هذه ومضة تاريخية سريعة، لا يسمح المقام بأكثر منها حول الخوارج، ولا بد من التنويه -أيضًا- على (ظاهرة الخروج في عصرنا)، فإنّ بسببها أُريقت دماء، وأُزهقت أرواح، تحت مسمى (الجهاد) و(القتال في سبيل الله)، وهي ظاهرة لها أسبابها ودوافعها، وهي في غاية التعقيد، ومن خلالها يظهر صحة ما عليه العلماء الربانيون وأئمة السنة في ترك الخروج على الحكام؛ إذ أن التغيير والإصلاح لا يتعلق بوجود القوة، أو الجماعة القادرة على الثورة، ولا على التخريج الفقهي لجواز الخروج، أو وجوبه، أو منعه، وإنما يتعلق بأمر آخر، أهمّ من هذا كله؛ وهو: تفكك المجتمع الإسلامي، وظهور العصبيات الجاهلية فيه، وتحكم الشُّبهات والشهوات في المسلمين، وبُعدُهم عن أحكام دينهم الحنيف اعتقادًا وعملًا؛ بُعدًا يجعلهم -في أنفسهم- أحقرَ من أن تَسْمُو همَّتهم للعمل على إزالة المنكرات، وإقامة العدل، ويجعلهم عند ربِّهم أقلَّ شأنًا من أن يستحقوا التكريم الإلهي بالحكم بشريعته، التي هي مصدر الأمن والاستقرار، وسبب الخير والرخاء؛ ﴿وَكَذلك نُوَلّي بعضَ الظالمين بعضًا بما كَانوا يَكسِبون﴾ [الأنعام: ١٢٩]، ﴿إنّ اللهَ لا يُغَيِّر مَا بِقَوم حَتّى يُغَيِّروا ما بأنفسهم وإذا أرادَ اللهُ بِقَوم سُوءًا فلا مَرَدَّ له ومَا لَهُم مِن دونه مِن وَالٍ﴾ [الرعد: ١١]» .
_________________
(١) «الفرق الإسلامية» (ص ٤٩) لمحمود البشبيشي.
[ ٦٦ ]
ويظهر صواب هذا الموقف من خلال خصائص (الحق) التي لا تنفك عنه، من ثبات أهله عليه، وانشراح صدورهم به، وطول مسيرتهم وظهور ثمارهم، ورحم الله ابن حزم لما قال: «نُوَّار الفتنة لا يعْقِدُ» (١) .
«والمعنى: أنّ للفتنة مظهرًا خادعًا في مبدئه، قد يستحسن الناس صورتها، ويعقدون الآمال عليها، ولكن سرعان ما تموت وتتلاشى، مثل الزهرة التي تموت قبل أنْ تتفتح وتعطي ثمرتها.
وهذه الكلمة القصيرة؛ حكمة عظيمة من نتاج فكر الإمام ابن حزم -﵀-، الذي عاصر فتنة البربر في الأندلس، ورأَى بنفسه كيف أن الناس يعقدون على كل ثائر وثورة، وشرارة فتنة جديدة؛ آمالًا كبيرة في الإصلاح والتغيير، ولكن سرعان ما تتحول الآمال إلى مآسٍ وأحزانٍ، وضحايا وتدمير، وهذه الكلمة تنطبق على كل عصر ومصر، ويفترض بنا -نحن أبناء هذا العصر- أنْ نكون أكثرَ فهمًا لمدلولها، واستحضارًا لمعانيها، إذ نعيش في زمن قلَّ فيه العلم، وعمَّ فيه الجهل، ورفع الغوغاء رؤوسهم، وغلبت على النفوس الشبهات والشهوات» (٢) .
فصل