وبناءً عليه؛ فإنّ المتأخرين من العلماء حكوا إجماع أهل السنة على
_________________
(١) = (٢/١٢٩ رقم ٢٨٠) من طرق مدارها على مجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن مسروق، عن ابن مسعود، به. وإسناده ضعيف؛ لضعف مجالد واختلاطه، قال الهيثمي في «المجمع» (١/١٨٠): «وفيه مجالد بن سعيد وقد اختلط» . ومع هذا؛ فقد جوّده ابن حجر في «فتح الباري» (١٣/٢٠) . نعم؛ هو جيد من طرق أخرى، أخرجه يعقوب بن شيبة، وهي التي نقلناها عنه.
(٢) «فتح الباري» (١٣٣/٢١) مع حذف بعض العبارات وزيادة اليسير عليها.
[ ١٤٤ ]
حرمة الخروج على الأمراء، وعدوا ذلك من عقائد أهل السنة.
قال النووي في «شرح صحيح مسلم» (١٢/٣١٧): «وأما الخروج عليهم، وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل، وحكي عن المعتزلة -أيضًا- فغلط من قائله، مخالف للإجماع» .
وقال: «قال العلماء: وسبب عدم انعزاله، وتحريم الخروج عليه: ما يترتب على ذلك من الفتن، وإراقة الدماء، وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه» .
ونقل في (١٢/٣١٨) عن القاضي عياض في «إكمال المعلم» (٦/٢٤٧) أنّ أبا بكر بن مجاهد ادعى الإجماع في هذا، قال:
«وقد رد عليه بعضهم، بقيام الحسن وابن الزبير وأهل المدينة على بني أمية، وبقيام جماعة عظيمة من التابعين، والصدر الأول على الحجاج مع ابن الأشعث» .
ثم ذكر أجوبة على هذا؛ من بينها:
«إن هذا الخلاف كان أولًا، ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم، والله أعلم» .
وسبق ذكر شذرات من كلام العلماء الأكابر وفتاواهم في الفتن التي ظهرت في هذا الزمان، وبيان أن ذلك دخيل على منهج السلف الكرام، وتعرف الأمور بثمرتها، ويستحيل أن يَقِرّ الشرعُ وحملتُه وحراسُه نحو الفتن التي ظهرت في عدة من بلاد المسلمين، ولا سيما أن «الفتنة إذا وقعت عجز العقلاء فيها عن دفع السفهاء، فصار الأكابر عاجزين عن إطفاء الفتنة، وكفّ أهلها، وهذا شأن الفتن؛ كما قال -تعالى-: ﴿وَاتّقوا فِتنَةً لا تُصِيبَنَّ الّذين
[ ١٤٥ ]
ظَلَمُوا مِنكم خَاصّة﴾ [الأنفال: ٢٥]، وإذا وقعت الفتنة لم يسلم من التلوث بها إلا من عصمه الله» (١) .
فهؤلاء المعترضون على ما ذكرناه وقررناه، بثورات السابقين، غافلون عن توجيهات العلماء وتقريراتهم، وعن المعرفة الشرعية الحقيقية للفتن، وسنن الله -عزوجل- في الأمم، وقوانينه في التغيير، وجعلوا من جهلهم مجرد وقوع ما لم يحمد عُقباه، ولم يمدحه الشرع وما ارتضاه، دعوى عظيمة موجبة للولوغ (٢) فيما هو سبب للتضييق على الصادقين من الدعاة، السالكين منهج العلماء، ولا يعلمون أنّ غاية ما استدلوا به إنما هو من الخطإ المغفور، لا من السعي المشكور، وكل من لم يسلك سبيل العلم والعدل أصابه مثل هذا التناقض!
فصل