المتمعِّن في (فتنتي حماة والجزائر) يجد أنهما اتخذتا مظهر (الثورة)،
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤٩) من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-.
(٢) «فتاوى العلماء الأكابر فيما أهدر من دماء في الجزائر» (ص ١٤٩-١٦٦) .
(٣) مضى تخريجه (ص ٥٣-٥٨) .
[ ١٠٩ ]
وأُلبستا لباس (الجهاد) الشرعي، ونزِّلت عليهما أحكامُه!
ولهذا؛ (الثورات) أسباب نفسية، وقد تكون من (قناعات) عقدية، و(تصورات) منهجية، ومواقف عملية، فهي تدور على تكفير (السلطة) الحاكمة، بجميع فِآتِها، اعتمادًا على ظاهر بعض النصوص، وأخذها أخذًا أوّليًّا، دون مراعاة لقواعد الاستنباط السلفية، كما حصل تمامًا مع التابعي يزيد ابن صهيب أبو عثمان الكوفي (١)، المعروف بـ (الفقير)، فإنه قال فيما أخرج مسلم في «صحيحه» (رقم ١٩١) بعد (٣٢٠) بسنده إليه:
كنتُ قد شغَفَني رأيٌ من رأي الخوارج، فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد الحج، ثم نخرج على الناس (أي: بالثورة المسلحة)، قال: فمررنا على المدينة، فإذا جابر بن عبد الله يحدث القوم -جالس إلى سارية- عن رسول الله ﷺ. قال: فإذا هو قد ذكر الجهنَّميِّين (٢) . قال: فقلت له: يا صاحب رسول الله! ما هذا الذي تحدثون؟ والله يقول: ﴿إنك من تدخل النار فقد أخزيته﴾ [آل عمران: ١٩٢]، و﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها أُعيدوا فيها﴾ [السجدة: ٢٠]، فما هذا الذي تقولون؟
احتج هذا التابعي بآيات على مشربه، لُقِّنَها على أنها تقرر معانيَ أُخِذَت بالاستقلال دون سائر النصوص، فنبّه الصحابي الجليل جابر على خطئه المنهجي هذا، فقال له:
_________________
(١) كانت الخوارج بكثرة في الكوفة في زمن التابعين، قال العجلي في «تاريخ الثقات» (ص ٥١٧): «نزل الكوفة ألف وخمس مئة من أصحاب النبي - ﷺ -»، وقال الذهبي في «الأمصار ذوات الآثار» (ص ١٧٤-١٧٥): «نزل جماعة من الصحابة» وسمى أعيانهم، قال: «ثم كان بها من التابعين» وسمى أعيانهم، قال: «وما زال العلم متوفرًا إلى زمن ابن عقدة، ثم تناقص شيئًا فشيئًا، وتلاشى، وهي الآن دار الروافض»، وقال في «تذكرة الحفاظ» (٣/٨٤٠): «الكوفة تغلي بالتشيع وتفور، والسُّني فيها طرفة» .
(٢) هم قوم تحتمشهم النار، وتصل منهم على قدر أعمالهم، ثم يخرجون منها إلى الجنة.
[ ١١٠ ]
«أتقرأ القرآن؟» قال يزيد: نعم. قال: فهل سمعت بمقام محمد -﵇يعني: الذي يبعثه الله فيه-؟ قال يزيد: نعم. قال: فإنه مقام محمد ﷺ المحمود الذي يُخرِجُ الله به من يُخرج؟
ثم نعت (أي: جابر) وضع الصراط، ومر الناس عليه و«أن قومًا يخرجون من النار، بعد أن يكونوا فيها» .
قال يزيد على إثر هذا الحديث، وقد نفعه الله به، وفهم الآيات السابقة التي احتج بها على ضوئه، ومعه، دون منافرة بين النصوص، ولا تضارب ولا تعارض، قال: «فرجعنا -أي: إلى الكوفة-، قلنا: وَيْحكم! أترون الشيخ يكذب على رسول الله ﷺ؟» . فنفعه الله -﷿- باعتقاد صدق علماء الصحابة، وهذا أول شرط للانتفاع بالعلماء الربانيين عمومًا، وفي وقت الفتن خصوصًا.
قال يزيد -كما في «صحيح مسلم» -أيضًا-: «فرجعنا، فلا والله ما خرج منا -أي: للثورة المسلحة- غيرُ رجل واحد» .
فالنفع لهؤلاء لا يكون إلا بمحاجة العلماء، وإزالة الشبه، ولا سبيل إلى إصلاحهم إلا بذلك، والعنف معهم يزيد من قوتهم وعنادهم، ويلهب نارهم، ويُبعدهم عن الجادة على وجه أظهر، وبمسافة أبعد.
ومع وجود الحماسات، والعواطف العاصفات، ودندنة الخطباء الحماسيين بضرورة إقامةِ (الجماعةِ المسلمةِ)، مهمَّتَها التي وُجِدَت من أجلها، وهي حمل لواء الحق، ووجوب الجهاد ضد السلطات التي تمنع ذلك، وإيراد النصوص من الكتاب والسنة التي في ظاهرها تكفير هؤلاء، والاعتماد على فتاوى (المهابيل) وتقريرات أنصاف المتعلمين، وتوظيف نقولات الأقدمين من العلماء بغير إنصاف، وغالبًا ما يكون ذلك بعد التورط في أعمال العنف أو التلبس بمقدماته؛ لتسويغ أحداث عنف، قد اندلعت على وجه عفوي، وأحيانًا بطرق مجهولة، قد تكون من عمل جهات مغرضة، فتشعل نيران الحمية،
[ ١١١ ]