وكان هؤلاء بين الحين والحين يقومون بالغزو -على تسميتهم-، ويرتكبون المجازر ويفخخون السيارات، ويثورونها في أماكن ازدحام الناس، مما سببوا قتل عدد غير قليل من الأبرياء!
ونشرت بعض الصحف (١) على لسان بعض التائبين من هؤلاء مقالةً تحت عنوان (كنا ضحايا فتاوى السلفية)، وهذا كذب، بل أولئك سلموا أنفسهم لقادة ساقوهم باسم الدين، والكذب على العلماء السلفيين؛ مثل: ابن باز (٢)، والألباني، وابن عثيمين (٣) -رحمهم الله تعالى-، فأوهموهم أنّ العلماء معهم، وأنهم ينزلون عند تقريراتهم، ويسيرون بفتاواهم وتوجيهاتهم!
والأمر ليس كذلك، بل هم يقرون أنّ الذي جرى في الجزائر ليس إلا على منهج (الخوارج) !
فها هو شيخنا الألباني يقول عما حصل في الجزائر بعد كلام: «فإذا كان
_________________
(١) هي جريدة «الصحافة» الجزائرية، في العدد (١١٢) بتاريخ ٢ جمادى الثانية سنة ١٤٢٠هـ، الموافق ١٢/٩/١٩٩٩م.
(٢) لا تنس ما قدمناه عنه قريبًا (ص ٨٢-٨٤) .
(٣) سئل الشيخ -﵀- في شوال سنة ١٤١٤هـ: هل أنكم قلتم باستمرار المواجهة ضد النظام بالجزائر؟ فأجاب: «ما قلنا بشيء من ذلك» . وسئل في ١٣/صفر/سنة ١٤٢٠هـ وفي بيته بمدينة عنيزة: ما حكم ما ينسب إليكم -حفظكم الله- من تأييد الجماعات المسلحة الخارجة على الحكومة الجزائرية؟ وأنكم معهم إلا أنكم عاجزون عن التصريح بذلك، لأسباب أمنية وسياسية؟ الجواب: «هذا ليس بصحيح، ولا يمكن أن نؤلب أحدًا على الحكومة؛ لأنّ هذا تحصل به فتنة كبيرة، إذ أنّ هؤلاء الذين يريدون أن يقابلوا الحكومة ليس عندهم من القدرة ما يمكن أن يغلبوا الحكومة به، فما يبقى إلا القتل وإراقة الدماء والفتنة، كما هو الواقع، وما أكثر ما ينسب إلينا هنا في السعودية أو خارج السعودية، وليس له أصل عنا! والحامل لذلك -والله أعلم- أن الناس لهم أهواء، فإذا هَووا شيئًا نسبوه إلى عالم من العلماء؛ من أجل أن يكون له قبول، وهذه المسألة خطيرة» .
[ ٩٣ ]
السؤال إذًا بأنَّ هؤلاء حينما يفخِّخون -كما يقولون- بعض السيارات ويفجِّرونها، تصيب بشظاياها من ليس عليه مسؤولية إطلاقًا في أحكام الشرع، فما يكون هذا من الإسلام إطلاقًا، لكن أقول: إنَّ هذه جزئية من الكُليَّة، أخطرها هو هذا الخروج الذي مضى عليه بضع سنين، ولا يزداد الأمر إلا سوءًا، لهذا نحن نقول: إنَّما الأعمال بالخواتيم، والخاتمة لا تكون حسنةً إلا إذا قامت على الإسلام، وما بُني على خلاف الإسلام فسوف لا يُثمر إلا الخراب والدَّمار» (١) .
فالشيخ الألباني -﵀- يرى أنّ هذه المفاسد، من إراقة الدماء، وزعزعة الأمن، سببه (الخروج) الذي وقع في الجزائر، واستمر عليه (الخارجون) بضع سنين.
وبلا شك أن قتل المسلمين -أفرادًا وجنودًا- لبعضهم بعضًا، واستحلال ذلك، هو عين مذهب الخوارج، وإن لم يقع التصريح بالتكفير بالكبيرة!!
ولذا لما سئل فقيه الزمان الشيخ ابن عثيمين عما يجري في الجزائر، فقيل له: تنطلق بعض الجماعات في محاربتها لأنظمتها من قاعدة تقول: «إنَّ محاربة الدول الإسلامية أوْلى من محاربة الدول الكافرة كفرًا أصليًّا؛ لأنَّ الدول الإسلامية مرتدَّةٌ، والمرتدُّ مقدَّمٌ في المحاربة على الكافر، فما مدى صحة هذه القاعدة؟
فأجاب الشيخ -رحمه الله تعالى- بقوله: «هذه القاعدة هي قاعدة الخوارج الذين يقتلون المسلمين ويَدَعون الكافرين، وهي باطلة» (٢) .
_________________
(١) من شريط مسجل ضمن «سلسلة الهدى والنور» (رقم ٨٣٠/١)، وعنوانه: «من منهج الخوارج» .
(٢) من سؤال وجه له في بيته عصر يوم الجمعة، بتاريخ ١٣/صفر/١٤٢٠هـ الموافق ٢٨/٥/١٩٩٩م. وانظر: «فتاوى العلماء الكبار فيما أهدر من دماء في الجزائر» (ص ١٤٦) .
[ ٩٤ ]