شأن الصداقة أن تنعقد بين شخصين يقيمان في موطن، وتبقى حافظة المظاهر ما دام الصديقان يتمتعان بأنس القرب والتزاور، فإن فرَّقت الأيام بين داريهما، وبدَّلَتْهما بالقرب بعدًا، وبالأنس شوقًا بقيت الصداقة في قوتها، وإنما يكون للبعد أثر في مظاهرها.
[ ١٠٠ ]
وذكر أرسطو أن الغَيْبَة الطويلة من شأنها أن تنسي الصداقة، وساق على هذا المثل الذي يقول: "كثيرًا ما أودى بالصداقة سكوت طويل".
ونحن نرى أن صداقة الفضيلة متى بلغت منتهاها لا تأخذ الغَيبة الطويلة شيئًا أكثر من مظاهرها.
وربما عُقِدَت الصداقة بين شخصين لم يتجاورا ولم يلتقيا، وإنما عرف كلٌّ منهما فضل الآخر على بعد، ولم يكن بينهما اتصال إلا من طريق المراسلة:
وإني امرؤ أحببتكم لمكارم سمعت بها والأذن كالعين تعشق
وكثيرًا ما تأتي هذه الصداقة بثمار طيبة غزيرة، وإن كان مسلكها في الروح غير مسلك الصداقة الناشئة عن لقاء ومشاهدة.