أعلم رَحِمك الله أَن يَوْم يَوْم الْقِيَامَة لَيْسَ طوله كَمَا عهِدت من طول الْأَيَّام بل هُوَ آلَاف من الأعوام ينْصَرف فِيهِ هَذَا الْأَنَام على الْوُجُوه والأقدام حَتَّى ينفذ فيهم مَا كتب لَهُم وَعَلَيْهِم من الْأَحْكَام وَلَيْسَ يكون خلاصهم دفْعَة وَاحِدَة وَلَا فراغهم فِي مرّة وَاحِدَة بل يتخلصون ويفرغون بفراغ الْيَوْم لَكِن طول ذَلِك الْيَوْم خمسين ألف سنة فيفرغون بفراغ الْيَوْم ويفرغ الْيَوْم بفراغهم
وَلَيْسَ أَيْضا هَذَا الْيَوْم مثل أَيَّام الدُّنْيَا الَّتِي تكون على حكم دوران الْفلك إِذا ذهب اللَّيْل جَاءَ النَّهَار وَإِذا ذهب النَّهَار جَاءَ اللَّيْل حِكْمَة الله الَّتِي حيرت الْعُقُول وأكلت الْأَبْصَار وأخرست الألسن
لَيْسَ هُنَاكَ ليل إِنَّمَا هُوَ وَقت وَاحِد على صفة وَاحِدَة وَهَذَا الَّذِي يُسمى يَوْمًا انما هُوَ مِقْدَار من ذَلِك الْوَقْت يطوله الله ﷿ مَا شَاءَ ويقصره مَا شَاءَ ويسمي مَا شَاءَ بِمَا شَاءَ
وَذكر مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا من صَاحب ذهب وَلَا فضَّة لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقّهَا إِلَّا إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة صفحت لَهُ صَفَائِح من نَار فأحمي عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم فيكوى بهَا جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أُعِيدَت لَهُم فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خمسين ألف سنة حَتَّى يقْضِي بَين الْعباد فَيرى سَبيله إِمَّا إِلَى الْجنَّة وَإِمَّا إِلَى النَّار قيل يَا رَسُول الله فالإبل قَالَ وَلَا صَاحب إبل لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقّهَا وَمن حَقّهَا حلبها يَوْم وردهَا إِلَّا إِذا
[ ٢٨١ ]
كَانَ يَوْم الْقِيَامَة بطح لَهَا بقاع قرقر أوفر مَا كَانَت لَا يفقد مِنْهَا فصيلا وَاحِدًا تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها كلما مر عَلَيْهِ أولاها رد عَلَيْهِ أخراها فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خمسين ألف سنة حَتَّى يقْضِي بَين الْعباد فَيرى سَبيله إِمَّا إِلَى الْجنَّة وَإِمَّا إِلَى النَّار قيل يَا رَسُول الله فالبقر وَالْغنم قَالَ وَلَا صَاحب بقر وَلَا غنم لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقّهَا إِلَّا إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة بطح لَهَا بقاع قرقر لَا يفقد مِنْهَا شَيْئا لَيْسَ فِيهَا عقصاء وَلَا جلحاء وَلَا عضباء تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلما مر عَلَيْهِ أولاها رد عَلَيْهِ أخراها فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خمسين ألف سنة حَتَّى يقْضِي بَين الْعباد فَيرى سَبيله إِمَّا إِلَى الْجنَّة وَإِمَّا إِلَى النَّار
كَذَا روى وَإِنَّمَا هُوَ كلما مر عَلَيْهِ اخراها رد عَلَيْهِ أولاها
قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ فَمَا ظَنك بِقوم قَامُوا على أَقْدَامهم مِقْدَار خمسين ألف سنة لم يَأْكُلُوا فِيهَا أَكلَة وَلم يشْربُوا فِيهَا شربة حَتَّى إِذا انْقَطَعت أَعْنَاقهم عطشا واحترقت أَجْوَافهم جوعا انْصَرف بهم إِلَى النَّار فسقوا من عين آنِية قد أَنى حرهَا وَاشْتَدَّ نضجها
وَاعْلَم أَن هَذَا الْيَوْم يَتلون ألوانا ويستحيل حَال النَّاس فِيهِ أحوالا فينبعثون فِيهِ من قُبُورهم ويساقون فِيهِ إِلَى مَحْشَرهمْ وَمَكَان الْقَضَاء فيهم ويقفون فِيهِ مَا شَاءَ الله أَن يقفوا شاخصة أَبْصَارهم إِلَى السَّمَاء مبهوتين سكارى حيارى من عَظِيم مَا أَصَابَهُم وهول مَا نزل بهم ثمَّ يموج بَعضهم فِي بعض وَيدخل بَعضهم فِي بعض ويمشون من نَبِي إِلَى نَبِي يطْلبُونَ الشَّفَاعَة فِي الاستعجال والانفصال والتخلص من تِلْكَ الْأَهْوَال والأنكال وَلَيْسَ كل النَّاس يكلم الْأَنْبِيَاء وَلَيْسَ كل النَّاس يمشي إِلَيْهِم وَمن النَّاس من يكون بِمَنْزِلَة الرغام تطؤه الْأَقْدَام فِي ذَلِك الزحام وضيق ذَلِك الْمقَام وَيَأْتِي فِي هَذَا الْيَوْم وَقت مِنْهُ يتَكَلَّم فِيهِ الْمُشْركُونَ فَيَقُولُونَ وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين
[ ٢٨٢ ]
وَيَأْتِي عَلَيْهِم مِنْهُ وَقت آخر لَا يَتَكَلَّمُونَ وَلَا يُؤذن لَهُم فيعتذرون وَفِيه تكون المحاسبة والمناقشة وَفِيه يتَعَلَّق النَّاس بَعضهم بِبَعْض وَيطْلب بَعضهم بَعْضًا ويخاصم بَعضهم بَعْضًا فَمن النَّاس من يُخَفف عَلَيْهِ الْيَوْم حَتَّى لَا يجد فِيهِ مشقة طول وَلَا يرد لَهُ فِيهِ رَغْبَة وَلَا سؤل
وَذكر ابْن وهب من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَنه قَالَ للنَّبِي ﷺ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خمسين ألف سنة مَا أطول هَذَا الْيَوْم فَقَالَ النَّبِي ﷺ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّه ليخفف على الْمُؤمن حَتَّى يكون أخف عَلَيْهِ من صَلَاة مَكْتُوبَة كَانَ يُصليهَا فِي الدُّنْيَا فَمن النَّاس من يطول مقَامه وحبسه إِلَى آخر الْيَوْم وَمِنْهُم من يكون انْفِصَاله فِي ذَلِك الْيَوْم فِي مِقْدَار يَوْم من أَيَّام الدُّنْيَا وَفِي سَاعَة من ساعاته أَو فِيمَا شَاءَ الله من ذَلِك أَو يكون رائحا فِي ظلّ كَسبه وعرش ربه وَمِنْهُم من يُؤمر بِهِ إِلَى الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب وَلَا عَذَاب كَمَا أَن مِنْهُم من يُؤمر بِهِ إِلَى النَّار فِي أول الْأَمر من غير وقُوف وَلَا انْتِظَار أَو بعد يسير من ذَلِك النَّهَار وَبِالْجُمْلَةِ فَلَيْسَ يتم ذَلِك الْيَوْم إِلَّا وَقد نزل كل إِنْسَان بداره وَاسْتقر فِي قراره من جنته أَو ناره
فتفكر أَيهَا الْإِنْسَان فِي طول ذَلِك الْيَوْم وَفِي طول ذَلِك الْقيام فِيهِ مَعَ ذَلِك الْحَال الأخطر والفزع الْأَكْبَر والهول الَّذِي لَا يكيف وَلَا يقدر فاختر لنَفسك كم تُرِيدُ أَن تقف فِيهِ وَكَيف تُرِيدُ أَن تكون فِيهِ مَا دَامَ النّظر إِلَيْك وَالِاخْتِيَار بيديك مَعَ توفيق رَبك ﷿ لَك ومعونته إياك
وَأنْشد بَعضهم
يَا آمن الساحة لَا يذعر بَين يَديك الْفَزع الْأَكْبَر
وَإِنَّمَا أَنْت كمصبورة حم رداها وَهِي لَا تشعر
والمرء مَنْصُوب لَهُ حتفه لَو أَنه من عَمه يبصر
وَهَذِه النَّفس لَهَا حَاجَة والعمر عَن تَحْصِيلهَا يقصر
[ ٢٨٣ ]
وَكلما تزجر عَن مطلب كَانَت بِهِ أهيم إِذْ تزجر
وَإِنَّمَا تقصر مغلوبة كَالْمَاءِ عَن عنصره يقصر
وَرُبمَا أَلْقَت معاذيرها لَو أَنَّهَا يَا ويحها تعذر
وناظر الْمَوْت لَهَا نَاظر لَو أَنَّهَا تنظر إِذْ ينظر
وزائر الْمَوْت لَهُ طلعة يبصرها الأكمه والمبصر
وروعة الْمَوْت لَهَا سكرة مَا مثلهَا من روعة تسكر
وَبَين أطباق الثرى منزل ينزله الْأَعْظَم والأحقر
يتْرك ذُو الْفَخر بِهِ فخره وَصَاحب الْكبر بِهِ يصغر
قد مَلَأت ارجاءه روعة نكيرها الْمَعْرُوف وَالْمُنكر
وَبعد مَا بعد وَأعظم بِهِ من مشْهد مَا قدره يقدر
يرجف مِنْهُ ذَا الورى رَجْفَة ينهد مِنْهَا الْمَلأ الْأَكْبَر
وَلَيْسَ هَذَا الْوَصْف مُسْتَوْفيا كل الَّذِي من وَصفه يذكر
وَإِنَّمَا ذَا قَطْرَة أرْسلت من أبحر تتبعها أبحر
وَقد أَتَاك الثبت عَنهُ بِمَا أخْبرك الصَّادِق إِذْ يخبر
فاعمل لَهُ ويك وَإِلَّا فَلَا عذر وَمَا مثلك من يعْذر
وَاعْلَم أَنه كلما طَال قيامك فِي طَاعَة الله وانتصابك لَهُ قصر قيامك فِي ذَلِك الْيَوْم وَقل تعبك فِيهِ وَكلما كثر تصرفك فِي طَاعَة الله سُبْحَانَهُ وإقبالك وإدبارك فِي قَضَاء حَاجَة مُسلم ومشيك فِيهِ ومشاركتك لَهُ يقل مشيك فِي ذَلِك الْيَوْم ويقل تعبك فِيهِ وبقدر مَا تبذل تُعْطى وكما تدين تدان
ولعلك يَا هَذَا تستطيل رَكْعَتَيْنِ تقْرَأ فيهمَا حزبا أَو حزبين تقوم بهما لِرَبِّك ﷻ ولعلك تعجز عَن مشي ميل فِي قَضَاء حَاجَة مُسلم أَو ميلين
[ ٢٨٤ ]
وَبَين يَديك هَذَا الْيَوْم الطَّوِيل المديد وَالْكرب الْعَظِيم الشَّديد الَّذِي لَا يقصر إِلَّا على من أَطَالَ التَّعَب لله وَلَا يسهل إِلَّا على من تحمل الشدائد فِي ذَات الله ولعلك ان صليتهما لَيْلَة عجزت عَنْهُمَا لَيْلَة أُخْرَى ولعلك ان مشيت يَوْمًا فِي حَاجَة مُسلم برمت من ذَلِك يَوْمًا آخر وضجرت مِنْهُ وكسلت عَنهُ وَرُبمَا وقفت لسَمَاع حَدِيث فارغ يكون تَقْدِيره أَكثر من حزب أَو حزبين وَرُبمَا مشيت فِي فضول الْميل والميلين وَأكْثر من ذَلِك وَلَو تدبرت فِي أَمرك وَنظرت فِيمَا يُرَاد بك لسهل عَلَيْك من أَمرك العسير وَقرب عَلَيْك فِيهِ الْبعيد فاعمل رَحِمك الله فِي أَيَّام قصار وَعمر قصير لأيام طوال وَعمر طَوِيل
[ ٢٨٥ ]