قد يوصي بعض الأدباء بالاحتراس من الصديق، كما قال أحدهم:
أما العداة فقد أروك ظنونهم وأقصد بسوء ظنونك الإخوانا
وأتى على هذا المعنى آخر، وأبدى له وجهًا، هو الخوف من أن ينقلب الصديق إلى عدو، فيكون أدرى بوجه الضرر، فقال:
احذر عدوك مرة واحذر صديقك ألف مرة
فلربما انقلب الصديـ ـق فكان أعلم بالمضرة
والقول الفصل في هذا أن صديق المنفعة متى عرف الإنسان وجه صداقته كان له أن يحترس منه، ويكون هذا موضع الأشعار التي تنصح بالاحتراس مع الأصدقاء.
أما من انعقدت بينك وبينه صداقة الفضيلة، وكنت على يقين من أن هذا وجه صداقتكما - فلا موضع للاحتراس منه.
فإن اجتهدت أيها الألمعي رَأْيَك في صداقة شخص، وبدا لك أنها صداقة فضيلة، ثم رأيت منه ما لم تكن تحتسب - فلا يَحْمِلْك هذا الخطأُ في الاجتهاد
[ ٩٢ ]
على الاحتراس من كل صداقة؛ فإن ما وقع إنما هو أمر نادر، والأمور النادرة لا تتخذ مقياسًا في معاملة الأصدقاء، ولا تستدعي أكثر من أن تستعيذ بالله من شرها، ثم تمضي مع أصدقائك الفضلاء في وداعه خلق، وسماحة نفس.