فَتُغْلِلْ لكم ما لا تُغِلُّ لأهلها قُرىً بالعراقِ منْ قَفيزٍ ودِرْهمِ
الثالث: للمعاصرين جهود في بيان مقدار (القفيز) بمكاييل اليوم، و(القفيز) المعنيّ هنا ما كان قبل القرن الرابع الهجري؛ وهو الكبير على ما قدمناه، وقدره غير واحد (١) بحوالى (٤٥) كغم (قمح)، ويقدر بـ (٦٠) لترًا.
ومن الجدير بالذكر عن هذا المكيال؛ ما يتعلق بقفيز (الحجاج)، وتفيدنا المراجع (٢) أن قفيزه كان يساوي الصاع النبوي، وهو يساوي (٤١.٢١٢٥) لترًا.
قوله: «مُدْيَها»: مكيال معروف لأهل الشام، مفرده (المُدْي) -بضم الميم، على وزن قُفْل-، قال العلماء: يسع خمسة عشر مكوكًا. كذا قال شارحو «صحيح مسلم»؛ مثل: النووي في «منهاجه» (١٨/٢٨)، والسيوطي في «ديباجه» (٦/٢٢٣) -وفيه: «المدي: بضم الميم، وسكون الدال» -، وصديق حسن خان في «السراج الوهاج» (١١/٣٦٧)، ومثله عند بعض شارحي «سنن أبي داود»؛ مثل: السهارنفوري في «بذل المجهود» (١٣/٣٧٤)، والبُجُمْعَوي في «درجات مرقاة الصعود» (ص ١٢٨)، وكذا في كتب الغريب. وقاله -أيضًا- ابن اللباد في «المجرد للغة الحديث» (ص ٣٤٨) وغيره.
_________________
(١) انظر: «الميزان في الأقيسة والأوزان» لعلي باشا مبارك (ص ١٤٦-١٤٧)، و«المكاييل في صدر الإسلام» (٣٨) لسامح فهمي. وذهب فالتر هنتس في كتابه «المكاييل والأوزان الإسلامية» (ص ٦٦) أن مقدار (القفيز) القديم يساوي (٤٨.٧٥) كغم، قال: «ونقدره في المعدل بـ (٦٠) لترًا» . فالأقوال متقاربة. وانظر: (الفصل الثالث: فصل الضرائب الزراعية) (ص ١٧٢ وما بعد) من كتاب «الزراعة في العراق خلال القرن الثالث» .
(٢) انظر: «الخراج» (ص ٣١ - ط. بولاق)، و«الأحكام السلطانية» (ص ١٤٩-١٥٠) للماوردي، و«الخراج وصنعة الكتابة» لقدامة بن جعفر (المنزلة السابعة)، و«فتوح البلدان» (١٨١) للبلاذري، و«تاريخ العرب» (٨/٤٢٦) .
[ ٢٠٢ ]
وقال الخطابي في «معالم السنن» (٤/٢٤٨): «المُدْي: مكيال أهل الشام، يقال: إنه يسع خمسة عشر أو أربعة عشر مكوكًا» . ونقله عنه صاحب «عون المعبود» (٨/٢٨٢) .
وقال القاضي عياض في «مشارق الأنوار» (١/٣٧٦): «والمُدْي: صاع لأهل الشام معروف، قيل هو تسعة -كذا- عشر مكوكًا، والمكوك صاع ونصف، والصاع: أربعة أمداد، والمد خمسة أرطال وثلث، وهذا خلاف الحساب الأول» .
قلت: يريد بالأولِ مئةَ مدٍّ واثنان وتسعون مدًّا.
قلت: وكذا في «مطالع الأنوار» لابن قُرْقول (ق ٣١٤ - نسخة المكتبة السعودية العامة)، وفيه -أيضًا-: «تسعة -بتقديم التاء على السين- عشر مكوكًا» .
وقال ابن الأثير في «النهاية» (٤/٣١٠): «المُدْي: مكيال لأهل الشام، يسع خمسة عشر مكوكًا، والمكوك: صاع ونصف، وقيل: أكثر من ذلك» . وكذا في «المُعْرب» دون: «وقيل: » .
وقال ابن الجوزي في «كشف المشكل من حديث الصحيحين» (٣/٥٦٧):
«والمُدْي: مكيال لأهل الشام، يقال: إنه يسع خمسة عشر مكوكًا» .
وفي «المصباح المنير» (ص ٧٧٨): «والمُدْي: وزن قُفْل: مكيال يسع تسعة عشر صاعًا، وهو غير المد، والمَدَى بفتحتين» .
وفي «القاموس المحيط» (١٧١٩): «المُدي -بالضم-: مكيال للشام ومصر، وهو غير المُدِّ (١)، وجمعه أمداء» . ولم يذكر مقداره.
_________________
(١) قال القاضي عياض في «مشارق الأنوار» (١/٣٧٦) والشوكاني في «نيل الأوطار» (٨/١٦٤): «المدي: مئة مد واثنان وتسعون مدًّا»، زاد القاضي: «بمدّ النبي - ﷺ -»، وزاد الشوكاني: «وهو صاع أهل العراق» .
[ ٢٠٣ ]
وفي «لسان العرب» (١٥/٢٧٤): «المُدْي: من المكاييل المعروفة، قال ابن الأعرابي: هو مكيال ضخم لأهل الشام وأهل مصر» .
وفي «تهذيب اللغة» (١٤/٢٢١): «والمُدْي: مكيال يأخذ جريبًا» . وكذا في «إثبات ما ليس منه بد لمن أراد الوقوف على حقيقة الدينار والدرهم والصاع والمد» (ص ١٣١) .
قلت: الجريب: مكيال كان يساوي في القرن السابع الميلادي سبعة أقفزة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وكان عيار مكيال الجريب في صدر الإسلام (٢٩.٥) لترًا، أو (٢٢.٧١٥) كغم (قمح) (١) .
قال أبو عبيدة: والظاهر أن (المُدْي) أكثر من ذلك، فهو -على ما تقدم- خمسة عشر مكوكًا، والمكوك صاع ونصف؛ فهو (٢٢.٥) صاعًا.
وإذا كان (القفيز) -وهو يساوي ٨ مكاكيك = ١٢ صاعًا- قد قدر بـ (٦٠) لترًا، أو (٤٥) كغم قمح؛ فلا شك أن (المُدي) أكثر من ذلك.
وقد عاير أبو عبيد القاسم بن سلام المُديين من الطعام بخمسة عشر صاعًا (٢)، وعايرها أبو عبيد الهروي في «الغريبين» (١/١٣٩) بالوزن، فقال:
«والمُدي: مكيال لأهل الشام، يقال له: الجريب، يسعُ خمسةً وأربعين رطلًا» (٣) .
_________________
(١) انظر: «الخراج» لأبي يوسف (٢٧)، «أحسن التقاسيم» (١٨١) للمقدسي، «الخراج والنظم المالية للدولة الإسلامية» (٣٣٨-٣٤٠)، «إثبات ما ليس منه بد» (ص ١٣٢)، «المكاييل والأوزان الإسلامية» لفالتر هنتس (ص ٦١) . وفي «المصباح المنير» (١٣٠ مادة جرب): «جريب جمعها (أجربة) و(جُربات) -بالضم- ويختلف مقدارها بحسب اصطلاح أهل الأقاليم، كاختلافهم في مقدار الرطل والكيل والذراع» .
(٢) انظر: «الأموال» له (ص ٥١٩) .
(٣) وذهب إليه أبو محمد البغوي في «شرح السنة» (١١/١٧٨)، فقال: «والمُدي: مكيال لأهل الشام يسع خمسة وأربعين رطلًا» . وفي «طلبة الطلبة» (٩٦) للنسفي: «المدي: مكيال يَأخُذُ جريبًا» .
[ ٢٠٤ ]