرِين وَهُوَ يَأْكُل رَأَيْت كَأَن شَجَرَة ياسمين قلعت من الأَرْض وَرفعت إِلَى السَّمَاء وَكَأن الثريا سَقَطت من السَّمَاء
[ ٢٢٩ ]
فِي دَارك قَالَ فَرفع ابْن سِيرِين يَده من الطَّعَام وَقَالَ أعظم الله أجري فِي نَفسِي وَإِن كثر الْبَقَاء فَإلَى سبع فَكَانَ كَذَلِك
ويروى عَن عَمْرو بن عمر بن صَفْوَان عَن بعض مشيخته قَالَ رَأَيْت فِي النّوم كَأَنِّي جِئْت إِلَى هَذِه الْمقْبرَة الَّتِي بِمَكَّة فَرَأَيْت على عامتها سرادقات وَرَأَيْت مِنْهَا قبرا عَلَيْهِ سرادق وفسطاط وسدرة فَجئْت حَتَّى دخلت وَإِذا مُسلم بن خَالِد الزنْجِي فَسلمت عَلَيْهِ وَقلت يَا أَبَا خَالِد مَا بَال هَذِه الْقُبُور عَلَيْهَا سرادق وقبرك عَلَيْهِ سرادق وفسطاط وَفِيه سِدْرَة فَقَالَ إِنِّي كنت كثير الصّيام فَقلت لَهُ يَا أَبَا خَالِد أَيْن قبر ابْن جريج دلَّنِي عَلَيْهِ فقد كنت أجالسه وَأَنا أحب أَن أسلم عَلَيْهِ فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ هَيْهَات وأدار أُصْبُعه السبابَة وَقَالَ وَأَيْنَ قبر ابْن جريج رفعت صَحِيفَته فِي عليين
ويروى عَن بعض الصَّالِحين قَالَ رَأَيْت بعض جيراني فِي النّوم فَقلت لَهُ مَا حالك فَذكر شَيْئا قلت فَمَا حَال عبد الله بن الْمُبَارك قَالَ ذَلِك مَشْهُور فِي الْجنَّة
ورئي حَمَّاد بن سَلمَة فِي النّوم فَقيل لَهُ مَا فعل الله بك فَقَالَ أوقفني بَين يَدَيْهِ وَقَالَ لي طَال مَا كددت نَفسك فِي الدُّنْيَا فاليوم أطيل راحتك وراحة المتعبين
وَعَن أسلم بن زرْعَة الْعَبادَانِي قَالَ كَانَ عندنَا بالسَّاحل رجل لَهُ فضل بارع كَانَ يعذب لَهُ المَاء المالح قَالَ قَالَ لي يَوْمًا رَأَيْت البارحة فِيمَا يرى النَّائِم كَأَن رجلا يَقُول لي قد فَرغْنَا من بِنَاء دَارك وَلَو رَأَيْتهَا لقرت عَيْنَاك وَقد أمرنَا أَن ننجزها لَك والفراغ مِنْهَا إِلَى سَبْعَة أَيَّام وَاسْمهَا السرُور فأبشر بِخَير قَالَ فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم السَّابِع بكر للْوُضُوء وَنزل للنهر وَقد هدأ فزلق فغرق فَمَاتَ فأخرجناه فدفناه قَالَ فأريته بعد ثَالِثَة وَهُوَ يكبر وَعَلِيهِ حلل خضر فَقَالَ لي يَا أَبَا الرضى أنزلني الْكَرِيم دَار السرُور وماذا أعد لي فِيهَا فَقلت صف لي هَذَا فَقَالَ هَيْهَات يعجز الواصفون أَن تنطق ألسنتهم بِمَا فِيهَا فيا لَيْت عيالي
[ ٢٣٠ ]
يعلمُونَ أَنه قد هيء لَهُم منَازِل معي فِيهَا كل مَا اشتهت أنفسهم ولذت أَعينهم نعم وإخواني وَأَنت مَعَهم إِن شَاءَ الله قَالَ ثمَّ انْتَبَهت
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد اللباد الْفَقِيه ﵀ رَأَيْت ربيعا الْعَطَّار فِي الْمَنَام فَقلت لَهُ مَا فعل الله بك فَقَالَ فِي الْجنَّة فَقلت وَكَيف حالكم فِيهَا قَالَ تَارَة تزخرف لنا الْجنان وَتارَة تشرف علينا الْحور الْعين وَتارَة تصطك لنا الْحجب قَالَ فَقلت لَهُ فَمن أَعلَى منزلَة أَنْت أم فلَان وَسمي لَهُ رجلا مَعْرُوفا عِنْدهم قَالَ فَتَبَسَّمَ وَقَالَ كلنا جَمعنَا فِي حديقة وَاحِدَة يَعْنِي فِي جنَّة وَاحِدَة
وَرَأى بعض من يوثق بِهِ رجلا كَانَ يعرف بِالْخَيرِ والعفاف بعد مَوته وَعَلِيهِ عِمَامَة خَز فأنكرها عَلَيْهِ وَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُ أتلبسها ولباس الْخَزّ مَكْرُوه فَقَالَ لَهُ هُوَ عندنَا فِي هَذِه الدَّار مُبَاح
ورئي غَيره شَابًّا وَكَانَ فِي الدُّنْيَا أشيب فَقيل لَهُ نرَاك دون شيب فَقَالَ لَا يشيب أحد فِي هَذِه الدَّار
وَقَالَ بعض الصَّالِحين كَانَ لي ولد فاستشهد فرأيته فِي النّوم لَيْلَة مَاتَ عمر بن عبد الْعَزِيز فَقلت لَهُ يَا بني أَلَسْت مَيتا قَالَ لَا وَلَكِنِّي حَيّ أرزق فَقلت فَمَا جَاءَ بك قَالَ نُودي فِي أهل السَّمَاء لَا يبْقى نَبِي وَلَا صديق وَلَا شَهِيد إِلَّا ويحضر الصَّلَاة على عمر بن عبد العزيز فَحَضَرت ثمَّ جِئْت لأسلم عَلَيْكُم وأراكم
وَالْأَخْبَار فِي هَذَا الْبَاب لَا تحصى
[ ٢٣١ ]