على الأمة)، والإعراض عن علمائها، بل الطعن فيهم، وإساءة الظن فيهم، وربما تكفيرهم؛ إنما هو تلك النصوص القطبية التي زرعت فيهم روح الثورة على الأمة، واحتقار أولي الأمر فيها؛ أعني: العلماء.
ويكفي أنْ أذكر هنا نماذج من تلك النصوص:
أولًا: في بث روح الثورة والتمرّد على الأمة الإسلامية -بالمفهوم الجمعي للأمة-:
قال سيد قطب في كتابه «معالم في الطريق»، مصرحًا بأنّ المجتمعات الإسلامية اليوم كلها مجتمعات جاهلية بلا استثناء:
«وأخيرًا؛ يدخل في إطار المجتمع الجاهلي تلك المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها مسلمة! وهذه المجتمعات لا تدخل في هذا الإطار؛ لأنها تعتقد بألوهية أحد غير الله، ولا أنها تقدم الشعائر التعبدية لغير الله -أيضًا-، ولكنها تدخل في هذا الإطار؛ لأنها لا تدين بالعبودية لله وحده في نظام حياتها إنّ موقف الإسلام من هذه المجتمعات الجاهلية -كلها- يتحدد في عبارة واحدة: إنه يرفض الاعتراف بإسلامية هذه المجتمعات كلها» .
وأكد ذلك بنفي وجود (الإسلام) علىوجه الأرض، فقال:
«وحين نستعرض وجه الأرض كله اليوم، على ضوء هذا التقرير الإلهي لمفهوم الدين والإسلام، لا نرى لهذا الدين وجودًا.. إنّ هذا الوجود قد توقف منذ أن تخلت آخر مجموعة من المسلمين عن إفراد الله بالحاكمية في حياة البشر، وذلك يوم أن تخلت عن الحكم بشريعته وحدها في كل شؤون الحياة، ويجب أن نقرر هذه الحقيقة الأليمة، وأن نجهر بها، وأن لا نخشى خيبة الأمل التي تحدثها في قلوب الكثيرين الذين يحبون أنْ يكونوا مسلمين؛ فهؤلاء من حقهم أنْ يستيقنوا؛ كيف يكونون مسلمين؟! إنّ أعداء هذا الدين بذلوا طوال قرون كثيرة -وما يزالون يبذلون- جهودًا ضخمة، ماكرة، خبيثة؛ ليستغلوا
[ ١٥٤ ]
إشفاق الكثيرين الذين يحبون أنْ يكونوا مسلمين؛ من وقع هذه الحقيقة المريرة، ومن مواجهتها في النور، وتحرجهم كذلك من إعلان: أنّ وجود هذا الدين قد توقف منذ أن تخلت آخر مجموعة مسلمة في الأرض عن تحكيم شريعة الله في أمرها كله » (١) .
ويؤكد سيد قطب على تكفير المسلمين، بمن فيهم أولئك الذين يرفعون أصواتهم بالأذان خمس مرات في اليوم، فيقول:
«لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية، وعادت البشرية إلى مثل الموقف الذي كانت فيه يوم تنزل هذا القرآن على رسول الله ﷺ، ويوم جاءها الإسلام مبنيًّا على قاعدته الكبرى: شهادة أن لا إله إلا الله.
لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية بـ (لا إله إلا الله)؛ فقد ارتدت البشرية إلى عبادة العباد، وإلى جور الأديان، ونكصت عن لا إله إلا الله، وإن ظل فريق منها يردد على المآذن: لا إله إلا الله؛ دون أن يدرك مدلولها، ودون أن يعنيَ هذا المدلولَ وهو يرددها، ودون أن يرفض شرعية الحاكمية التي يدعيها العباد لأنفسهم، وهي مرادف الألوهية، سواء ادعوها كأفراد، أو كتشكيلات تشريعية، أو كشعوب، فالأفراد كالتشكيلات كالشعوب ليست آلهة، فليس لها إذَنْ حقُّ الحاكمية إلا أن البشرية عادت إلى الجاهلية، وارتدت عن لا إله إلا الله، فأعطت لهؤلاء العباد خصائص الألوهية، ولم تعد توحد الله، وتخلص له الولاء.
البشرية بجملتها، بما فيها أولئك الذين يرددون على المآذن في مشارق الأرض ومغاربها كلمات: لا إله إلا الله؛ بلا مدلول ولا واقع وهؤلاء أثقل إثمًا وأشد عذابًا يوم القيامة؛ لأنهم ارتدوا إلى عبادة العباد -من بعد ما تبين لهم الهدى- ومن بعد أن كانوا في دين الله! فما أحوج العصبة المسلمة اليوم
_________________
(١) «العدالة الاجتماعية» (١٨٣-١٨٤) .
[ ١٥٥ ]
أن تقف طويلًا أمام هذه الآيات البينات» (١) .
ويدعو سيد قطب إلى مفاصلة المجتمع الإسلامي؛ لأنه -في اعتقاده- مجتمع جاهلي لا يمت للإسلام بصلة، فيقول: «إنه لا نجاة للعصبة المسلمة في كل أرض من أن يقع عليها هذا العذاب: ﴿أو يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعض﴾ [الأنعام: ٦٥]، إلا بأن تنفصل هذه العصبة عقيديًّا وشعوريًّا ومنهج حياة عن أهل الجاهلية من قومها، حتى يأذن الله لها بقيام (دار إسلام) تعتصم بها، وإلا تشعر شعورًا كاملًا بأنها هي الأمة المسلمة، وأن ما حولها ومن حولها ممن لم يدخلوا فيما دخلت فيه: جاهلية وأهل جاهلية، وأن تفاصل قومها على العقيدة والمنهج، وأن تطلب بعد ذلك من الله أن يفتح بينها وبين قومها بالحق وهو خير الفاتحين» (٢) .
ويقول -أيضًا-: «إنه ليس على وجه الأرض اليوم دولة مسلمة ولا مجتمع مسلم؛ قاعدة التعامل فيه هي شريعة الله، والفقه الإسلامي» (٣) .
ويقول -أيضًا-: «فأما اليوم؛ فماذا؟! أين هو المجتمع المسلم الذي قرر أن تكون دينونته لله وحده، والذي رفض بالفعل الدينونة لأحد من العبيد، والذي قرر أن تكون شريعة الله شريعته، والذي رفض بالفعل شريعة أي
_________________
(١) «في ظلال القرآن» (٢/١٠٥٧) . وفي هذا الكلام تكفير واضح للأمة الإسلامية كلها، وحكم عليها بالردة، وأنهم أشد الكفار عذابًا؛ لأنهم ارتدوا بعد ما تبيّن لهم الهدى.
(٢) «في ظلال القرآن» (٢/١١٢٥) .
(٣) «في ظلال القرآن» (٤/٢١٢٢) . وقد كتب هذا الكلام وهو يعلم جيدًا بأن الدولة أسسها الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود -﵀- قد قامت على عقيدة التوحيد، وتطبيق الشريعة، لكن لا عجب أن يذهب سيد قطب إلى تكفيرها -أيضًا-؛ لأنها رفضت المنهج الاشتراكي الذي اعتنقه سيد قطب، وذهب بسببه إلى الطعن في أمير المؤمنين، وثالث الخلفاء الراشدين، ذي النُّورين: عثمان بن عفان -﵁-، واعتبر خلافته باطلة وفجوة في تاريخ الإسلام؛ كما في كتابه «العدالة الاجتماعية في الإسلام» !
[ ١٥٦ ]