والأمر الآخر: تعليقات وإيضاحات لمن خرّجَ الحديث، تُعِينُ على توضيح المراد منه، واستنباط فوائده:
١- قال أبو عبيد في «الأموال» (ص ٩١ رقم ١٨٢) عقِبَ إخراجِهِ الحديثَ:
«معناه -والله أعلم-: أنّ هذا كائنٌ، وأنه سيُمنع بعدُ في آخر الزمان.
قال أبو عبيد: فاسمع قول رسول الله ﷺ في الدرهم والقفيز، كما فعل عمر بالسواد، وهذا هو التّثبُّت. وفي تأويل فعل عمر -أيضًا- حين وضع الخراج ووظفه على أهله؛ مع العلم أنه جعله شاملًا عامًّا على كل من لزمته المساحة وصارت الأرض في يده، من رجل أو امرأة، أو صبي أو مكاتب أو عبد، فصاروا متساوين فيها، ألا تراه لم يستثن أحدًا دون أحد!» .
وقال قبله لمّا أسند عن عمر: «وضع على كل جريب من الأرض درهمًا
_________________
(١) ستأتي عنهم نقولاتٌ كثيرة في مباحثِ الكتاب، وفي آخره، مما له تعلقٌ بفوائد الحديث.
[ ٢٢٤ ]
وقفيزًا من طعام لا يشق ذلك عليهم ولا يُجْهِدُهم»، قال (ص ٩٠-٩١):
«فلم يأتنا في هذا حديثٌ عن عمرَ أصحُّ من حديث عَمْرِو بن ميمون (١)، ولم يذكر فيه مما وضع على الأرض أكثَرَ من الدرهم والقفيز، ومع هذا فقد رُويَ عن النبي ﷺ حديث فيه تقوية له، وحجة لعمر فيما فرض عليهم من الدرهم والقفيز» .
٢- ونقل ابن زنجويه في كتابه «الأموال» (١/٢١٧، ٢١٨) كلام شيخه أبي عبيد برمّته (٢) .
٣- ومع هذا؛ فقد نقل عنه البيهقي في «الدلائل» (٦/٣٢٩-٣٣٠) شيئًا زائدًا، قال:
«وقال أبو عبيد الهروي -﵀- في هذا الحديث: قد أخبر النبي ﷺ بما لم يكن، وهو في علم الله -﷿- كائن. فخرج لفظه على لفظ الماضي؛ لأنه ماضٍ في علم الله -﷿-. وفي إعلامه بهذا قبل وقوعه ما دل على إثبات نبوته، ودل على رضاه من عمر -﵁- ما وظّفه على الكفرة من الجِزى في الأمصار (٣) .
_________________
(١) انظر ما ورد عنه في هذا الباب: «الخراج» (٤٣) لأبي يوسف، و(٤٥-٤٨) ليحيى بن آدم، «الموطأ» (١/٢٨١)، «مصنف عبد الرزاق» (٦/١٠، ٤٥ و١٠/٣٣، ٣٣٧)، «الرد على سير الأوزاعي» (٩٢)، «الأموال» (١/٢١٦-٢١٧) لابن زنجويه، «السنن الكبرى» (٩/١٣٤، ١٣٦، ١٤٠)، «مسند الفاروق» (٢/٤٩٨-٥١٠) لابن كثير، «الأحكام السلطانية» (ص ١٦٦) لأبي يعلى الفراء، و«الخراج وصناعة الكتابة» (ص ٢٢٥، ٣٦٢-٣٦٣)، وقد خرجناه بتفصيل في تعليقنا على «الإنجاد في أحكام الجهاد» لابن المناصف، يسر الله نشره بمنّه وكرمه.
(٢) ونقل ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢/٢١٢) ما قاله عقبه فقط.
(٣) ذهب إلى نحوه أبو يعلى الفراء في «الأحكام السلطانية» (ص ١٦٦)، فإنه لما ذكر المقدار الذي أخذه عمر من أهل الجزية، قال: «ويشهد لهذا » وأورد حديث أبي هريرة الذي معنا. =
[ ٢٢٥ ]
وفي تفسير المنع وجهان:
أحدهما: أن النبي ﷺ علم أنهم سيسلمون وسيسقط عنهم ما وُظِّف عليهم [بإسلامهم، فصاروا مانعين بإسلامهم ما وظِّف عليهم] (١) . والدليل على ذلك قوله في الحديث: «وَعُدْتم مِن حيث بَدَأتم»؛ لأنه بدأهم في علم الله وفيما قدّر، وفيما قَضَى، أنهم سيسلمون، فعادوا من حيث بدؤوا.
وقيل في قوله: «منعت العراق درهمها»: إنهم يرجعون عن الطاعة، وهذا وجه، والأول أحسن» .
قال أبو عبيدة: وما قال عنه: «أحسن»؛ ليس براجح، بل هو مرجوح، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى-.
فصل