وعلى هؤلاء أنْ يتأملوا طويلًا، ما أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٥/١٧-١٨)، وأحمد في «الزهد» (٢/١٣٦)، ونعيم بن حماد في «الفتن» (٣٥٢)، وأبو نعيم في «الحلية» (١/٢٧٤)، والداني في «الفتن» (٢٨) بسند جيد عن حذيفة بن اليمان -﵁-، قال:
«إن الفتنة وكِّلت بثلاث: بالْحادِّ النحرير الذي لا يرتفع له شيء إلا قمعه
_________________
(١) «منهاج السنة النبوية» (٤/٣٤٣) .
(٢) بسبب استحلالهم الخروج والسفك والقتل، والتخريب والدمار، وهذا من الفساد المشاهد الظاهر لكل أحد، ما أدري ما هي آراء هؤلاء، ولا سيما القادة والكبراء، بعد الفراغ من الفتن الدهماء، أيبقون على مواقفهم، أو يخفى عليهم سوء ما جنته أيديهم، أم أعمى الله أبصارهم لفرط أهوائهم، حتى خفي عليهم؟!!
[ ١٤٦ ]
بالسيف، وبالخطيب الذي يدعو إليها، وبالسيد، فأما هذان فتبطحهما لوجوههما، وأما السيد فتبحثه، حتى تبلو ما عنده» .
وفي رواية: «بالشريف»، بدل: «وبالسيد»، وفيها: «فأما الحاد النحرير فتصرعه، وأما هذان فتبحثهما حتى تبلو ما عندهما» .
و(النحرير): هو الفطن البصير بكل شيء (١)، وتوكل الفتنة به إنْ كان حادًّا غير حليم، ولا أناة عنده، يريد الخير بمجرد وقوفه ومعرفته له، من غير اتباع منهج السلف وسنة الله -﷿- في التغيير، ودون النظر إلى مآلات الأفعال، وعواقب الأمور، التي لا يجوز لأحد أن يستشرف الفتنة، ولا يخوض فيها دون ذلك.
وتشمل كذلك المعجبين به، وبتقريراته، وأطروحاته، فيشاركون فيها، بشرفهم وسيادتهم، وبألسنتهم وخطبهم، ومقالاتهم ومؤلفاتهم ونشراتهم وصحفهم وهيآتهم، فتختبرهم الفتنة، وتبلو ما عندهم، فالخطيب والداعي لها أقرب منها من الشريف المعجب الذي بهرته الزخارف، وغرته الشعارات، ولعله إنْ تأمَّل وتحلّم، ونظر، وفكر، ودبّر، وقدّر، يخلص منها، إنْ تداركته رحمة مولاه، وخرج عن داعي هواه.
والمثل الذي لا يزال شاخصًا أمامنا، وما زلنا نسمع دويّ صوته، ونكتوي بناره ولظاه: فتنة عظيمة عظيمة، ما انعقد نوّارها، وثارت على المسلمين -كل المسلمين- من أقصى (الغرب) (٢) بسبب شباب متحمِّس، لا يحسن تقدير المصالح والمفاسد، ولا يزنها بميزان العلماء، ولا يقيم وزنًا للضوابط المعتبرة عندهم، فثار ثورة هوجاء، ترتبت عليها نتائج خطيرة، وارتفعت أصوات تتهم (الدعوة السلفية) (٣) بما هي منها براء، إذ هؤلاء الشباب
_________________
(١) كذا في «النهاية» (٥/٢٨) .
(٢) سيأتيك وصف لفتن الغرب في أحاديث النبي - ﷺ -. انظر: (ص ٣٤٥ وما بعد) .
(٣) كان سبب ذلك: أنّ كثيرًا من هذا الشباب -ولاسيما المتهمين بغزوتي نيويورك وواشنطن!! - من بلاد التوحيد، فصارت التهمة متوجهة للسلفيين ولأهل السنة والجماعة!!
[ ١٤٧ ]
لم يتَّبعوا منهج السلف في التغيير، ولا اتّكأوا على تقريرات الأعلام من علماء هذه الدعوة المباركة، وإنما غرّهم حماسُهم، ولم يعرفوا تقدير مكنتهم، ولا استدراج عدوّهم، ولا ما يكاد لهم، ولا واجب وقتهم، فشاركوا فيها بتمرّد، وعلى منهج أهل الحماسات والخروج (١)، ودعت الحاجة إلى كشف حقيقة المشارب والمناهج والمدارس الفكرية العقدية التي تربى عليها هؤلاء المتمردون (٢) .
ومن الجدير بالذكر: إنّ هذه الحوادث جعلت بعض (الأسياد) و(الشرفاء) (٣)، وبعض (الخطباء) ونحوهم ممن لهم قبول عند (النحارير الحادين) (٤) يعيدون النظر في مواقفهم؛ لأنها بحثتهم وبلوتهم، وبطحت آخرين على وجوههم، وعمد بعضُ (٥) من انكشفت له العواقب الوخيمة لأعمال هؤلاء إلى استنكار ما يجري، فنشر في مواقع كثيرة على شبكة المعلومات العالمية (الإنترنت) بيانًا، أفصح عن رأيه وموقفه من صنيع هؤلاء، وكان صريحًا جريئًا -بحق- في توجيهه النَّقد، تكشف عن إدراك تام عن خطورة الموقف، وابتدأ الحديث عن المجاهدين بأفغانستان، ثم توجّه إلى بقاياهم -بعد سقوط حركة (طالبان) (٦)
وظهور (دولة بني علمان) -والله
_________________
(١) لا يبعد عندي أنها من (المهيجات) العراقية! الواردة في الأحاديث النبوية المتقدّمة، وعلى أية حال؛ فقد انكشفت، وكان على إثرها غزو العراق واحتلاله في أبشع وأشنع ما طرق السمع، ورأى النظر من (فتن) وسفك دماء، ودمار بلدان.
(٢) وقامت جهود في توضيح ذلك، من خلال البحوث والندوات، وجرى الحديث في وسائل الإعلام، وظهرت الحقيقة جلية في بيان حقيقة هؤلاء، وأنّ أعمالهم لا صلة لها بمنهج السلف في التغيير، وما زال الأمر بحاجة إلى المزيد والمزيد من البيان والتأكيد.
(٣) المذكورون في أثر حذيفة السابق.
(٤) المذكورون في أثر حذيفة السابق.
(٥) هو الدكتور سفر بن عبد الرحمن الحوالي -سدده الله، ووفَّقه لمرضاته، وحفظه-.
(٦) ظهرت عنهم دراسة بعنوان: «حركة الطالبان وحصان طروادة» لعدنان محمد عبد الرزاق، قبل الأحداث الجسام، وذلك سنة ١٤١٧هـ -١٩٩٦م، توقع فيها ما حصل بعد، =
[ ١٤٨ ]
المستعان- ممن انتشروا في سائر (البلدان)، وجرت على أيديهم قلاقل وتفجيرات وتثويرات (١)،
تجسَّدت -على رأي (الإعلام) بـ (غَزْوَتي نيويورك
_________________
(١) = وانظر عنهم مقالًا بعنوان: (شهادة على تجربة طالبان في حوار مع فضيلة الشيخ رحمتي -نائب الشيخ جميل الرحمن﵀-)، المنشور في مجلة «البيان» (العدد ١٧٠، ص ٨٦-٩٥) . علمًا بأن أخانا الشيخ شمس الدين السلفي الأفغاني -﵀- كان يطعن في عقيدتهم ومنهجهم! وهو أعلم بهم من غيره..
(٢) كانت هذه التفجيرات في كثير من بلاد المسلمين، حتى وصلت بلاد الحرمين الشريفين، بل كادت أنْ تصل مكة نفسها! وظهرت في أوقات مختلفة قبل أحداث أمريكا وبعدها، وابتدأت من انفجارات مدينة (الخبر)، التي استنكرتها هيئة كبار العلماء برئاسة العلامة الشيخ ابن باز -﵀- في ٢/٤/١٤١٩هـ، وتلتها انفجارات مدينة الرياض -حرسها الله-، واستنكرتها الهيئة نفسها برئاسة العلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ -حفظه الله- في ١٣/٣/١٤٢٤هـ، ومما جاء في آخر هذا البيان: «ثم ليعلم الجميع، أنّ الأمة الإسلامية اليوم تعاني من تسلُّط الأعداء عليها من كل جانب، وهم يفرحون بالذرائع التي تسوِّغ لهم التسلُّط على أهل الإسلام وإذلالهم، واستغلال خيراتهم، فمن أعانهم في مقصدهم، وفتح على المسلمين وبلاد الإسلام ثغرًا لهم، فقد أعان على انتقاص المسلمين، والتسلط على بلادهم، وهذا من أعظم الجُرم» . وصدر -أيضًا- في ١٥/٣/١٤٢٤هـ بيان عن أكثر من أربعين عالمًا وداعيًا، أدانوا فيه هذا الفعل الشنيع، وعزوا أصحابه إلى «الأفكار المنحرفة التي تمهّد للعدوان على الدماء، والأموال، والأعراض، بالشُّبه، والتأويلات الباطلة» . وصدرت في الصحف آنذاك مقالات وبيانات تستنكر هذه الأعمال، وتعزوها إلى الغلو والانحراف العقدي والمنهجي. انظر -على سبيل المثال-: جريدة «المدينة»: الثلاثاء، العدد (١٢٠٨٧)، السنة الواحدة والستون، ٢٧/ذو الحجة/سنة ١٤١٦هـ، وصحيفة «الوطن» السعودية بتاريخ ١٦/ربيع الأول/سنة١٤٢٤هـ، و«فتاوى الأئمة في النوازل المدلهمة» (ص ١١-٤١، ١٣٣-١٤٢)، و«كيف نعالج واقعنا الأليم» (ص ١٣٥-١٤٣) . وكل ذلك يتفق مع ما قررناه من صلة هذه الأحداث بهذا الفكر الخارجي، وصرح بذلك خطباء الحرمين الشريفين آنذاك، -زادهم الله توفيقًا وحفظًا-. وانظر: (فاتحة القول) من مجلتنا «الأصالة» العدد (٤٣)، بعنوان: (ماذا ينقمون من بلاد الحرمين) . ومما ينبغي أن يشار إليه: أنّ هذه التفجيرات ليست خاصة ببلاد المملكة العربية السعودية، =
[ ١٤٩ ]