يذهب بعض الناس إلى أن يسيروا مع الأصدقاء على مثل سيرتهم معهم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، وأشار إلى هذا المذهب أبو القاسم الحريري في مقاماته بمثل قوله: "بل نتوازن بالمقال وزن المثقال، ونتحاذى في الفعال حذو النعال".
والقول الفصل في هذا أنَّ ما يصدر من الصديق إن كان من قبيل العثرة التي تقع في حال غفلة، أو خطأ في اجتهاد الرأي - فذلك موضع الصفح والتجاوز، ولا ينبغي أن يكون له في نقض الصداقة أثر كثير أو قليل.
أما إن كان عن زهد في الصحبة، وانصرافٍ عن الصداقة، فلك أن تزهد في صحبته، وتقطع النظر عن صداقته.
وهذا موضع الاستشهاد بمثل قول الكُميت:
وما أنا بالنِّكس الدنيء ولا الذي إذا صدَّ عني ذو المودةِ يقرب
ولكنه إن دام دمت وإن يكن له مذهب عني فلي فيه مذهب
ألا إن خير الودِّ ودٌّ تَطَوَّعت له النفس لا ودٌّ أتى وهو مُتْعَب
والفرق بين عثرة قد تصدر من ذي صداقة، وبين
[ ٩٧ ]
جفاء لا يكون إلا من زاهد في الصداقة - يَرْجِعُ فيه الرجلُ إلى الدلائل التي لا يبقى معها ريب.
والتفريط في جانب الصديق ليس بالأمر الذي يستهان به؛ فلا ينبغي الإقدام عليه دون أن تقوم على قصده لقطع المودة بَيِّنةٌ واضحةٌ.