اختلف الرواة في تسمية (ابن أبي بكرة) على خمسة أقوال:
الأول: منهم من أبهمه، ولم يسمه، وقع ذلك في رواية يزيد بن هارون ومحمد بن يزيد عن العوّام بن حوشب، عن سعيد بن جمهان.
الثاني: عبيد الله أو عبد الله، شك فيه سُريج بن النعمان في روايته عن حشرج بن نباتة، عن ابن جمهان، ورواه الطيالسي -عند ابن عدي- عن حشرج، وجزم بأنه (عبيد الله) .
الثالث: عبد الله، سماه أبو النضر هاشم بن القاسم عن حشرج، به.
الرابع: عبد الرحمن، سماه الطيالسي ويحيى الحماني، عن حشرج، به.
الخامس: مسلم، سماه هكذا عبد الوارث بن سعيد، عن سعيد بن جمهان.
_________________
(١) في «مسنده»، وهو ليس في القسم المطبوع منه.
(٢) في «مسنده»، برواية ابن المقرئ، وليس لأبي بكرة ذكر في رواية ابن حمدان المطبوعة.
(٣) لم أظفر به في «زهر الفردوس»، ووقع في الطبعة الأخرى من «الفردوس» (٥/٤٢٤ رقم ٨٣٧٢) عن أبي بكر، وهو خطأ!
[ ٣١٥ ]
وهذا اضطراب لا يُعَلُّ به أصل الحديث، إن كان هؤلاء ثقات! وهذا يحتاج إلى فحص وفتش، وبها نجد أن كلًاّ من (مسلم) و(عبد الرحمن) ثقة، وأما (عبد الله) أو (عبيد الله)؛ فترجمه هكذا بالشك: الحسيني في كتابه «الإكمال في ذكر من له رواية في مسند الإمام أحمد من الرجال سوى من ذُكر في «تهذيب الكمال»» (ص ٢٢٨/رقم ٤٢٩)، قال: «عن أبيه، وعنه سعيد ابن جمهان، مجهول» ! وتعقّبه ابن حجر في «تعجيل المنفعة» (ص ٢١٤ رقم ٥٢٣) . فقال:
«لا يقال هذا لأولاد (أبي بكرة)، فإنهم مشاهير من رؤساء أهل البصرة في زمانهم، وعبيد الله -بالتصغير- أشهر من عبد الله، وهو الذي وقع ذكره في «الصحيح» (١) من رواية عبد الرحمن بن أبي بكرة: أنّ أبا بكرة كتب إلى ابنه عبيد الله، وهو يقضي بسجستان، وقد ذكر ابن حبان (٢) في (ثقات التابعين): (عبيد الله) -المصغّر-؛ فقال: «ولي لزياد، وروى عنه أهل البصرة» وقد اختلف على سعيد بن جمهان »، وذكر الخلاف، وقال:
«فالذي يظهر أن سعيد بن جمهان كان يضطرب فيه، والله أعلم» .
قلت: ما استظهره ظاهر، ولا سيما أن الطيالسي وقعت له الروايتان، فالاضطراب من (ابن جمهان) محصور في اسم (ابن أبي بكرة)، وهذا لا يعلّ به الحديث، و«شرط الاضطراب (٣) أن تتساوى الوجوه في الاختلاف، وأما إذا تفاوتت؛ فالحكم للراجح بلا خلاف» (٤)، فهذه العلة غير قادحة في صحة أصل الحديث، إذ الجميع ثقات، وأما عبد الله، فقد قال البزار: «لا أعلم لأبي بكرة
_________________
(١) يعني: «صحيح مسلم» (رقم ١٧١٧) .
(٢) في كتابه «الثقات» (٥/٦٤) .
(٣) الذي يُعَلُّ به الحديث.
(٤) قاله ابن حجر في «الإصابة» (٣/٥٧٨) في ترجمة (نوفل بن فروة الأشجعي)، وانظر: «الخلافيات» (١/١٤٣، ١٤٥، ٢٣٣ (مهم)، ٢٣٤، ١٥٤-١٥٥، ٢٢٧) وتعليقي عليها.
[ ٣١٦ ]
ابنًا يقال له (عبد الله)» (١) !
قلت: ليس كذلك، قال ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٧/١٨٩):
«ووُلد عبد الله بن أبي بكرة بالبحرين، قبل أن ينزل البصرة، وكان أسنَّ ولد أبي بكرة، ولم يَلِ لهم شيئًا، وتوفي أبو بكرة عن أربعين ولدًا من بين ذكر وأنثى، فأعقب منهم سبعة، عبد الله بن أبي بكرة أحدهم» .
ولم يقتصر الأمر على ابن سعد، فقد ذكره ابن حبان في «الثقات» (٥/٥٣٤) في ترجمة (يزيد بن أبي بكرة) (٢)، فقال: «أخو عبد الله ومسلم ورواد وعبيد الله»، بني أبي بكرة، صاحب النبي ﷺ، عداده في أهل البصرة، روى عنه أهلها» .
بل لعبد الله ورود في بعض نسخ «الطبقات» (٣) للإمام مسلم بن الحجاج.
وعلى فرض عدم وجوده، فيكون راوٍ قد وهم في تسميته، وخالف من
_________________
(١) «البحر الزخار» (٩/١١٨) .
(٢) وله مع المذكورين إخوة، ذكر منهم علي بن المديني في (باب تسمية الإخوة) من كتابه «تسمية من روى عنه من أولاد العشرة» برقم (٣٤٣-٣٤٥) عبد الرحمن، ومسلمة، وعبد العزيز، وذكر هؤلاء: أبو داود السجستاني في «تسمية الإخوة الذين روى عنهم الحديث»، وزاد عبيد الله، وروادًا، انظر منه: الأرقام (٧٩٧-٨٠١) . وزاد ابن سعد في طبقاته (٧/١٩١) عتبة مع إخوته السبعة الآخرين، وزاد عليهم رشيدالدين العطار في «غرر الفوائد المجموعة» (٧٢٤-٧٢٥ - الملحق بآخر كتابي «الإمام مسلم ومنهجه في الصحيح»): (كيّسة)، وكذلك فعل عبد الغني ابن سعيد في كتابه «المؤتلف والمختلف» (ص ١٠٩) .
(٣) (١/٣٤٠ رقم ١٧٣٠)، وسقطت الترجمة من نسخة مجوَّدة بخط عبد الرحيم بن المِهتَر النّهاوندي مقابلة على عدَّة نسخ، انظر تقديمنا للكتاب (١/٦٥-٧١)، ومن الجدير بالذكر أن مسلمًا ترجم فيه (رقم ١٧٢٦-١٧٣١) لعبد الرحمن وعبد العزيز وعبيد الله ومسلم وعبد الله ورواد.
[ ٣١٧ ]
هو أوثق منه، وأكثر عددًا، وبقية بني بكرة المسمّين ثقات، والراجح من حيث الصنعة الحديثية: أن «اسمه في هذا الإسناد هو عبد الرحمن (١)، ثقة متفق عليه، بيّن ذلك» (٢)، الطيالسي في روايته: «وأما مسلم؛ فانفرد به مسلم، وأما عبد العزيز؛ فأخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجه» (٣) .
وعلى كلٍّ؛ القول بجهالة عبيد الله أو عبد الله مردودة، بما قاله ابن حجر (٤)، وسبقه الذهبي، فقال في آخر كتابه «ديوان الضعفاء» (ص ٤٧٨): «وأما المجهولون من الرواة، فإن كان الرجل من كبار التابعين أو أوساطهم، احتمل حديثه وتلقي بحسن الظن إذا سلم من مخالفة الأصول وركاكة الألفاظ، وإن كان الرجل منهم من صغار التابعين فيتأتى في رواية خبره، ويختلف ذلك باختلاف جلالة الراوي عنه وتحريه، وعدم ذلك» انتهى.
وإذا كانت الجملة الأخيرة من هذه القاعدة في (صغار التابعين) فإنها تشمل (عبيد الله) و(عبد الله) من باب أولى، إذ جعلهما مسلم (٥) في (الطبقة الثانية من التابعين من أهل البصرة)، وقد أخرج في «صحيحه» (٦) حديث «إن الزمان استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض » بسندٍ فيه (ابن أبي
_________________
(١) اقتصر الدارقطني في «العلل» (٧/١٥٨ رقم ١٢٧٠) عليه، وتابع ابن جمهان على ذكره مولى لأبي بكرة، كما سيأتي في كلام ابن أبي حاتم.
(٢) من كلام رشيدالدين العطار في «غرر الفوائد المجموعة» (٢/٧٢٤ - الملحق بآخر كتابي «الإمام مسلم ومنهجه في الصحيح») .
(٣) من كلام رشيدالدين العطار في «غرر الفوائد المجموعة» (٢/٧٢٥ - الملحق بآخر كتابي «الإمام مسلم ومنهجه في الصحيح») .
(٤) فيما تقدم من كلام له.
(٥) في كتابه «الطبقات» (١/٣٣٩-٣٤٠) .
(٦) في كتاب القسامة (باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال) (رقم ١٦٧٩) بعد (٢٩)، وذكرت حوله فائدة عجيبة في كتابي «مسائل أعيت العلماء»، يسر الله إتمامه وإظهاره.
[ ٣١٨ ]
بكرة) هكذا بالإبهام، ووقع خلاف في تعيينه، ولا عبرة بتضعيفه لمجرد هذا السبب (١) .
بقيت علّة أخرى؛ وهي مستمسك مضعّفيه؛ وهي: (سعيد بن جُمهان)، قال ناقدوه: «سعيد بن جُمهان، وإن ذُكر توثيقه عن غير واحد من أهل العلم، فقد قال المروزي: قلت لأحمد: يروى عن يحيى القطان أنه سئل عنه فلم يرضه! فقال: باطل، وغضب، وقال: ما قال هذا أحد غير علي بن المديني، ما سمعت يحيى يتكلم فيه بشيء (٢) .
وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به (٣) . وقال أبو داود مع توثيقه له: وقوم يضعِّفونه. وقال الساجيّ: لا يتابع على حديثه. ونقل الحافظ ابن حجر في «التهذيب» أن البخاري قال: عنده عجائب. وقال في «التقريب»: صدوق له أفراد (٤) .
قلت: ليس كل خلاف في الراوي يضر، بل لا بد من النظر والترجيح، وقد قال ابن أبي عاصم في «السنة» (٥): حديثه ثابت، وقد روى عنه حماد بن سلمة، والعوام بن حوشب، وحشرج.
قال شيخنا الإمام الألباني مدافعًا عن (ابن جمهان) وقد صحح له حديثًا
_________________
(١) انظر دفاعًا عن الحديث في «غرر الفوائد المجموعة» (ص ٧٢٤-٧٢٥) و«تنبيه المعلم» لأبي ذر سبط ابن العجمي (رقم ٦٦١)، وتعليقي عليهما، و«فتح الباري» (٨/١٠٨ رقم ٤٤٠٦) .
(٢) في كتابه «من كلام الإمام أحمد في علل الحديث ومعرفة الرجال» (ص ٨١/رقم ١٦٨) .
(٣) «الجرح والتعديل» (٤/١٠) .
(٤) «مسند الإمام أحمد» (٣٤/٥٦ - ط. مؤسسة الرسالة) .
(٥) قاله على إثر حديث «الخلافة ثلاثون سنة، ثم تكون بعد ذلك ملكًا»، انظر: «السنة» (٢/٥٥٩) عقب رقم (١١٨٥) .
[ ٣١٩ ]
آخر (١): «وقد وثقه جماعة من الأئمة، منهم أحمد وابن معين، وأبو داود، وقال الحافظ في «التقريب»: صدوق له أفراد.
قال: ولذلك قوّى حديثه الترمذي، وقال: حسن. والحاكم (٣/٧١، ١٤٥) وصححه، وفي [(٣/٦٠٦) حديث آخر] . ووافقه الذهبي.
وأشار إلى مثل هذا التصحيح الحافظ في «الفتح» (١٣/١٨٢)، فقال موافقًا: وصححه ابن حبان (١٥٣٤، ١٥٣٥ - «الموارد») وغيره.
واحتج به الإمام ابن جرير الطبري في جزئه في «الاعتقاد» (ص ٧) .
وصححه شيخ الإسلام ابن تيمية في «قاعدة» له في هذا الحديث قال: اعتمده الإمام أحمد.
وصححه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (٢/١٨٤)، ويضاف إليهم هنا ابن حبان؛ فإنه ذكر سعيدًا في «الثقات» والنسائي؛ فإنه هو الذي قال: ليس به بأس.
وعارض هؤلاء قولَ البخاري: في حديثه عجائب، وقولَ الساجي: لا يتابع على حديثه.
قال الشيخ: فهذا جرحٌ مبهم غير مفسَّر، فلا يصحّ الأخذُ به في مقابلة توثيق من وثّقه، كما هو مقرر في (المصطلح)، زد على ذلك أن الموثِّقين جمع، ويزداد عددُهم إذا ضُمَّ إليهم مَنْ صحَّحَ حديثه، باعتبار أن التصحيح يستلزم التوثيق كما هو ظاهر» (٢) .
_________________
(١) وهو الحديث المذكور في الهامش السابق، والتصحيح والاحتجاج الآتي المقيد بحديث إنما يراد به هذا.
(٢) «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (١/٨٢٥ رقم ٤٥٩)، وانظر: «معجم أسامي الرواة الذين ترجم لهم العلامة محمد ناصرالدين الألباني» (٢/١١٦-١١٧) .
[ ٣٢٠ ]
وبناءً على ما سبق؛ فقد حسّن هذا الحديث شيخُنا الألباني في «صحيح الجامع الصغير» (٢/١٣٥٧ رقم ٨١٧٠)، و«صحيح سنن أبي داود» (٣/٢٧ رقم ٤٣٠٦)، و«صحيح موارد الظمآن» (٢/٢٢٦-٢٢٧ رقم ١٥٧٠-١٨٧٣)، و«المشكاة» (٥٤٣٢)، وهو في «هداية الرواة» (٥/١١٠-١١١ رقم ٥٣٥٩)، وبهامشه: «إسناده جيد» (١)، وهو في (القسم الحسن) (٢) من «مصابيح السنة»، وهذا الذي أراه صوابًا.