قال أبو عبيدة: لا بد من التنبيه هنا على ثلاثة أمور:
الأول: ليس المراد بـ (القفيز) هنا مقدار الكيل المذكور؛ إذ هو قليل لا يلتفت إليه بالنسبة إلى خيرات العراق؛ وإنما المراد به: (الجمع) . قال القرطبي في «تفسيره» (١٦/٣٥): «الواحدُ قد يُرادُ به الجمع عند الإضافة»، قال: «كما جاء في الحديث: «منَعت العراق درهمها وقفيزها»» . وهكذا يقال عن «درهمها» .
الثاني: أثبتتِ الدراساتُ التي تُعنى بهذا النوع أنه بحجمين؛ فإما أن يكون ثمانية مكاكيك = ١٢ صاعًا، أو ستة عشر مكوكًا = ٢٤ صاعًا، وهو ما يعادل (٦٤) رطلًا، أو (١٢٨) رطلًا (١) .
_________________
(١) انظر: «شذور العقود في ذكر النقود» للمقريزي (ص ١٧٠ - كلام المحقق د. محمد عبد الستار عثمان)، وفصل الدكتور سامح عبد الرحمن فهمي في كتابه «المكاييل في صدر الإسلام» (ص ٣٨) في ذلك، فذكر أن الحجمين المذكورين عُرِفَا في القرن الرابع الهجري في العراق، قال: «أما القفيز الصغير فكانوا يتعاملون به في البصرة وواسط»، وقال عن (الكبير) -وهو المعنيّ هنا-: «يستعمل في بغداد والكوفة» . وانظر: «فقه الملوك» (١/٢٦٨) و«المكاييل والأوزان الإسلامية وما يعادلها في النظام المتري» (ص ٦٦) لفالتر هنتس، ترجمه عن الألمانية د. كامل العسلي، منشورات الجامعة الأردنية.
[ ١٩٨ ]
وقد حقق بعضهم (١) في دراسة تاريخية مهمة، انتهى فيها إلى الترجيح بأنّ القفيزَ الذي وضعه عمر (٢) على السواد مع الدرهم عند فتحه هو القفيز الأصلي، الذي كان موضوعًا في عهد كسرى.
قلت: ولا يبعد أن يكون (القفيز) هذا معمولًا به في زمنه ﷺ مع أهل الكتاب.
قال ابن حزم في «الإحكام» (٢/٢٢٥ فقرة رقم ٨٦٠ - بتحقيقي): «صح أن النبي ﷺ أمر بأخذ دينارٍ من كل محتلِمٍ منهم ومحتلِمَة» .
قال يحيى بن آدم في كتابه «الخراج» (ص ٦٧-٦٨) بعد أن أورد حديثنا هذا:
«يريد الحديث: أن رسول الله ﷺ ذكر القفيز والدرهم قبل أن يضعه عمر على الأرض» .
ثم أسند حديث مسروق عن معاذ، وفيه ما يدل على صحة قوله -وهو المعني بكلام ابن حزم السابق-.
قال أبو عبيدة:
حديث معاذ هذا قد اختُلِفَ في إسناده؛ وروايةُ الجماعةِ عن الأعمش عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ، قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فأمرني أن آخذ من البقر من كلِّ أربعين مُسِنّةً، ومن كل ثلاثين تبيعًا أو تبيعةً، ومن كل حالمٍ دينارًا أو عِدْلَه من المَعَافِر (٣) .
_________________
(١) هو الدكتور محمد ضياءالدين الريس في كتابه «الخراج والنظم المالية للدولة الإسلامية» (ص ٣٣٤-٣٣٦) .
(٢) صح عنه أنه وضع عند فتح العراق على كل جريب (والمراد به هنا مقياس للأرض) درهمًا وقفيزًا. وانظر: «الاستخراج لأحكام الخراج» (ص ٢٩٤ - تحقيق محمد الناصر) لابن رجب.
(٣) برود منسوبة إلى (معافر)؛ قبيلة باليمن.
[ ١٩٩ ]
أخرجه من هذا الطريق: عبد الرزاق (٦٨٤١)، وأحمد في «مسنده» (١/٣٨٢)، والطيالسي (٥٦٧)، والدارمي (١/٣٨٢)، وأبو داود (١٥٧٨) في الزكاة (باب في زكاة السائمة)، والترمذي (٦٢٢) في الزكاة (باب ما جاء في زكاة البقر)، والنسائي في «المجتبى» (٥/٢٥-٢٦) و(٢٦) في الزكاة (باب زكاة البقر) وفي «الكبرى» (رقم ٢٢٣٠)، ويحيى بن آدم في «الخراج» (رقم ٢٢٨، ٣٦٤)، وابن الجارود (٣٤٣)، وابن حبان (٤٨٨٦)، والدارقطني (٢/١٠٢)، والحاكم (١/٣٩٨)، والبيهقي (٤/٩٨ و٩/١٩٣) .
قال الترمذي: «هذا حديث حسن، وروى بعضهم هذا الحديث عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق: أن النبي ﷺ بعث معاذًا إلى اليمن، فأمره أن يأخذ. وهذا أصح» .
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
وصححه ابن عبد البر في «التمهيد» (٢/٢٧٥)، وقال: «روي هذا الخبر عن معاذ بإسناد متصل صحيح ثابت» .
وقال ابن القطان -كما في «نصب الراية» (٢/٣٤٧) -: «ولا أقول أن مسروقًا سمع من معاذ، إنما أقول: إنه يجب على أصولهم أن يحكم بحديثه عن معاذ -﵁- بحكم حديث المتعاصرين اللذين لم يعلم انتفاء اللقاء بينهما، فإن الحكم فيه أن يحكم له بالاتصال عند الجمهور، وشرط البخاري وابن المديني: أن يُعلَمَ اجتماعُهما ولو مرة واحدة، فهما إذا لم يعلما لقاء أحدهما للآخر، لا يقولان في حديث أحدهما عن الآخر: منقطع، إنما يقولان: لم يثبت سماعُ فلان من فلان، فإذن ليس في حديث المتعاصرين إلا رأيان؛ أحدهما: أنه محمول على الاتصال. والآخر: أن يقال: لم يعلم اتصال ما بينهما. فأما الثالث: وهو منقطع؛ فلا.
أقول: معاذ -﵁- توفي بالشام سنة ١٨هـ.
[ ٢٠٠ ]
ومسروق مات سنة ٦٣هـ، وله ثلاث وستون سنة، وأصله من اليمن، وفد على عمر في رواية في سندها مجالد بن سعيد، وهو ضعيف، وعاش بالكوفة، ومعاذ أرسله النبي ﷺ إلى اليمن، ومسروق كان صغيرًا، وجاء في خلافة أبي بكر -كما في «الإصابة» -، وقد لحق بالشام في خلافة عمر بن الخطاب، ومات بالطاعون هناك، فإدراك مسروق له ولقاؤه به، وروايته عنه شبه مستحيلة؛ لأنه كان عمره حين وفاة معاذ (١٨) سنة، وقد عرفت حال كل منهما -فإثبات السماع بمجرد المعاصرة -كما فعل ابن القطان، وابن حزم في «الإحكام» (رقم ٨٨٧ - بتحقيقي) - لا يكفي هنا، والله أعلم.
وقد رأيت -أيضًا- من قبل أن الترمذي قد رجّح الرواية المرسلة، ونقل الحافظ في «التلخيص» (٢/١٥٢) عن الدارقطني في «علله» أنه رجح الرواية المرسلة كذلك، لكن عبارة الدارقطني في «العلل» (٦/٦٩): «والمحفوظ عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ، وعن إبراهيم مرسلًا» .
وعلى كل حال؛ سواء رجحنا الإرسال أو الوصل، فمسروق لم يسمع من معاذ كما ترجح لدينا، وبه قال ابن القيم في «الزاد»، وابن التركماني في «الجوهر النقي» (٢/٢١٠)، والله أعلم.
قال أبو عبيدة: ثبت هذا الحديث أو لم يثبت؛ فقد صح ذلك عن عمر، بل كان القفيز معروفًا قبل الإسلام، وهو من أصل آراميّ (١)، وقد شاع استخدامه في عصر الجاهلية عند العرب، حتى نجدَ زهيرَ بن أبي سلمى يقول (٢):
_________________
(١) انظر: «النقود العربية وعلم النميات» (٥٢) للكرملي.
(٢) في «ديوانه» (ص ٢٦) ضمن قصيدة طويلة يمدح فيها هرم بن ضمضم المري، وهي في أول «ديوانه» في ستين بيتًا، وبيتنا هذا هو الثالث والثلاثون، ومعناه: أي فتغل لكم غلة ليست كغلة قرى العراق من الحب الذي يكال بالقفيز، أو من ثمن الغلة، وهي الدراهم، وإنما تغل لكم غلة من الموت والهلاك.
[ ٢٠١ ]