ووجدنا مع تأخر الزمن شدة الفتن (٤)، وهذا من موجبات هذه القاعدة، فقد ثبت في «صحيح البخاري» (رقم ٧٠٦٨)، وغيره بسنده إلى الزبير بن عدي، قال: أتينا أنس بن مالك، فشكونا إليه ما يلقون من الحجاج، فقال: اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده أشر منه، حتى تلقوا ربكم، سمعته من نبيكم ﷺ.
_________________
(١) ورد هذا في الحديث الذي قدمناه (ص ٥٣-٥٨) .
(٢) سيأتي بيان ذلك عنه (ص ١٦٦) .
(٣) أخرجه السراج -وعلقه عنه الخطابي في «الغريب» (٢/٢٠٣) - بسنده إلى علي: أن قومًا أتوه، فاستأمروه في قتل عثمان، فنهاهم، وقال: «إن تفعلوا، فبيضًا فلتُفْرخُنّه» . قال الخطابي: «هذا مَثَل، يقول: إن قتلتموه نَتجْتم فتنةً ولودًا، وشبَّهها بالبيض الذي يخرجُ منه الفراخ، قال الأعشى [في «ديوانه» (٣٠٧)]: وفي كل عام بيضةٌ تفْقَؤونها فتُفقأ وتبقى بيضةٌ لا أخالها» وأخرج ابن سعد (٣/٦٥) إلى عمرو بن الأصم، قال: كنت فيمن أُرسلوا من جيش ذي خُشُب، قال: قالوا لنا: سَلُوا أصحاب رسول الله - ﷺ -، واجعلوا آخر من تسألون عليًّا، أنَقْدَم؟ قال: فسألناهم، فقال: اقذفوا، إلا عليًّا، قال: لا آمرُكم، فإن أبيتم فبيض، فليُفْرخ» .
(٤) هنالك أدلة عديدة على هذا، انظر منها -على سبيل المثال- ما سيأتي (ص ٥٣٨) .
[ ١٤٢ ]
قال الحافظ ابن حجر: «وقد استشكل هذا الإطلاق مع أنّ بعض الأزمنة تكون في الشر دون التي قبلها، ولو لم يكن في ذلك إلا زمن عمر بن عبد العزيز، وهو بعد زمن الحجاج بيسير، وقد اشتهر الخير الذي كان في زمن عمر بن عبد العزيز، وقد حمله الحسن البصري على الأكثر الأغلب فسئل عن وجود عمر بن عبد العزيز بعد الحجاج؟ فقال: لا بد للناس من تنفيس (١) .
وأجاب بعضهم: إنّ المراد بالتفضيل: تفضيل مجموع العصر على مجموع العصر، فإنّ عصر الحجاج كان فيه كثير من الصحابة من الأحياء، وفي عصر عمر بن عبد العزيز انقرضوا، والزمان الذي فيه الصحابة خير من الزمان الذي بعده؛ لقوله ﷺ: «خير القرون قرني»» .
وقال -أيضًا-: «ثم وجدت من عبد الله بن مسعود التصريح بالمراد، وهو أولى بالاتباع، فأخرج يعقوب بن شيبة من طريق الحارث بن حصيرة، عن زيد بن وهب، قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: لا يأتي عليكم يوم إلا وهو شر من اليوم الذي كان قبله حتى تقوم الساعة، لست أعني رخاء من العيش يصيبه ولا مالًا يفيده، ولكن لا يأتي عليكم يوم إلا وهو أقل علمًا من اليوم الذي مضى قبله، فإذا ذهب العلماء استوى الناس؛ فلا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، فعند ذلك يهلكون (٢) .
_________________
(١) قلت: ويؤيده الحديث الذي فيه: «وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مُهلِكَتي. ثم تنكشف وتجيء الفتنة، فيقول المؤمن: هذه هذه» . وسيأتي بتمامه (ص ٥٣٧-٥٣٨) . وأثر الحسن: أخرجه الدينوري في «المجالسة» (٥/١٢٩-١٣٠ رقم ١٩٥٠) ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١٢/١٧٥)، وابن العديم في «بغية الطلب» (٥/٢٠٥٩) .
(٢) أخرجه الدارمي في «السنن» (١/٦٥)، والطبراني في «الكبير» (٩/١٠٩ رقم ٨٥٥١)، وابن وضاح في «البدع» (رقم ٧٨، ٢٤٨)، وابن أبي زمنين في «السنة» (رقم ١٠)، والداني في «الفتن» (رقم ٢١٠، ٢١١)، والفسوي في «المعرفة» (٣/٣٩٣)، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/١٨٢)، وابن بطة في «الإبانة» (١/ق ٢٦/ب)، والبيهقي في «المدخل» (رقم ٢٠٥)، وابن عبد البر في «الجامع» (رقم ٢٠٠٧، ٢٠٠٨، ٢٠٠٩، ٢٠١٠)، والهروي في «ذم الكلام» =
[ ١٤٣ ]
واستشكلوا -أيضًا- زمان عيسى ابن مريم بعد زمان الدجال، قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون المراد بالأزمنة ما قبل وجود العلامات العظام كالدجال وما بعده، فيكون المراد بالأزمنة المتفاضلة في الشر في زمن الحجاج فما بعده إلى زمن الدجال، وأما زمن عيسى -﵇- فله حكم مستأنف، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون المراد بالأزمنة المذكورة أزمنة الصحابة؛ بناء على أنهم هم المخاطبون بذلك، فيختص لهم، لكن الصحابي -﵁- فَهِم التعميم، فلذلك أجاب من شكى إليه الحجاج بذلك وأمرهم بالصبر، وكذلك التعميم واضح وصريح في قول ابن مسعود -﵁- (١) .
والشاهد من هذا: أنّ الاستشكال المذكور بسبق الحجاج لعمر بن عبد العزيز في الزمن، مع قوله ﷺ: «لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده أشر منه، حتى تلقوا ربكم» لا يزول إلا بتذكر هذه القاعدة؛ وهي: (الفتن في كل زمان حسب رجاله)، فالرجال الموجودون في زمن الحجاج هم الصحابة، بخلاف الموجودين في زمن عمر بن عبد العزيز فإنهم التابعون.
فصل