كذلك من العبادات ذات الأثر الحسن في إصلاح القلوب وتهذيب النفوس (الصيام» فهو يشتمل على كثير من الفضائل نذكر بعضها: _
١_ في الصيام ضبط للنفس وإطفاء لشهواتها فإنها إذا شبعت تمردت وسعت وراء شهواتها وإذا جاعت خضعت وامتنعت عما تهوى قال ﷺ: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فهو له وجاء" فإنه يكسر من شهوة الشباب حتى لا تطغى عليه الشهوة فيصير إلى العنت والفاحشة فكان الصوم ذريعة إلى كف النفس عن المعاصي.
٢_ إن الصيام وسيلة إلى إصلاح النفوس وتهذيبها إنه يربي في الإنسان فضيلة الصدق والوفاء والإخلاص والأمانة والصبر عند الشدائد لأن النفس إذا انقادت للامتناع عن الحلال من الغذاء الذي لا غنى لها عنه طلبا لمرضاة الله وخوفا من أليم عذابه فأولى أن تنقاد للامتناع عن الحرام الغنية عنه فلا يكذب الصائم ولا يغدر ولا ينقض عهدا ولا يخلف وعدا ولا يكون مرائيا ولا خائنا فكان الصوم سببا في اتقاء المحارم وقوة العزيمة والتحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل وإلى هذا كله أشار ﷻ بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ١
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية رقم ١٨٣.
[ ٩٥ ]
٣_ الصوم يدعو إلى شكر النعمة إذ هو كف للنفس عن الطعام والشراب ومباشرة النساء وكل هذا من جلائل نعم الله ﷿ على خلقه والامتناع عن هذه النعم من أول اليوم إلى آخره يعرف الإنسان قدرها إذ لا يعرف فضل النعمة إلا بعد فقدها فيعينه ذلك على القيام بشكرها، وشكر النعمة واجب وإلى هذا أشار جل وعلا بقوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ١.
٤_ الصيام يبعث في الإنسان فضيلة الرحمة بالفقراء والعطف على البائسين فإن الإنسان إذا ذاق ألم الجوع في بعض الأوقات تذكر الفقير الجائع في كل الأوقات فيسارع إلى رحمته والإحسان إليه.
٥_ في الصيام تمام التسليم لله وكمال العبودية له فالصائم يجوع ويعطش وأسباب الغذاء والري أمامه٢ ميسرة لولا حب الله تعالى والرغبة في رضاه ولهذا جاء في الحديث القدسي "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي يدع شهوته وطعامه من أجلي" رواه مسلم.
٦_ الصيام يعود على البدن بالصحة ويكون سببا في شفاء كثير من الأمراض إذ فيه راحة للمعدة من عناء الهضم وتخليص للجسم من فضلاته الضارة وصدق رسول الله ﷺ إذ يقول "صوموا تصحوا" رواه الطبراني.
هذا هو الصيام لم يشرعه الله تعالى تعذيبا للبشر ولا انتقاما منهم وإنما شرعه إيقاظا لأرواحهم وتصحيحا لأجسامهم وتقوية لإرادتهم وتعويدا لهم على الصبر وتعريفا لهم بالنعمة وتربية لمشاعر الرحمة فيهم وتدريبا لهم على كمال التسليم لله رب العالمين٣.
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية رقم ١٨٥. ٢ من محاسن الإسلام للأستاذ أحمد عز الدين ص٦٩. ٣ المرجع السابق ص٧١.
[ ٩٦ ]