أخرجه أبو يعلى في «المسند» (١٣/٣٦٦ رقم ٧٣٧٦)، قال:
حدثنا محمد بن يحيى البصري، حدثنا محمود بن يعقوب، قال: حدثني أحمد بن إبراهيم، قال: حدثني إسحاق بن إبراهيم بن الغمر مولى سموك، قال: حدثني أبي، عن جدي، قال: سمعتُ معاوية بن حُدَيجٍ يقول: كنتُ عند
_________________
(١) قال -مثلًا- صديقنا الشيخ علي الحلبي في تعليقه على «هداية الرواة» (٥/١١٠ رقم ٥٣٥٨) عند قول الخطيب التبريزي: «أبو داود»؛ علق في (هامش ٣) بقوله: «بسندٍ لين»، وعلق أبو سفيان محمود البسطويسي في تعليقه على «التذكرة» للقرطبي (٢/٤٢٨) هامش (٥٢٣): «إسناده صحيح» ! وعلق مجدي السيد على «التذكرة» -أيضًا- (٢/٤٩٥-٤٩٦ رقم ١٩٢١): «حديث حسن»، وقال الأستاذ عبد القادر جوندل في تعليقه على «المطالب العالية» (١٨/٣٢٠ - ط. العاصمة) -وذكر قول الذهبي في (بشير): «ثقة فيه شيء» -: «وعليه، فإن الإسناد حسن لذاته، والله -تعالى- أعلم»، ولم يُنَبِّهوا -عدا الأخير- على القلب الواقع في رواية أبي داود، مع عزوهم جميعًا الحديث إليه» .
(٢) (ص ٢٧١-٢٧٢، ٢٧٣-٢٧٤، ٢٧٦) .
(٣) مثل مسلم في «الطبقات» (١/١٨٢ رقم ٣٣٨) -ذكره تحت (من سكن منهم -أي: الصحابة- بالبصرة)، وقال عنه: «غزا إلى مرو، فمات بها» -، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٣/١٦٢ - ط. الغرباء)، وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٤/٢٤١ و٧/٣٦٥ و٨/٨) . وانظر: «الإصابة» (١/١٤٦)، و«السير» (٢/٤٦٩)، و«التهذيب» (١/٤٣٢) .
[ ٣٠٦ ]
معاوية بن أبي سفيان -﵁- حين جاءه كتاب عامله، يخبرُه أنه وقع بالترك وهزمهم، وكثرةَ من قَتل منهم، وكثرة ما غنم، فغضب معاوية -﵁- في ذلك، ثم أمر أن يكتب إليه: قد فهمتُ ما ذكرتَ مما قتلت وغنمتَ، فلا أعلمنَّ ما عُدت لشيء من ذلك، ولا قاتلتهم حتى يأتيك أمري، قلت له: لم يا أمير المؤمنين؟ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «لتظهرن الترك على العرب، حتى تُلحقها بمنابت الشيح والقيصوم» (١)؛ فأكرهُ قتالَهم لذلك.
وعزاه إلى أبي يعلى: الهيثميُّ في «مجمع الزوائد» (٧/٣١١-٣١٢)، وقال: «رواه أبو يعلى، وفيه جماعة لم أعرفهم» .
قلت: مراده -والله أعلم-: أحمد بن إبراهيم، وإسحاق بن إبراهيم مولى الغمر، وأبوه، وجده (٢) .
ولفظة «لتظهرنّ الترك على العرب» مثبتة في «المجمع» و«المقصد العلي» (١٨٥٢)، و«المقصد الأعلى» (٣/١٢٣٨ رقم ٤٥٢٠) . وكذا في الطبعة الأخرى من «مسند أبي يعلى» (٣) (٦/٤٤٠ رقم ٧٣٣٨)، وأثبت محققا «المسند» في الهامش ما مفاده: إن في الأصول «إن الترك على العرب»، وقال أسد: «وأخشى أن تكون (على) تحرفت إلى «تجلي»» .
_________________
(١) نوع من نبات الأرطماسيا، من الفصيلة المركبة، قريب من نوع الشيح، كثير في البادية، ويقال: فلان يمضغ الشيح والقيصوم لمن خلصت بدويّته. ويحتمل أن يكون المراد من الحديث ما «قد حدث أن السلطان خلال أربع مئة عام كان للترك على العرب إلا مناطق الصحراء، وهي مكان الشيح والقيصوم» .
(٢) مع ملاحظة أن المثبت في (إسناد أبي يعلى) في مخطوطة «المطالب العالية» (ق٤٥٤٠/ب) المسندة: «أحمد بن إبراهيم بن المعمر: حدثني أبي »؛ فالإسنادان بينهما فرق!
(٣) وهي بتحقيق الأستاذ إرشاد الحق الأثري، ظهرت سنة ١٤٠٨هـ عن دار القبلة، جدة، في (٦) مجلدات.
[ ٣٠٧ ]
قال أبو عبيدة: الذي أراه صوابًا في متن الحديث: «إن الترك تُجلي العرب » (١) بناء على ما ورد في الباب، ثم وجدته هكذا في «إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة» (١٠/١٩٨-١٩٩ رقم ٩٨٢٢ - ط. الرشد)، وبوب عليه (باب القتال على الملك وترك قتال الترك)، وسكت عليه، وكذلك في «المطالب العالية» (١٨/٣١٧ رقم ٤٤٧٧ - ط. العاصمة)، وبوب عليه (باب الزجر عن قتال الترك لما يُخشى من تسلطهم على بلاد الإسلام)، وسكت عليه -أيضًا-، وعزاه لأبي يعلى، وقال محقق «المطالب»:
«أتوقف في الحكم على الحديث»، ثم قال وأورد له بعض ما قدمناه عن ابن مسعود وحذيفة قوليهما: «وما تقدم من حديث ابن مسعود وحذيفة -﵄- قد وردا موقوفًا عليهما، ولهما حكم الرفع؛ لأنه من الأمور الغيبية التي لا مجال للرأي فيها، وجملة القول أن حديث الباب (٢) يرتقي بهذه الطرق والشواهد لدرجة الحسن لغيره، والله أعلم» (٣) .
قال أبو عبيدة: له عن معاوية طريق أخرى:
أخرجه نعيم بن حماد في «الفتن» (٢/٦٨٢ رقم ١٩٢٢) عن رشدين، عن ابن لهيعة، حدثني كعب بن علقمة، حدثني حسان بن كريب، أنه سمع ابن ذي الكلاع يقول: كنت عند معاوية، فجاءه بريد من أرمينية من صاحبها، فقرأ الكتاب فغضب، ثم دعا كاتبه، فقال: اكتب إليه جواب كتابه: تذكر أن الترك أغاروا على طرف أرضك، فأصابوا منها، ثم بعثت رجالًا في طلبهم، فاستنقذوا الذي أصابوا، ثكلتك أمك! فلا تعودنّ لمثلها، ولا تحركنَّهم بشيء،
_________________
(١) كذا رأيته -أيضًا- في «فتح الباري» (٦/٦٠٩) و«لوامع العقول شرح راموز الحديث» (٥/٥٨) .
(٢) يعني: حديث معاوية -﵁-.
(٣) «المطالب العالية» (١٨/٣٢٢ - الهامش) .
[ ٣٠٨ ]
ولا تستنقذ منهم شيئًا، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«إنهم سيلحقون بمنابت الشيح» .
وإسناده ضعيف؛ لضعف رشدين بن سعد، وفيه عبد الله بن لهيعة، قال الحافظ ابن حجر عنه في «التقريب» (ص ٣١٩): «خلط بعد احتراق كتبه» .
وله طريق أخرى بنحوه عن معاوية قوله.
وأخرجه من طريق آخر (٢/٦٨٠ رقم ١٩١٧) -ومن طريقه ابن العديم في «بغية الطلب» (١/٥١٨) -: حدثنا بقية، عن أم عبد الله، عن أخيها عبد الله ابن خالد، عن أبيه خالد بن معدان، عن معاوية، قال: اتركوا الرابضة ما تركوكم، فإنهم سيخرجون، حتى ينتهوا إلى الفرات، فيشرب منهم أولهم، ويجيء آخرهم، فيقولون: قد كان ها هنا ماء.
قلت: فيه بقية بن الوليد الحمصي، وهو صدوق، ومدلس، وقد عنعن، وخالد بن معدان ثقة، يرسل كثيرًا، وقد عنعن -أيضًا-، وعليه فإن حديثه ضعيف، وفيه أم عبد الله؛ لم أقف لها على ترجمة.
وله شاهد من حديث عبد الله بن السائب، ولكن لا يفرح به.
أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٦/١١١ رقم ٥٢٢٨ - ط. الطحان) من طريق عدي بن الفضل، عن علي بن الحكم، عن القاسم بن أبي بزة، عن عبد الله بن السائب، قال: قال رسول الله ﷺ: «تبلغ العربُ مولد آبائهم منابت الشيح والقيصوم»، وقال: «لم يرو هذا الحديث عن القاسم بن أبي بزَّة إلا عليّ بن الحكم، ولا عن علي إلا عديّ بن الفضل، تفرد به سعيد بن سليمان» .
قلت: وبوّب عليه الهيثمي في «مجمع البحرين» (٧/٢٦٤) و«مجمع الزوائد» (٧/٣١٠) (باب فتنة العجم)، وقال في «المجمع»: «وفيه عديّ بن الفضل التيميّ، وهو متروك» .
ودلّت الرواية قبل الأخيرة أن الإلحاق الوارد في الحديث بجزيرة
[ ٣٠٩ ]
العرب إنما هو لأهل العراق، وكذا جاء التصريح به في جملة من الآثار السابقة، ووقع التصريح به -أيضًا- في: