ومما يعين على ترك المعاتبة، أنْ تتذكّر بأنّك ربما ألجأت الصديق إلى أنْ يواجهك بما هو شرّ مما هو فيه، فيصار لما عرّفه أبو علي اليمامي:
صار العتاب يزيدني بعدا ويزيد من عاتبته صدّا
فقد نقل عن أبي سليمان الداراني أنّه قال لأحمد بن أبي الحواريّ: "إذا واخَيْتَ أحدًا في هذا الزمان فلا تعاتبه على ما تكرهه، فإنّك لا تأمن من أنْ يرى في جوابه ما هو شرٌّ من الأوّل"، قال: "فجرّبته فوجدته كذلك".
وتذّكر أنّ العتاب غير مأمون العاقبة، وأنّ السلامة في ترك غيرِ ما استثنيناه، وأنّه لربما استحالت الصلة هجرًا وحال دون الوصل بعد ذلك الفراق، وفي ذلك
[ ٧٥ ]
يقول ابن حزم: "وهل هَجَسَ في الأفكار، أو قام في الظنون، أشنع وأوجع من هجر عتاب وقع بين محبّيْن، ثمّ فاجأهم النّوى قبل حلول الصلح وانحلال عقدة الهجران، فقاما إلى الوداع وقد نسي العتاب وجاء ما طمّ على القُوى وأطار الكرى إلخ"
[ ٧٦ ]
"لعمري إنّ فيه - أي العتاب - إذا كان قليلًا للذة، وأمّا إذا تفاقم فهو فألٌ غير محمود، وأمارةٌ وبيئة المصدر، وعلامة السوء، وهي بجملة الأمر مطيّة الهجران، ورائدة الصّريمة، ونتيجة التجنّي، وعنوان الثقل، ورسول الانفصال، وداعية القِلى، ومقدّمة الصدّ، وإنما يُسْتَحْسَنُ إذا لَطُفْ وكان أصله الإشفاق".
(ابن حزم)
[ ٧٧ ]