"إذا جاءتك خادم المطعم تحمل صحنًا من البطاطس المسلوقة وكنت قد طلبت بطاطس محمرة، فقل لها: (آسف إذا أزعجتك، ولكني أُفضّل البطاطس المحمرة على الطريقة الفرنسية) فستجيب: (لا إزعاج إطلاقًا) وستسرّ بخدمتك لأنك أظهرت احترامًا لها". (ديل كارنيجي: كيف تكسب الأصدقاء)
إنّ من الجفاء أن لا يمتزج بالمعاتبة تهللٌ بادئ اللقاء، أو دعابة في المنطق وتجمّلٌ بالثناء، وغير ذلك مما يبهج الصديق، ويدفع الضيق، ويمهد الطريق، وفي خبر عتاب رسول الله ﷺ للأنصار الذي سنورده في آخر الباب، تصويرٌ لأثر ما أشرنا إليه.
وكنت إذا استبطأت ودّك زرته بتفويف شعر كالرداء المحبّر
عتابٌ بأطراف القوافي كأنّه طِعانٌ بأطراف القنا المتكسّر (البحتري)
حدّثني والدي عن بعض مواقفه مع أخيه الشيخ عبد الله أبونصيّة لمّا كان مشرفًا على النشاط الطلاّبي في إحدى المدارس الابتدائية، فقد حصدت المدرسة جوائز متتالية من الأنشطة لعدّة سنوات، وفي أحد المواسم
[ ٥٥ ]
قررت اللجنة - التي يتصدّرها والدي - حجب مشاركة المدرسة مما أحدث أثرةً في مدير المدرسة ومعلّميها وطلاّبها، وقد عرضت المدرسة استنكارها وعتابها على ذلكم الصنيع في فقرة مسرحيّة تخللت حفل نهاية العام الدراسي، فاستأذن أبي في المشاركة وأجابهم على منبر الحفل بأبيات كان مطلعها:
حنانكِ أمّنا وضَحَ الصوابُ وعفوكِ إنّهُ انْقشَعَ الضَبَابُ
فتَحْتِ الصَدْرَ أعْوامًا عِجافًا فذلّ لنا منَ العلمِ الصعابُ
وفيها:
عِتابكم هو الشَهْدُ المصفّى وبعضُ العتْبِ مهْلَكَةٌ وصابُ
وأحلى العتْب يصدر من حبيبٍ "ويبقى الودُّ ما بقيَ العِتَابُ"
* * *
لئنْ حُجبَتْ مساهَمَةٌ لعَمْري سماءُ الله يحْجُبها سحابُ
وتلك الغادةُ الحسْناء يدنو لها الخطّابُ والأدبُ الحجابُ
فهذا عتاب لطيف استوجب جوابًا حسنًا، عادت به المياه إلى مجاريها، والقلوب إلى تصافيها، بل وأحسن وزيادة، وهكذا العواطف حينما تتحرك في جوانح النفوس الكريمة، يأسرها التلطف ويستميلها التودد، من أجل ذلك تدرك عناية الشريعة بحسن التعامل مع الآخرين.
[ ٥٦ ]
إن أساليب الاستعطاف لا تكاد تحصى، وإن كنت أعرض عليك قواعد عامة تخلُق العطف في مشيمة الصداقة، إلا أني سأذكر لك مثالًا واحدًا ربما غفل عنه الكثيرون أو ظنوه غير مجدٍ وهو عظيم الجدوى، جرب مرّة أن تنادي صديقك نداء استعطاف باسمٍ خلاف الذي اعتاده منك كأن تنادي: (أبا محمد) بصريح اسمه: (عليّ) من المؤكد أن ذلك سيثير اهتمامه ولابد أن يكون تأثيره مذهلًا.