تسير بفتاويهم وتوجيهاتهم! وهذا -والله- الكذب الصُّراح، وكاتب هذه السطور شاهد عيان على ما جرى بينهم وبين العلامة المحدث شيخنا محمد ناصر الدين بن نوح نجاتي الألباني -﵀ رحمة واسعة-، وهذا البيان:
أرسل القائمون على (الجبهة) المذكورة استفتاءً للشيخ الألباني في أصيل يوم الثلاثاء، الموافق للثامن عشر من شهر جمادى الآخرة، سنة ١٤١٢هـ عبر جهاز (الناسوخ) قبل يومين من الانتخابات العامة بالجزائر، فأرسل الشيخ ليلة اليوم الذي يليه عبر (الهاتف) إلى ثلاثة (١) ممن يحسن الظن بهم، وأخبرهم أنّ الله -﷿- أمر نبيّه ﷺ بالمشورة، وهذه الأسئلة -وعددها ستة- تدور حول (الانتخابات) و(البرلمانات)، وهذا نصها مع أجوبتها بالحرف (٢)، مأخوذة من خط الشيخ -﵀-:
_________________
(١) = لأن السلطان ليس لهم الآن لغيرهم، وعليهم أن ينصحوا السلطان والمسؤولين بالحكمة والكلام الطيب، والزّيارات بالنية الطيبة حتى يتعاونوا على إقامة أمر الله في أرض الله! وحتى يتعاون الجميع في ردع المجرم وإقامة الحق، فالأمراء والرّؤساء عليهم التنفيذ، والعلماء والدعاة إلى الله عليهم النصيحة، والبلاغ والبيان، نسأل الله للجميع الهداية. ونشرت هذه الفتوى مع غيرها في كثير من الصحف والمجلات.
(٢) هم: أخونا الشيخ حسين بن عيد العوايشة، وأخونا الأستاذ طاهر عصفور، وكاتب هذه السطور، وقد حاولنا التمنّع من إبداء الرأي، وأننا لا نقدم بين يدي الشيخ، وأصرّ الشيخ -رحمه الله تعالى- على ضرورة إبداء رأينا عند قراءته لكل سؤال من الأسئلة الستة، وكان يدوّن رؤوس ما نقول، ويناقش، ويستشكل؛ ليعلِّم، حتى صاغ الأجوبة كلها بقلمه.
(٣) نشرت -فتاواه- هذه في غير مجلة وصحيفة وكتاب -ومنها مجلتنا «الأصالة» (العدد الرابع) (ص ١٥-٢٢) - في كثير من البلدان الإسلامية، وقد أودعتها في كتابي «مقالات الألباني»، ولأخينا محمد بن عبد الله الإمام كتاب جيد ينصح بقراءته، بعنوان: «تنوير الظلمات بكشف مفاسد وشبهات الانتخابات» . ومن الجدير بالذكر أن بعض النواب في بلادنا الأردن قد تعلق بفتوى الشيخ هذه، وقال: إن الشيخ الألباني يرى أنني أولى الناس وأحقهم بالانتخاب، فبلغ الشيخ قوله، فعجب، واستنكر، وقال: أبلغوه أن عليه بفعله هذا إثمه وإثم من لحقه فيه إلى يوم الدين.
[ ٨٤ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد؛ فإلى لجنة الدعوة والإرشاد في الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وبعد؛ فقد تلقيت أَصِيلَ هذا اليوم الثلاثاء الموافق للثامن عشر من شهر جمادى الآخرة سنة (١٤١٢هـ) رسالتكم المرسلة إليّ بواسطة (الناسوخ)، فقرأتها وعلمتُ ما فيها من الأسئلة المتعقلة بالانتخابات، التي قلتم إنها ستجري عندكم يوم الخميس؛ أي: بعد غد، ورغبتم مني التعجيل بإرسال أجوبتي عليها، فبادرت إلى كتابتها ليلة الأربعاء لإرسالها إليكم بـ (الناسوخ) -أيضًا- صباح هذا اليوم -إن شاء الله-، شاكرًا لكم حسن ظنكم بأخيكم وطيب ثنائكم عليه الذي لا يستحقه، سائلًا المولى -﷾- لكم التوفيق في دعوتكم وإرشادكم.
وإليكم الآن ما يَسَّر الله لي من الإجابة على أسئلتكم، راجيًا من المولى -﷾- أن يلهمني السداد والصواب في ذلك:
السؤال الأول: ما الحكم الشرعي في الانتخابات التشريعية (ما يسمى بالبرلمان) التي نسعى من خلالها إلى إقامة الدولة الإسلامية، وإقامة الخلافة الراشدة؟
الجواب: إن أسعد ما يكون المسلمون في بلادهم يوم ترفع راية (لا إله إلا الله)، وأن يكون الحكم فيها بما أنزل الله، وإن مما لا شك فيه، أن على المسلمين جميعًا -كل حسب استطاعته- أن يسعوا إلى إقامة الدولة المسلمة، التي تحكم بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، وعلى منهج السلف الصالح،
[ ٨٥ ]
ومن المقطوع به عند كل باحث مسلم، أنّ ذلك لا يمكن أن يتحقق إلا بالعلم النافع والعمل الصالح، وأول ذلك: أن يقوم جماعة من العلماء بأمرين هامين جدًّا:
الأول: تقديم العلم النافع إلى من حولهم من المسلمين، ولا سبيل إلى ذلك إلا بأن يقوموا بتصفية العلم الذي توارثوه مما دخل فيه من الشركيات والوثنيات حتى صار أكثرهم لا يعرفون معنى قولهم: (لا إله إلا الله)، وأنّ هذه الكلمة الطيبة تستلزم توحيد الله في عبادته -تعالى- وحده لا شريك له، فلا يستغاث إلا به، ولا يذبح ولا ينذر إلا له، وأن لا يعبدوه -تعالى- إلا بما شرع الله على لسان رسول الله ﷺ، وأنّ هذا من مستلزمات قولهم: (محمد رسول الله)، وهذا يقتضيهم أن يُصَفُّوا كتب الفقه مما فيها من الآراء والاجتهادات المخالفة للسنة الصحيحة، حتى تكون عبادتهم مقبولة، وذلك يستلزم تصفية السنة مما دخل فيها -على مر الأيام- من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، كما يستلزم ذلك تصفية السلوك من الانحرافات الموجودة في الطرق الصوفية، والغلو في العبادة والزهد، إلى غير ذلك من الأمور التي تنافي العلم النافع.
والآخر: أن يُرَبُّوا أنفسهم وذويهم ومن حولهم من المسلمين على هذا العلم النافع، ويومئذ يكون علمهم نافعًا وعملهم صالحًا؛ كما قال -تعالى-: ﴿فَمَن كَان يَرجُو لِقَاء ربِّه فَليعمل عملًا صالحًا ولا يُشرك بعبادة ربِّه أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١]، وحينئذٍ إذا قامت جماعة من المسلمين على هذه التصفية والتربية الشرعية، فسوف لا تجد فيهم من يختلط عليه الوسيلة الشركية بالوسيلة الشرعية؛ لأنهم يعلمون أنّ النبي ﷺ قد جاء بشريعة كاملة بمقاصدها ووسائلها، ومن مقاصدها -مثلًا-: النهي عن التشبه بالكفار وتبني وسائلهم ونظمهم التي تتناسب مع تقاليدهم وعاداتهم. ومنها: اختيار الحكام والنواب بطريقة الانتخابات، فإن هذه الوسيلة تتناسب مع كفرهم وجهلهم الذي لا
[ ٨٦ ]
يفرق بين الإيمان والكفر، ولا بين الصالح والطالح، ولا بين الذكر والأنثى، وربنا يقول: ﴿أَفَنجعَل المسلمين كالمجرمين. مَا لكم كيف تَحكُمون﴾ [القلم: ٣٥-٣٦] ويقول: ﴿وَلَيس الذّكر كالأنثى﴾ [آل عمران: ٣٦] .
وكذلك يعلمون أن النبي ﷺ إنما بدأ بإقامة الدولة المسلمة بالدعوة إلى التوحيد، والتحذير من عبادة الطواغيت، وتربية من يستجيب لدعوته على الأحكام الشرعية، حتى صاروا كالجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى سائر الجسد بالسهر والحمى، كما جاء في الحديث الصحيح، ولم يكن فيها من يُصِرُّ على ارتكاب الموبقات والربا والزنا والسرقات إلا ما ندر.
فمن كان يريد أن يقيم الدولة المسلمة حقًّا لا يُكتّل الناس ولا يجمعهم، على ما بينهم من خلاف فكري وتربوي، كما هو شأن الأحزاب الإسلامية المعروفة اليوم، بل لا بد من توحيد أفكارهم ومفاهيمهم على الأصول الإسلامية الصحيحة: الكتاب والسنة، وعلى منهج السلف الصالح كما تقدم، ﴿وَيَومئذ يَفرَح المُؤمنون بِنَصر الله﴾ [الروم: ٤-٥] .
فمن أعرض عن هذا المنهج في إقامة الدولة المسلمة وسلك سبيل الكفار في إقامة دولتهم؛ فإنما هو (كالمستجير بالرمضاء من النار) ! وحَسْبُه خطأً -إن لم أقل: إثمًا- أنه خالف هديه ﷺ ولم يتخذه أسوة، والله -﷿- يقول: ﴿لَقَد كَان لَكُم في رَسُول اللهِ أُسوةٌ حسنةٌ لِمَن كَان يَرجُو اللهَ واليَومَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كثيرًا﴾ .
السؤال الثاني: ما الحكم الشرعي في النصرة والتأييد المتعلقين بالمسألة المشار إليها سابقًا (الانتخابات الشرعية)؟
الجواب: في الوقت الذي لا ننصح أحدًا من إخواننا المسلمين أن يرشِّح نفسه ليكون نائبًا في برلمان لا يحكم بما أنزل الله، وإن كان قد نص في دستوره: (دين الدولة الإسلام)، فإنّ هذا النص قد ثبت عمليًّا أنه وضع
[ ٨٧ ]
لتخدير أعضاء النواب الطيِّبي القلوب!! ذلك لأنه لا يستطيع أن يغير شيئًا من مواد الدستور المخالفة للإسلام، كما ثبت عمليًّا في بعض البلاد التي في دستورها النص المذكور.
هذا إن لم يتورط مع الزمن أن يُقر بعض الأحكام المخالفة للإسلام، بدعوى أنّ الوقت لم يحن بعدُ لتغييرها، كما رأينا في بعض البلاد؛ يُغَيِّر النائب زيّه الإسلامي، ويتزيّا بالزي الغربي مسايرة منه لسائر النواب! فدخل البرلمان ليُصلِح غيره فأفسد نفسه، وأوَّل الغيث قطرٌ، ثم ينهمر! لذلك فنحن لا ننصح أحدًا أن يرشح نفسه، ولكن لا أرى ما يمنع الشعب المسلم إذا كان في المرشَّحين من يعادي الإسلام وفيهم مرشَّحون إسلاميون من أحزاب مختلفة المناهج، فننصح -والحالة هذه- كل مسلم أن ينتخب من الإسلاميين فقط، ومن هو أقرب إلى المنهج العلمي الصحيح الذي تقدم بيانه.
أقول هذا -وإن كنت أعتقد أنّ هذا الترشيح والانتخاب لا يحقق الهدف المنشود كما تقدم بيانه- من باب تقليل الشر، أو من باب دفع المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى، كما يقول الفقهاء.
السؤال الثالث: حكم خروج النساء للانتخابات؟
الجواب: يجوز لهن الخروج بالشرط المعروف في حقهن؛ وهو أن يتجلببن الجلباب الشرعي، وأن لا يختلطن بالرجال، هذا أولًا.
ثم أن ينتخبن من هو الأقرب إلى المنهج العلمي الصحيح من باب دفع المفسدة الكبرى بالصغرى كما تقدم.
السؤال الرابع: الأحكام الشرعية المتعلقة بأنماط العمل الشرعي في (البرلمان) ورجالاته؟
الجواب: فنقول: هذا سؤال غامض مرادكم منه غير ظاهر لنا؛ ذلك لأنّ المفروض أن النائب المسلم لا بد أن يكون عالمًا بالأحكام الشرعية على
[ ٨٨ ]
اختلاف أشكالها وأنواعها، فإذا ما طرح أمر ما على بساط البحث فلا بد أن يوزن بميزان الشرع، فما وافق الشرع أيده، وإلا رفضه؛ كالثقة بالحكومة، والقَسَم على تأييد الدستور ونحو ذلك!!
وأما رجالات البرلمان! فلعلكم تعنون: ما موقف النواب الإسلاميين من رجالات البرلمان الآخرين؟ فإن كان ذلك مرادكم، فلا شك أنه يجب على المسلمين -نوابًا وناخبين- أن يكونوا مع من كان منهم على الحق؛ كما قال رب العالمين: ﴿وَكُونوا مَعَ الصّادِقين﴾ [التوبة: ١١٩] .
وأما السؤال الخامس والسادس: فجوابهما يُفهم مما تقدم من الأجوبة.
ونضيف إلى ذلك، أنْ لا يكون همُّكم -معشر الجبهة الإسلامية! - الوصول إلى الحكم قبل أن يصبح الشعب مهيَّئًا لقبول الحكم بالإسلام، ولا يكون ذلك إلا بفتح المعاهد والمدارس التي يتعلم فيها الشعب أحكام دينه على الوجه الصحيح، ويربَّى على العمل بها، ولا يكون فيهم اختلاف جذري ينشأ منه التحزب والتفرق، كما هو الواقع الآن مع الأسف في الأفغان، ولذلك قال ربنا في القرآن: ﴿وَلا تَكُونوا مِنَ المُشركين مِن الّذين فَرّقوا دِينَهم وَكانوا شِيَعًا كُلُّ حِزبٍ بما لَدَيهم فَرِحون﴾ [الروم: ٣١-٣٢]، وقال رسول الله ﷺ: «لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا، وكونوا إخوانًا كما أمركم الله» رواه مسلم.
فعليكم إذن بالتصفية والتربية بالتأني؛ فإنّ «التأني من الرحمن، والعجلة من الشيطان»، كما قال نبينا -﵊ (١) -، ولذلك قيل: من استعجل الشيء قبل أوانه ابتلي بحرمانه، ومن رأى العبرة بغيره فليعتبر، فقد جرب بعض الإسلاميين من قبلكم في غير ما بلد إسلامي الدخول في البرلمان بقصد إقامة دولة الإسلام، فلم يرجعوا من ذلك ولا بخفي حنين!
_________________
(١) حديث ثابت، رواه أبو يعلى والبيهقي. انظر: «الصحيحة» برقم (١٧٩٥) . (منه) .
[ ٨٩ ]
ذلك لأنهم لم يعملوا بالحكمة القائلة: «أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم لكم في أرضكم»، وهكذا كما قال رسول ﷺ: «إنّ الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» رواه مسلم.
فالله -﷾- أسأل أن يلهمنا رشدنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، ويهدينا للعمل بشرعة ربنا، متبعين في ذلك سنة نبينا ومنهج سلفنا، فإن الخير كله في الاتباع، والشر كله في الابتداع، وأن يفرج عنا ما أهمَّنا وأغمَّنا، وأن ينصرنا على من عادانا، إنه سميع مجيد.
عمان صباح الأربعاء ١٩ جمادى الآخرة سنة ١٤١٢هـ.
وكتب
محمد ناصر الدين الألباني أبو عبد الرحمن
وسمعت الشيخ الألباني -﵀- بعد صياغته للأجوبة، والفراغ منها، التأسُّف على ما آل إليه حال المسلمين، ويشكو من عجلة الشباب وتهوّرهم، وأنّ الجزائريين معروفون بحدّتهم، ويخشى على خيارهم من فتنة عظيمة، قد تصل إلى إراقة الدماء، وزجّ بمئات أو ألوف -وقد يزيد- في السجون! إي والله! إني سمعت ذلك بأُذنَيَّ منه، ووعاه قلبي، ثم بعد فترة غير بعيدة من الزمن قرأت كلامًا للعلامة السلفي الجزائري محمد البشير الإبراهيمي، كتبه سنة ١٩٦٤م، ونشره في جريدته «البصائر» -وكأنه مكتوب بعد الذي حصل في الجزائر-، فتذكرت كلام شيخنا الألباني، فقرأته عليه في مجلس علمي في مكتبته، فأعجب الشيخ -رحمه الله تعالى-، وهذا نصُّه وفصُّه:
«أما في الجزائر؛ فالانتخابات -منذ سنّت لعبة لاعب، وسخرية ساخر، ورهينة استبداد، ولدت شوهاء ناقصة، وما زالت متراجعة ناكصة، وضعت من أول يوم على أسوأ ما يعرف من التناقض، وأشنع ما يُعلم من التحكم والميز والعنصرية، وهو تمثيل الأكثرية في المجالس المنتخبة للأقلية من السكان،
[ ٩٠ ]
ولأقلية فيها للأكثرية منهم، قد كانت هذه الانتخابات شرًّا مستطيرًا على الأمة الجزائرية، وأفتك سلاح رماها به الاستعمار، بعد أن نظر النظر البعيد، وكانت ضربة قاضية على ما كانت تصبو إليه وتستعد من وحدة الكلمة واجتماع الشمل، فكلما جهد المصلحون جهدهم في جمع كلمتها -وكادوا يفلحون- جاءت هذه الانتخابات فهدمت ما بنوا وتبرته تتبيرًا؛ كان هذا كله قبل أن تقف الحكومة مواقفها المعروفة في انتخابات السنة الماضية، أما بعد أن ظهرت بذلك المظهر، وسنت للانتخابات الجزائرية دستورًا عنوانه: «الحيف والسّيف»، وارتكبت فيها تلك الفضائح التي يندى لها الجبين خجلًا، والتي يأنف الفرد المستبد من ركوبها فضلًا عن حكومة جمهورية في مظهرها، ديمقراطية في دعواها، فإنّ الانتخاب أصبح وبالًا على الأمة ووباء، وذهب بالبقايا المدخرة فيها من الأخلاق الصالحة هباء، وأصبحت هذه الكراسي عاملًا قويًّا في إفساد الرجولة والعقيدة والدين، وإمراض العزائم والإرادات، وفيها من معاني الخمر أنّ من ذاقها أدمن، وفيها من آفات الميسر أن من جرّبها أمعن، وقد كنا نخشى آثارها في تفريق الشمل وتبديد المال، فأصبحنا نخشاها على الدين والفضيلة، فإنّ الحكومة اتخذت منها مقادة محكمة الفتل لضعفاء الإيمان ومرضى العقيدة وأسرى المطامع منا، وما أكثرهم فينا، خصوصًا بعد أن أحدثت فيها هذه الأنواع التي تجر وراءها المرتبات الوافرة، والألقاب المغرية.
ليت شعري؛ إلى متى تتناحر الأحزاب على الانتخاب وقد رأوا بأعينهم ما رأوا؟ وعلام تصطرع الجماعات؟ وعلام تنفق الأموالُ في الدعايات والاجتماعات إذا كانت الحكومة خصمًا في القضية لا حكمًا؟ وكانت تعتمد في خصومتها على القوة وهي في يدها، وكانت ضامنة لنفسها الفوز في الخصومة قبل أن تنشب، ويحٌ للأمة الجزائرية من الانتخاب، وويل للمفتونين به من يوم الحساب» (١) .
_________________
(١) «عيون البصائر» (ص ٣٨٢-٣٨٣) .
[ ٩١ ]
وكان الشيخ -رحمه الله تعالى- يسئل عما يجري في (الجزائر)، وهل يبشّر بخير وتمكين للمسلمين؟ فكان لا يزيد على قوله: «فقاقيع صابون»، سمعته أُذناي، ووعاه قلبي.
وأما (الجبهة)، فقد زادوا أتون (الفتنة)، بأن أخذوا من (ناسوخ) (١) الشيخ الألباني المرسل لهم ما يفهم الناس أن الشيخ يؤيدهم، وكتموا الباقي، وركبوا رأسهم، ولم ينزلوا عند توجيهات العلماء، فكان ما كان، والله المستعان، وعليه التكلان.
وذهب ضحية هذه الفتنة عشرات الألوف (٢) من الشباب، وفرّ قسم منهم في الجبال، وبايعوا (أميرًا) لهم، وحصل بينهم خلاف، وانقسموا فرقًا (٣)، شأن سنة الله في أهل الباطل، وولغ بعضهم في دماء بعض، بل حدثني -عبر الهاتف واحد من كبائرهم- ممن تاب (٤) أنّ النساء اللاتي في الجبل، كن يؤخذن سبايا للأمراء بعد الافتراق، وتحل الفروج باسم الجهاد، فعلى العلم والفهم، والدين والخلق والأعراض سلام؟!
_________________
(١) يسميه الناس: (الفاكس) !
(٢) ذكرت إذاعة لندن في محرم سنة ١٤١٦هـ أن الذين قتلوا من الجزائريين في خلال ثلاث سنوات أربعون ألفًا. قاله الشيخ ابن عثيمين، وعلق عليه أخونا عبد المالك الجزائري الرمضاني في كتابه «فتاوى العلماء الأكابر فيما أهدر من دماء في الجزائر» (ص ١٣٩): «هذا قبل أربع سنوات، أما اليوم فقد ذكرت الإحصائيات الرسمية أنها زادت على هذا العدد ثلاث مرات، والله أعلم بمن لم يُعرف عنه خبر، ولا وُجد له أثر» .
(٣) ستأتي أقسامهم على ألسنتهم أنفسهم ضمن كلام مطول للشيخ ابن عثيمين -رحمه الله تعالى- معهم.
(٤) اعتنت الصحف بتوبة هؤلاء، ونشرت تصريحات لبعضهم، تجد طرفًا من ذلك في جريدة «القبس» الكويتية، العدد (٩٥٤٤) (٨شوال/١٤٢٠هـ - ١٤/١/٢٠٠٠م)، وجريدة «الخبر» الجزائرية، بتاريخ ٢١/١٢/١٤١٩هـ الموافق ٧/٤/١٩٩٩م، وبلغنا ذلك من ثقات منهم. وانظر: «فتاوى العلماء الأكابر» (ص ٤٨-٥٩) .
[ ٩٢ ]