قال القرطبي في «التذكرة» (٢/٤٢٨):
«قال الإمام أبو الخطاب عمر ابن دحية (١):
_________________
(١) بإثبات الألف؛ لأن (دحية) ليس اسمًا لأبيه، فأبوه (الحسن)، وهو من وفيات (٦٣٣هـ)، من كتبه: «النبراس في تاريخ خلفاء بني العباس»، طبع بتحقيق عباس العزاوي، سنة =
[ ٣٠٢ ]
وهذا سند صحيح (١)، أسنده إمام السنة، والصابر على المحنة: أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني، عن الإمام العدل، المجمع على ثقته أبي نُعيم الفضل بن دُكين، وبشير بن المهاجر ثقة (٢)، رأى أنس بن مالك، روى عنه جماعة من الأئمة فوثقوه» .
وقال الحاكم على إثره: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه» ووافقه الذهبي.
وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/٣١١): «رواه أبو داود مختصرًا، ورواه أحمد والبزار باختصار، ورجاله رجال الصحيح» .
قال أبو عبيدة: مدار الحديث على بشير بن المهاجر الغنوي، وفيه كلام لأئمة الجرح والتعديل، قال أبو بكر الأثرم عن أحمد بن حنبل: «منكر الحديث، قد اعتبرتُ أحاديثه، فإذا هو يجيء بالعجب»، نقله المزي (٣)، وزاد: «وقال البخاري: يخالف في بعض حديثه» .
قلت: قولة البخاري هذه في «التاريخ الكبير» (٢/١٠١ رقم ١٨٣٩)
_________________
(١) = ١٣٥٦هـ-١٩٦٤م، فلعل هذا النقل منه، ثم رأيته مطبوعًا عن مكتبة الثقافة الدينية، مصر، بتحقيق مديحة الشرقاوي، سنة ١٤٢١هـ - ٢٠٠١م، ولم أعثر على هذا النص فيه، وإلا فهو في كتابه «البشارات والإنذارات المتلقّاة من أصدق البراءات»، ذكره له ابن عبد الملك في «الذيل والتكملة» (١/٢١٩) .
(٢) قال صاحب «العون» (١١/٤١٤): «قال القرطبي: بإسناد صحيح»، وتبعه صاحب «البذل» (١٧/٢١٩)، وفي هذا تجوّز؛ فالقائل هو ابن دحية لا القرطبي.
(٣) في «التذكرة» (٢/٤٢٨ - ط. البخاري): «وثقه» ! والتصويب من سائر الطبعات، مثل (٢/٤٩٨ - ط. دار الصحابة و(٢/٢٧٣ - ط. دار الكتاب العربي) و(٣/١٩٠ - ط. دار ابن كثير)، وفي توثيق (بشير) نزاع، يأتي بسط الخلاف بين الأئمة فيه.
(٤) في «تهذيب الكمال» (٤/١٧٧) وقبله -باختصار- العقيلي في «الضعفاء الكبير» (١/١٤٤)، ومثله في «الميزان» (١/٣٣٠) .
[ ٣٠٣ ]
على إثر حديث: «رأس مئة سنة يبعث الله ريحًا »، قال: «يخالف في بعض حديثه هذا»، فعبارته مقيّدة بهذا الحديث (١)، ونقل المزي هذا على خلاف دقّته المتناهية لكلام الأئمة في كتبه (٢) -رحمه الله تعالى-.
وقال أبو حاتم في «الجرح والتعديل» (٢/٣٧٨ رقم ١٤٧٢): «يكتب حديثه ولا يحتجّ به» (٣) .
وقال الساجي: «منكر الحديث، عنده مناكير عن عبد الله بن بريدة أحاديث عدد يطول ذكرها» (٤) .
وقال العقيلي: «مرجئ متّهم، يتكلم فيه، منكر الحديث» (٥) .
وفي كتاب ابن الجارود: «يخالف في بعض حديثه» (٦)، وقال ابن حبان:
_________________
(١) نبه على هذا مغلطاي في «إكمال تهذيب الكمال» (٢/٤٢٤)، قال: «في قول المزي قال البخاري: نظر، من حيث إن البخاري قال هذا مقيدًا بحديث لا مطلقًا، يتبين ذلك لك بسياقة كلامه»، ولم يتنبه لهذا ابن حجر في «التهذيب» (١/٤١١)، فهو -على العادة- ينقل كلام مغلطاي بتمامه في زياداته على كلام المزي في آخر الترجمة، مسبوقة بـ (قلت)، قال في ديباجة «التهذيب» (١/٥): «وما زدته في أثناء التراجم قلت في أوله (قلت)، فجميع ما بعد (قلت) فهو من زيادتي إلى آخر الترجمة» !!
(٢) على الرغم من قلَّتها؛ فمشهور كتبه: «تحفة الأشراف» و«تهذيب الكمال»، وقد سدّا (ثغرة) لا يعلمها إلا الله، ونفع الله بهما طلبة علم الحديث على وجه فيه استمرار، وكادت كتبه هذه أن تكون (عمدة) للمشتغلين بهذا الفن، فجزاه الله خيرًا، وهكذا فليكن التأليف والجمع: في شيء جديد نافع، لا تكرار فيه واجترار، كما هو مشاهد في كثير من الأحوال! مع سمعةٍ وطغيان، وطمع في عرض زائل ومال، ولا وقوة إلا بالله العلي العظيم.
(٣) هذا ما نقله المزي عند المجرحين، وما بعده من مغلطاي، والعبارات نفسها في زيادات ابن حجر من «التهذيب» -أيضًا-.
(٤) العبارة في مطبوع «التهذيب» (١/٤١١ - ط. الفكر) إلى «عنده» هكذا مبتورة ولا معنى لها.
(٥) «الضعفاء الكبير» (١/١٤٤) .
(٦) «إكمال تهذيب الكمال» (٢/٤٢٤) .
[ ٣٠٤ ]
«كان يخطئ كثيرًا» (١) .
وقال النسائي (٢): «ليس بالقوي»، وقال مرة: «ليس به بأس» (٣)، ووثقه ابن معين في رواية إسحاق بن منصور (٤)، وقال العجلي: «كوفيٌّ ثقة» (٥)، وقال ابن خلفون -وذكره في كتاب «الثقات» -: «هو عندي في (الطبقة الثالثة من المحدثين)، وقد تكلم في مذهبه، ونسب إلى الإرجاء» (٦) . وقال ابن عدي: «روى ما لا يتابع عليه، وهو ممن يكتب حديثه، وإن كان فيه بعض الضعف» (٧)، و«روى له الجماعة سوى البخاري» (٨)، وأجمل الذهبي الأقوال السابقة بعبارة: «ثقة فيه شيء» (٩)، وترجمه في كتابه «ذكر أسماء من تُكُلِّم فيه وهو موثق» (١٠)، وقال عنه ابن حجر: «صدوق، لين الحديث، رمي بالإرجاء» .
وبناء على هذا الخلاف وقع اختلاف بين المعاصرين في الحكم على
_________________
(١) «الثقات» (٦/٩٨) .
(٢) في «الضعفاء» له (٢٨٦) .
(٣) كذا في «تهذيب الكمال» (٤/١٧٧) و«الميزان» (١/٣٣٠)، وقال الخزرجي في «الخلاصة» (ص ٥٠): «وثقه والنسائي» .
(٤) كذا في «تهذيب الكمال» -أيضًا- (٤/١٧٧)، ولم ينقل عباس الدوري في «تاريخه» (٢/٦٠-٦١) عن ابن معين منه شيئًا في «الجرح والتعديل» .
(٥) في «ترتيب الثقات» (ص ٨٢/رقم ١٥٧) ضمن (تضمينات ابن حجر) .
(٦) «إكمال تهذيب الكمال» (٢/٤٢٤) .
(٧) «الكامل في الضعفاء» (٢/٤٥٤) .
(٨) «تهذيب الكمال» (٤/١٧٨)، وقال الخزرجي في «الخلاصة» (ص ٥٠): «له في مسلم فرد حديث» .
(٩) «الكاشف» (١/١٥٩)، واقتصر في «ديوان الضعفاء والمتروكين» (١/١٢٣ رقم ٦٥١) على قوله: «قال النسائي: ليس بالقوي»، وقال في «المغني» (١/١٠٨ رقم ٩٣٧): «تابعي صدوق، وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: لا يحتج به» .
(١٠) (ص ٥٤/رقم ٥٣)، وقال: «صدوق» .
[ ٣٠٥ ]
هذا الإسناد (١)، والذي أُراه أنه (حسن)، ولا ينزل هذا الإسناد بأي حال من الأحوال عن درجة الحسن في الشواهد، إذ (بشير) لم ينفرد بأصل الحديث، فقد وردت آثار صحيحة تقدمت (٢)، تشهد لبعض ما فيه، ومنها يعلم أن (السَّوق) المذكور إنما هو من العراق، وهذا ما فهمه بريدة، وهو ممن سكن (البصرة)، وعدّه غير واحد من العلماء (٣) من أهلها، ودل عليه -أيضًا- قوله ﷺ في هذا الحديث «يلحقوهم بجزيرة العرب»، فهم ليسوا من أهلها، ولبعض ما فيه شواهد من أحاديث أخر؛ مثل: