تشريع لا يجيء من هذا المصدر الشرعي الوحيد؟ لا أحد يملك أن يزعم أن هذا المجتمع المسلم قائم موجود!» (١) .
ويقول سيد قطب مؤكدًا ما سبق، ومنتقدًا من يفكرون في النظام الإسلامي: «إن الذين يفكرون في النظام الإسلامي اليوم وتشكيلاته، أو يكتبون، يدخلون في متاهة! ذلك أنهم يحاولون تطبيق قواعد النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية المدونة في فراغ، يحاولون تطبيقها في هذا المجتمع الجاهلي القائم، بتركيبه العضوي الحاضر، وهذا المجتمع الجاهلي الحاضر يعتبر -بالقياس إلى طبيعة النظام الإسلامي، وأحكامه الفقهية- فراغًا، لا يمكن أن يقوم فيه هذا النظام، ولا أن تطبق فيه هذه الأحكام، إن تركيبه العضوي مناقض تمامًا للتركيب العضوي للمجتمع المسلم، فالمجتمع المسلم -كما قلنا- يقوم تركيبه العضوي على أساس ترتيب الشخصيات والفئات كما ترتبها الحركة لإقرار هذا النظام في عالم الواقع، ولمجاهدة الجاهلية لإخراج الناس منها إلى الإسلام، مع تحمل ضغوط الجاهلية، وما توجهه من فتنة، وإيذاء، وحرب على هذه الحركة، والصبر على الابتلاء، وحسن البلاء، من نقطة البدء إلى نقطة الفصل في نهاية المطاف، أما المجتمع الجاهلي الحاضر؛ فهو مجتمع راكد، قائم على قيم لا علاقة لها بالإسلام، ولا بالقيم الإيمانية وهو -من ثم- يُعَدُّ بالقياس إلى النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية فراغًا لا يعيش فيه هذا النظام، ولا تقوم فيه هذه الأحكام» (٢) .
ثانيًا: في احتقار العلماء (٣)، وتجاوز المرجعيات الدينية للأمة:
_________________
(١) «في ظلال القرآن» (٣/١٧٣٥)، وراجع الهامش السابق.
(٢) «في ظلال القرآن» (٤/٢٠٠٩) .
(٣) الذين يسمِّيهم سيِّد: (رجال الدِّين)، ويريد بهم -كما يدلُّ عليه سياق كلامه-: الجنس، وليس النوع؛ فتنبه.
[ ١٥٧ ]
يقول سيد قطب: «وبعض هذه الشبهات ناشىء عن التباس فكرة الدين ذاته بمن يسمون في هذا العصر: رجال الدين، وهو التباس مؤذ للإسلام، ولصورته في نفوس الناس، فهؤلاء الـ (رجال الدين)، أبعد خلق الله عن أن يمثلوا فكرته، ويرسموا صورته، لا بثقافتهم ولا بسلوكهم، ولا حتى بزيهم وهيئتهم، ولكن الجهل بحقيقة هذا الدين، والثقافة المدرسية الباقية من عهد الاحتلال، والتي ما يزال يشرف عليها الرجال الذين صنعهم الاحتلال، والأدوات التنفيذية التي صاغها بيده لتسد مسده بعد رحيله، هذا الجهل الناشئ عن تلك الثقافة لا يدع للناس صورة عن الإسلام يرونها إلا في هؤلاء الذين يعرفونهم: (رجال الدين)، وهي أسوأ صورة ممكنة للإسلام ولأي دين من الأديان» (١) .
ويقول سيد -أيضًا-: «وبعد؛ فليطمئن المخلصون من المفكرين، ورجال الفنون، ومن إليهم؛ أن حكم الإسلام لن يسلمهم إلى المشانق والسجون، ولن يكبت أفكارهم، ويحطم أقلامهم، وينبذهم من حمايته ورعايته، ولا يأخذوا الصيحات التافهة التي يصيحها اليوم: رجال الدين المحترفون في وجه بعض الكتب، وبعض الأفكار حجة!! فإنما هذه الصيحات تجارة رابحة اليوم، وحرفة كاسبة؛ لأنهم يعيشون في عهد الإقطاع الذي يقيمهم حراسًا لمظالمه وجرائمه، ولكي يبرروا وجودهم في أعين الجماهير؛ يطلقون هذه الصيحات الفارغة بين الحين والحين، فأمّا حين يكون الحكم للإسلام؛ فلن يبقى لهؤلاء عمل، فسيكونون مجندين لعمل منتج نافع، هم وبقية المتعطلين المتمسكعين من كبار الملاك، ورجال الأموال، ومن الموظفين، والمستخدمين في الدواوين، ومن أحلاس المقاهي والمواخير والحانات، ومن المشردين في الشوارع والطرقات، أو المصطلين للشمس حول الأجران وكلهم في التبطل والتسكع سواء، بعضهم: كاره مضطر،
_________________
(١) «معركة الإسلام والرأسمالية» (٦٣) .
[ ١٥٨ ]
وبعضهم: كسول خامل، وبعضهم: مستغل مستهتر» (١) .
ويتعجب سيد من المفتين والمستفتين في المجتمعات الإسلامية عن مشكلات تواجههم، فيقول: «والإسلام نظام اجتماعي متكامل، تترابط جوانبه وتتساند، وهو نظام يختلف في طبيعته وفكرته عن الحياة ووسائله في تصريفها، يختلف في هذا كله عن النظم الغربية، وعن النظم المُطَبَّقة اليوم عندنا، يختلف اختلافًا كليًّا أصلًا عن هذه النظم، ومن المؤكد أنه لم يشترك في خلق المشكلات القائمة في المجتمع اليوم، إنما نشأت هذه المشكلات عن طبيعة النظم المطَبَّقة في المجتمع، ومن إبعاد الإسلام عن مجال الحياة.
ولكن العجيب بعد هذا، أنْ يكثر استفتاء الإسلام في تلك المشكلات، وأن يُطلَب لها عنده حلول، وأن يُطلَب رأيه في قضايا لم ينشئها هو، ولم يشترك في إنشائها.
العجب أن يستفتى الإسلام في بلاد لا تطبق نظام الإسلام، في قضايا من نوع: (المرأة والبرلمان)، و(المرأة والعمل)، و(المرأة والاختلاط)، و(مشكلات الشباب الجنسية) وما إليها، وأن يستفتيه في هذا وأمثاله ناس لا يرضون للإسلام أن يحكم، بل إنه ليزعجهم أن يتصوروا يوم يجيء حكم الإسلام.
_________________
(١) «معركة الإسلام والرأسمالية» (٨٤) . وهكذا يغازل سيد قطب (رجال الفكر والفن) من كل كاتب أو أديب متحرر، أو فيلسوف مارق، أو رسام تلاحقه اللعنة، أو ممثل وممثلة، أو مطرب ومطربة، وغيرهم من المفسدين في الأرض، ويعدهم إن قامت دولته أن تكون لهم الصولة والجولة، ويكون مصير علماء الإسلام الذين ينبزهم برجال الدين؛ أن يجنَّدوا في عمل منتج، هم ومن ذكرهم من أحلاس المقاهي، والمواخير، والحانات، فـ: (رجال الدين) في نظره لا يقلون سوءًا وضررًا على المجتمع من أولئك السفهاء الساقطين، فكلُّهم سواء!! وقد فطن العلامة محمود شاكر -﵀- إلى أخطاء (سيد)، فرد عليه في مجموعة مقالات في عدة مجلات مصرية قديمة، وجمعتُ مقالاته في هذا الصدد بكتاب مفرد، يسر الله ظهوره ونشره بخير وعافية.
[ ١٥٩ ]
والأعجب من أسئلة هؤلاء أجوبة رجال الدين، ودخولهم مع هؤلاء السائلين في جدل حول رأي الإسلام، وحكم الإسلام في مثل هذه الجزئيات، وفي مثل هذه القضايا، في دولة لا تحكم بالإسلام.
ما للإسلام اليوم؛ وأن تدخل المرأة البرلمان، أو لا تدخل؟! ما له وأن يختلط الجنسان أو لا يختلطان؟ (١) ما له وأن تعمل المرأة أو لا تعمل؟ ما له وما لأي مشكلة من مشكلات النظم المطبقة في هذا المجتمع الذي لا يدين للإسلام، ولا يرضى حكم الإسلام؟
إنّ الفقه الإسلامي لا ينشأ في فراغ، ولا يعيش في فراغ كذلك، لا ينشأ في الأدمغة والأوراق، وإنما ينشأ في الحياة، وليس أية حياة، إنما هي حياة المجتمع المسلم على وجه التحديد، ومن ثم لا بد أن يوجد المجتمع أولًا بتركيبه العضوي الطبيعي، فيكون هو الوسط الذي ينشأ فيه الفقه الإسلامي ويطبق، وعندئذٍ تختلف الأمور جدًّا، وساعتها قد يحتاج ذلك المجتمع الخاص -بعد نشأته في مواجهة الجاهلية، وتحركه في مواجهة الحياة- إلى البنوك، وشركات التأمين، وتحديد النسل، إلخ، وقد لا يحتاج! ذلك أننا لا نملك سلفًا أن نقدر أصل حاجته، ولا حجمها ولا شكلها، حتى نُشرِّع لها سلفًا! كما أن ما لدينا من أحكام هذا الدين لا يطابق حاجات المجتمعات الجاهلية ولا يلبيها ذلك أن هذا الدين لا يعترف ابتداء بشرعية وجود هذه المجتمعات الجاهلية، ولا يرضى ببقائها، ومن ثم فهو لا يعني نفسه بالاعتراف بحاجاتها الناشئة من جاهليتها، ولا بتلبيتها كذلك» (٢) .
_________________
(١) وكأنّ الالتزام بالإسلام متوقف على وجود الحكومة الإسلامية؛ وليس واجبًا فرديًّا، ومسؤولية شخصية، يحاسب عليها الإنسان بين يدي الله -تعالى- وحده، إنّ مثل هذا النص قد يعيننا على فهم ما صدر من بعض أتباع هذا المنهج في بعض البلاد الإسلامية وغير الإسلامية؛ من استباحة الدماء، والأعراض، والأموال.
(٢) «في ظلال القرآن» (٤/٢٠١٠) .
[ ١٦٠ ]
أقول: لا تحتاج هذه النصوص -وهي غيض من فيض- إلى شرح أو تعليق، فهي واضحة صريحة، تكشف حقيقة الأسس التي بنى عليها سيد قطب فكره، ثم جاء من بعده أتباعه فزادوا فيها من الغلو والتطرف ألوانًا، فلا عجب أن يُلغُوا: (وجود الأمة الإسلامية)، ويتجاوزا (أولي الأمر فيها)؛ فينظروا إلى ورثة الأنبياء، الذين وقَّفوا حياتهم على خدمة كتاب الله -تعالى-، وسنة نبيه ﷺ، علمًا وعملًا، وتفقهًا وتفقيهًا، وتعليمًا ودعوة، وبذلوا -ومازالوا يبذلون- كل ما في استطاعتهم من أجل نشر دعوة التوحيد والسنة، ومحاربة مظاهر الشرك والبدع التي ابتليت بها معظم طوائف الأمة، لا عجب أن يعتبروا ذلك عملًا سفيهًا، وجهدًا ضائعًا، ودعوة تنبئ عن جبن أولئك العلماء، وعجزهم، وإشغالهم أنفسهم بما لا يغضب الحكام خوفًا منهم، وخضوعًا لهم!!
نعم؛ لهذا وجدت في العالم الإسلامي أجيال من المسلمين ثائرة على الأمة، متمردة على العلماء، ساخرة من جهودهم في العلم والدعوة، لا ترى الدين إلا في (الحاكمية) (١) -فبها فسر سيد قطب كلمة التوحيد! - فلا يقيسون الأمور إلا من خلالها، ولا يُقيِّمون الأشخاص إلا في ضوئها، ولا يحملون هدفًا في الحياة سوى الوصول إليها!
وهكذا انحسر الخطاب الديني في الأمة، وتاه كثير من الناس في المسالك المهلكة، وكان ذلك من أعظم المصائب التي نزلت بالمسلمين.
ورغم ذلك كله؛ فإنّ ما حققه علماء الأمة في العصر الحديث -بدءًا بدعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -﵀- وحتى يوم الناس هذا- في إحياء منهج الأنبياء، وإصلاح عقائد المسلمين وأعمالهم، والخروج بهم من ظلمات الممارسات الشركية، والعبادات البدعية، والضلالات
_________________
(١) انظر -لزامًا- (فتاوى العلماء) حول هذا المصطلح وجعله من (أنواع التوحيد) ! في جريدة «المسلمون»، العدد (٦٣٩)، الجمعة ٢٥/ذو الحجة/١٤١٧هـ.
[ ١٦١ ]
الأشعرية والصوفية، ليعودوا إلى منهج الكتاب والسنة، وسلف الأمة -علمًا وعملًا، ونظامًا متكاملًا وشاملًا لحياة الفرد والمجتمع- خير كبير، وفضل من الله عظيم، يبعث على الاستبشار والتفاؤل، ويزيد أهل التوحيد والسنة ثباتًا على منهج السلف، والتفافًا حول علمائه ودعاته، وتفانيًا في نشره ونصرته، حتى يأتي أمر الله -تعالى- وهم على ذلك (١) .
فصل