ثم غلبَ الأتراكُ على المَلِك، فقتلوا ابنه المتوكل، ثم أولاده واحدًا بعد واحد، إلى أن خالط المملكةَ الدَّيلمُ، ثم كان الملوك السامانية من الترك -أيضًا- فملكوا بلاد العجم.
ثم غلب على تلك الممالك آل سُبُكْتكين، ثم آل سلجوق، وامتدت مملكتهم إلى العراق والشام والروم، ثم كان بقايا أتباعهم بالشام؛ وهم آل زنكي أتباع هؤلاء وهم بيت أيوب، واستكثر هؤلاء -أيضًا- من الترك، فغلبوهم على المملكة بالديار المصرية والشامية والحجازية.
وخرج على آل سلجوق في المئة الخامسة الغُزُّ، فخربوا البلاد وفتكوا في العباد.
ثم جاءت الطامة الكبرى بالتتر، فكان خروج جنكيز خان بعد الست مئة، فأُسعِرَتْ بهم الدنيا نارًا، خصوصًا المشرق بأسره، حتى لم يبقَ بلدٌ منه حتى دخله شرُّهم، ثم كان خراب بغداد، وقتل الخليفة المستعصم آخر خلفائهم على أيديهم في سنة ست وخمسين وست مئة، ثم لم تزل بقاياهم يخربون إلى أن كان آخرهم (اللَّنْك)، ومعناه: الأعرج، واسمه: تَمُر -بفتح المثناة وضم الميم وربما أشبعت-، فطَرَقَ الديارَ الشامية، وعاث فيها، وحرّق دمشقَ، حتى صارت خاويةً على عروشها، ودخل الروم والهند وما بين ذلك، وطالت مدته إلى أن أخذه الله، وتفرق بنوه [في] البلاد، وظهر بجميع ما أوردته مصداق قوله ﷺ: «أن بني قنطورا أول من سلب أمتي ملكهم» (١)
_________________
(١) أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٠/٢٢٣-٢٢٤ رقم ١٠٣٨٩)، و«الأوسط» (٦/٧ رقم ٥٦٣٤)، والخلال في «أصحاب ابن منده» (ق١٥٢/ب)، عن ابن مسعود رفعه: «اتركوا الترك ما تركتم، فإن أول من يسلب أمتي ما خوّلهم الله بنو قنطوراء» . قال الهيثمي في «المجمع» (٧/٣١٢): «فيه عثمان بن يحيى القرقساني، لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح» . قلت: القرقساني معروف، لا بأس به، مترجم في «ثقات ابن حبان» (٩/٤٥٥)، ولكن فيه مروان بن سالم الغفاري، وهو متروك متهم. وذكر الهيثمي في «المجمع» (٥/٣٠٤) في (كتاب الجهاد) هذا =
[ ٢٨٥ ]
(والمراد ببني قنطورا: الترك)» (١) .
قال أبو عبيدة: (بنو قنطوراء) هم الترك، نسبة إلى (قنطوراء)؛ كانت جارية لإبراهيم، فولدت له أولادًا، والترك من نسلها. قاله الأزهري (٢) .
والمتمعن في ألفاظ حديث (بني قنطورا) يجد أن بعض الآثار السابقة تخصهم؛ مثل:
ما أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (١١/٣٨١ رقم ٢٠٧٩٩) -ومن
_________________
(١) = الحديث، وقال: «فيه مروان بن سالم، وهو متروك» . وأخرجه أبو جعفر الطوسي الشيعي في «أماليه» (ص ٤)، وجعله عن حذيفة مرفوعًا، وفيه مروان بن سالم. وانظر: «السلسلة الضعيفة» (١٧٤٧)، و«مجمع البحرين» (٧/٢١٨، ٢٦٥ - مكتبة الرشد) .
(٢) «فتح الباري» (٦/٦٠٩)، وعنه القسطلاني في «إرشاد الساري» (٦/٤٩)، وأحمد ضياءالدين كموشخانة في «لوامع العقول شرح راموز الحديث» (٥/٥٨-٥٩)، ومثله بالحرف في «القناعة» (١٢٢-١٢٤) للسخاوي. وقال صاحب «مختارات من أحاديث الفتن» (ص ٢٨-٢٩): «لقد ظهر مصداق هذه الأحاديث حينما ظهر التتار على المسلمين، وألحقوا العرب بمنابت الشيح والقيصوم من جزيرة العرب، فقد بدأ الصراع مع الترك في خلافة بني أمية حيث اتسعت البلاد الإسلامية، » وذكر نحو كلام ابن حجر، وزاد عليه: «ثم استمر الحكم في يد المماليك حتى خرج بقية الترك، وكونوا الخلافة العثمانية، وهي التي في النهاية غزت نجد ودخلت وسط الجزيرة العربية عندما أسقطوا حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من خلال حاكمهم الألباني في مصر محمد علي وأبنائه، فتحقق ما جاء من ربط خيلهم بسعف نخل نجد» .
(٣) في «تهذيب اللغة» (٩/٤٠٦)، ومثله في «المعرب» (ص ٥٠٣)، و«الدلائل» للسرقسطي (٢/٩٣٦)، وزاد: «ولدت أولادًا كثيرًا؛ من نسلهم الترك والصين»، و«اللسان» (٥/ ١١٩)، و«النهاية» (٤/١١٣)، و«تهذيب السنن» (٦/١٦٨)، و«فتح الباري» (٦/٦٠٩)، وفي «العهد القديم» (سفر التكوين) (٢٥/١): «عاد إبراهيم، وأخذ زوجة اسمها قطورة» .
[ ٢٨٦ ]
طريقه الحاكم في «المستدرك» (٤/٤٧٥) - ونعيم بن حماد في «الفتن» (٢/٦٨٣ رقم ١٩٢٩) عن معمر.
وأخرجه نعيم بن حماد في «الفتن» (٢/٦٧٩ رقم ١٩١٢): حدثنا ابن عليّة؛ كلاهما قال: عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، قال: قال [لي] (١) عبد الله بن عمرو بن العاص: أوشك بنو قنطوراء أن يخرجوكم من أرض العراق، قال: قلت: ثم نعود؟ (٢) قال: وذاك (٣) أحب إليك؟ ثم تعودون (٤)، ويكون لكم (٥) بها سلوة من عيش» .
قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وبنو قنطوراء: هم الترك» .
وأخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٨/٦٣٦-٦٣٧ رقم ٢٨١)، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا هشام، عن محمد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، قال: قدمتُ الشام، قال: فقلتُ: لو دخلت على عبد الله بن عمرو فسلّمتُ عليه، فأتيتُه، فسلمت عليه، فقال لي: من أنت؟ فقلت: أنا عبد الرحمن ابن أبي بكرة، قال:
«يوشك أن يخرجوكم من أرض العراق. قلت: ثم نعود؟ قال: أنت تشتهي ذلك؟ قلت: نعم، قال: نعم، وتكون لكم سلوة من عيش» .
وأخرجه الحاكم في «المستدرك» (٢/٤٧٥) من طريق معاذ بن هشام: حدثني أبي عن قتادة، عن ابن سيرين، به، وفيه قول ابن عمرو:
_________________
(١) مثبتة من «الفتن» لنعيم فقط.
(٢) في مطبوع «المستدرك»: «يعودون» .
(٣) في «المصنف»: «وذلك»، وفي «الفتن»: «ذاك» .
(٤) في مطبوع «المستدرك»: «يعودون» .
(٥) في مطبوع «المستدرك»: «لهم» وفي «الفتن» .
[ ٢٨٧ ]
«يوشك بنو قنطوراء بن كركر أن يخرجوا أهل العراق من أرضهم (١) » مثله.
وهذه أسانيد صحيحة، لها حكم الرفع.
وتكرر سؤال أهل العراق عبدَالله بن عمرو عن خروجهم من العراق، ولم يقتصر السؤال على عبد الرحمن بن أبي بكرة -وهو بصري (٢) -، وإنما سأله عن هذا -أيضًا- جماعة من أهل البصرة (٣) -أيضًا-؛ منهم: سليمان بن ربيعة -ووصف في بعض الروايات (٤): بأنه «من نساك أهل البصرة» -، وصاحبه المنتصر بن الحارث الضّبّي في (جماعة من القُرّاء) (٥)، أخرج قصتهم بطولها الحاكم في «المستدرك» (٤/٥٣٣-٥٣٥)، قال:
أخبرنا أحمد بن عثمان المقرئ وبكر بن محمد المروزي، (قالا): ثنا أبو قلابة.
وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣١/٢٨١-٢٨٤) من طريق الحسن بن أبي الربيع الجرجاني؛ كلاهما قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، ثنا أبي، ثنا حسين بن ذكوان المعلم، ثنا عبيد (٦) الله بن بريدة الأسلمي: أن سليمان بن
_________________
(١) اقتصر على هذا المقدار من اللفظ ابن حجر في «إتحاف المهرة» (٩/٥٧٤ رقم ١١١٩٦٨) .
(٢) ذكره مسلم في كتابه «الطبقات» (١/٣٣٩ رقم ١٧٢٦ - بتحقيقي) في (الطبقة الثانية من التابعين من أهل البصرة) .
(٣) منهم: غالب بن عجرد، عند ابن أبي شيبة في «المصنف» (٨/٦٤٠)، وسيأتي لفظه قريبًا.
(٤) عند نعيم بن حماد في «الفتن» (٢/٦٧٧ رقم ١٩٠٦) .
(٥) أي: النسّاك العباد، وتذكر أن السائب بن مالك الكوفي سأله عن ذلك -أيضًا-.
(٦) كذا بالتصغير في مطبوع «المستدرك»، وفي «إتحاف المهرة» (٩/٤٧٠ رقم ١١٦٩٤): «عبد» بالتكبير، وهو الصواب.
[ ٢٨٨ ]
ربيعة العنزي حدثه أنه حج مرة في إمرة معاوية، ومعه المنتصر بن الحارث الضبي، في عصابة من قراء أهل البصرة، قال: فلما قضوا أنسكهم قالوا: والله لا نرجع إلى البصرة حتى نلقى رجلًا من أصحاب محمد ﷺ مرضيًّا يحدثنا بحديث يستظرف، نحدِّثُ به أصحابنا إذا رجعنا إليهم، قال: فلم نزل نسأل حتى حُدِّثنا أن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- نازلٌ بأسفلِ مكةَ، فعمدنا إليه، فإذا نحنُ بثَقَل عظيم يرتحلون ثلاث مئة راحلة، منها مئة راحلة ومئتا زاملة، فقلنا لمن هذا الثَّقَل؟ قالوا: لعبد الله بن عمرو، فقلنا: أكل هذا له، وكنا نُحدَّث أنه من أشد الناس تواضعًا، قال: فقالوا: ممن أنتم؟ فقلنا: من أهل العراق، قال: فقالوا: العيبُ منكم حق يا أهل العراق، أما هذه المئة راحلة فلإخوانه، يحملهم عليها، وأما المئتا زاملة فلمن نزل عليه من الناس، قال: فقلنا: دُلُّونا عليه، فقالوا: إنه في المسجد الحرام، قال: فانطلقنا نطلبه حتى وجدناه في دير الكعبة جالسًا، فإذا هو قصير أرمص أصلع، بين بردين وعمامة، ليس عليه قميص، قد علق نعليه في شماله، فقلنا: يا عبد الله! إنك رجل من أصحاب محمد ﷺ، فحدثنا حديثًا ينفعنا الله -تعالى- به بعد اليوم. قال: فقال لنا: ومن أنتم؟ قال: فقلنا له لا تسأل من نحن، حدثنا غَفَر الله لك. قال: فقال: ما أنا بمحدثكم شيئًا حتى تخبروني من أنتم. قلنا: وددنا أنك لم تَنْقُدْنا وأعفيتنا وحدثتنا بعض الذي نسألك عنه. قال: فقال: والله لا أحدثكم حتى تخبروني من أي الأمصار أنتم.
قال: فلما رأيناه حلف ولَجّ، قلنا: فإنا أناسٌ من العراق. قال: فقال: أفٍّ لكم كلِّكُم يا أهل العراق، إنكم تكْذِبون وتكَذِّبون وتسخرون. قال: فلما بلغ إلى السِّخْرِيّ؛ وجدنا من ذلك وجدًا شديدًا. قال: فقلنا: معاذ الله أن نسخر من مثلك، أما قولك الكذب؛ فوالله لقد فشا في الناس الكذبُ وفينا، وأما التكذيب؛ فوالله إنا لنسمعُ الحديثَ لم نسمعْ به من أحدٍ نثق به، فإذًا نكادُ نكذِّبُ به، وأما قولك السّخريّ؛ فإنّ أحدًا لا يسخر بمثلك من المسلمين، فوالله إنك اليوم لسيد المسلمين فيما نعلم نحن أنك من المهاجرين الأولين، ولقد بلغَنا أنك قرأْتَ القرآن على محمد
[ ٢٨٩ ]
ﷺ، وأنه لم يكن في الأرض قُرَشيّ أبرّ بوالديه منك، وأنكَ كنتَ أحسنَ الناس عينًا، فأفسد عينيك البكاءُ، ثم لقد قرأت الكتب كلَّها بعد رسول الله ﷺ، فما أحدٌ أفضلَ منك علمًا في أنفسنا، وما نعلم بقي من العرب رجلٌ كان يرغَبُ عن فقهاء أهلِ مصرِه حتى يدْخُلَ إلى مصرٍ آخرَ، يبتغي العلم عند رجل من العرب غيرك، فحدثْنا غفر اللهُ لك. فقال: ما أنا بمحدثكم حتى تعطوني موثقًا ألاّ تُكذّبوني ولا تكذِبُون عليّ، ولا تسخرون. قال: فقلنا: خذ علينا ما شئت من مواثيق. فقال: عليكم عهدُ الله ومواثيقُه أن لا تُكذِّبوني ولا تكذبون عليّ ولا تسخرون لما أحدثكم. قال: فقلنا له: علينا ذاك، قال: فقال: إن الله -تعالى- عليكم كفيل ووكيل؟ فقلنا: نعم. فقال: اللهم اشهد عليهم. ثم قال عند ذاك: أمّا وربّ هذا المسجد والبلد الحرام واليوم الحرام والشهر الحرام، ولقد استَسْمَنْتُ اليمين؛ أليس هكذا؟ قلنا: نعم، قد اجتهدت. قال: ليوشكن بنو قنطوراء بن كِركِرى خَنْسَ الأنوف، صغار الأعين، كأن وجوههم المجانّ المطرقة، في كتاب الله المنزل أن يسوقونكم من خراسان (١)
وسجستان (٢) سياقًا عنيفًا، قوم يوفون اللمم، وينتعلون الشعر، ويحتجزون السيوف على أوساطهم حتى ينزلوا الأُبُلَّة (٣) . ثم قال: وكم الأبلة من البصرة؟ قلنا: أربعة فراسخ. قال: ثم يعقدون بكل نخلة من نخل دجلة رأس فرس، ثم يرسلون إلى أهل البصرة أنِ اخرُجوا منها قبل أن ننزل عليكم، فيخرج أهل البصرة من البصرة، فيلحق لاحق ببيت المقدس، ويلحق آخرون بالمدينة، ويلحق آخرون بمكة، ويلحق آخرون بالأعراب، قال: فينزلون بالبصرة سنة، ثم يرسلون إلى
_________________
(١) بلد معروف من بلاد فارس، انظر: «معجم ما استعجم» (١/٤٨٩-٤٩٠) ..
(٢) ضاحية كبيرة، وولاية واسعة، بينها وبين هراة عشرة أيام، ثمانون فرسخًا، وهي جنوبي هراة، انظر: «معجم البلدان» (٣/١٩٠-١٩٢) .
(٣) في الأصل: «الأيلة»، بالياء آخر الحروف، وهو خطأ، والصواب بالباء الموحدة، وهي بلدة على شاطئ دجلة البصرة العظمى في زاوية الخليج الذي يدخل به إلى مدينة البصرة، وهي أقدم من البصرة، انظر: «معجم البلدان» (١/٧٧) .
[ ٢٩٠ ]
أهل الكوفة أنِ اخرُجوا منها قبل أن ننزل عليكم، فيخرج أهل الكوفة منها، فيلحق لاحق ببيت المقدس، ولاحق بالمدينة، وآخرون بمكة، وآخرون بالأعراب، فلا يبقى أحد من المصلين إلا قتيلًا أو أسيرًا يحكمون في دمه ما شاؤوا. قال: فانصرفنا عنه وقد ساءنا الذي حدثنا، فمشينا من عنده غير بعيد، ثم انصرف المنتصر بن الحارث الضبي، فقال: يا عبد الله بن عمرو! وقد حدثتنا فطعنتنا، فإنا لا ندري من يدركه منا، فحدثنا هل بين يدي ذلك علامة؟ فقال عبد الله بن عمرو: ولا تعدم عقلك؟ نعم، بين يدي ذلك أمارة. قال: المنتصر بن الحارث: وما الأمارة؟ قال: الأمارة العلامة. قال: وما تلك العلامة؟ قال: هي إمارة الصبيان، فإذا رأيت إمارة الصبيان قد طبقت الأرض؛ اعلم أن الذي أحدثك قد جاء. قال: فانصرف عنه المنتصر، فمشى قريبًا من غلوة، ثم رجع إليه. قال: فقلنا له: علام تؤذي هذا الشيخ من أصحاب رسول الله ﷺ؟ فقال: والله لا أنتهي حتى يبين لي، فلما رجع إليه؛ بينه.
لفظ الحاكم.
قال الحاكم فيه: «هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم، ولم يخرجاه» .
قلت: وأخرجه مختصرًا دون القصة الطويلة (١) التي في أوله: نعيم بن حماد في «الفتن» (٢/٦٧٧ رقم ١٩٠٦) من طريق نافع وسعيد بن أبي عروبة، والحاكم في «المستدرك» (٤/٥٠٢) من طريق معاذ بن هشام، وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٤/٢٦٧) -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣١/٢٨٠) - وابن جرير في «تهذيب الآثار» (٢/٨١٦ رقم ١١٤٤) وصححه (٢)،
_________________
(١) أو بها اختصار شديد، كما عند الحاكم، ووقع اسم الصحابي في مطبوع «الفتن»: «ابن عُمر» بضم العين! وصوابه: «ابن عَمرو» بفتحها، وكذا في نسخة خطية منه، وأول القصة -دون الشاهد- عند أبي نعيم في «الحلية» (١/٢٩٠-٢٩١)، ومن طريقه ابن عساكر (٣١/٢٨٠-٢٨١) .
(٢) وكذا قال السيوطي في «الجامع الكبير» (١٤/٥٥٤-٥٥٥ رقم ٣٩٥٨٧ - ترتيبه «كنز العمال») .
[ ٢٩١ ]
والبيهقي في «البعث والنشور» (ص ٢٠-٢١ رقم ٢١ - الاستدراكات) من طريق همام بن يحيى، عن أبيه؛ كلهم عن قتادة، عن عبد الله ابن بريدة، به.
وقال الحاكم مرة أخرى: «هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه» .
قال أبو عبيدة: ليس الإسناد على شرط مسلم، وسليمان بن ربيعة لم يخرج له مسلم، إلا أن يكون مراده أن الإسناد ينتهي بـ (عبد الله بن بريدة)؛ فهذا صحيح (١)، وإلا فسليمان بن الربيع -أو الربيعة- ترجمه البخاري في «التاريخ الكبير» (٤/١٢ رقم ١٩٧)، وأورد في ترجمته من طريق قتادة عن ابن بريدة، عن سليمان بن الربيع العدوي، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى يأتي أمر الله»، وقال عقبه: «ولا يعرف سماع قتادة من ابن بريدة، ولا ابن بريدة من سليمان» .
قلت: وهذا يلحق الطريق الثاني للخبر، دون الأول، وسليمان وثقه ابن حبان في «الثقات» (٤/٣٠٩)، ولم يذكر راويًا روى عنه غير ابن بريدة، وكذا في «الجرح والتعديل» (٤/١١٧) .
ولم ينفرد به، فقد توبع، تابعه -فيما وقفتُ عليه- ثلاثة (٢)، وهذا البيان:
الأول: عقبة بن عمرو بن أوس الدوسي.
أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٢/٤٥٩-٤٦٠)، قال:
أخبرنا أبو بكر بن إسحاق: أنبأنا عبيد بن شريك البزار، ثنا أبو الجماهر، ثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن عقبة بن عمرو بن أوس الدوسي، قال: أتينا
_________________
(١) وقد يقال: إن مراده أن مسلمًا أخرج لرجل شبيه حاله بحال من أخرج له مسلم، وعليه يحمل توسع الحاكم في عباراته، وانظر: «التنكيل» (١/٤٥٧) للمعلّمي.
(٢) ثم وقفتُ على رابع؛ وهو أبو الأسود الدّيلي، وهو ثقة، انظر: «تهذيب الكمال» (٣٣/٣٧) والتعليق عليه. وسيأتي بيانه في كلام الخلال -رحمه الله تعالى-.
[ ٢٩٢ ]
عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄-، وعليه بردان قطريان، وعليه عمامة، وليس عليه سربال؛ يعني: القميص، فقلنا له: إنك قد رويت عن رسول الله ﷺ، ورويت الكتب، فقال: ممن أنتم؟ قال: فقلنا: من أهل العراق، فقال: إنكم يا أهل العراق تَكذِبون وتكذِّبون وتسخرون، قال: فقلت: لا والله لا نكذبك، ولا نَكْذبُ عليك، ولا نسخر منك، قال: فإن بني قنطوراء وكركى لا يخرجون حتى يربطوا خيولهم بنخل الأبلة (١)، كم بينها وبين البصرة؟ قال: فقلنا: أربع فراسخ، قال: فيبعثون أنْ خلّوا بيننا وبينها، قال: فيلحق ثلث بهم، وثلث بالكوفة، وثلث بالأعراب، ثم يبعثون إلى أهل الكوفة أنْ خلّوا بيننا وبينها، فيلحق ثلث بهم، وثلث بالأعراب، وثلث بالشام، قال: فقلنا: ما أمارة ذلك؟ قال: إذا طبّقتِ الأرضَ إمارةُ الصبيان.
قال الحاكم على إثره: «وهذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه» .
قلت: عقبة بن عمرو بن موسى الدّوسي البصري؛ هو المترجم في «الكمال» ومختصراته بـ (ابن أوس)، فهو فيه منسوب إلى جدّه، وانتبه لهذا العلامة الشيخ مقبل بن هادي الوادعي -﵀- في كتابه «رجال الحاكم في المستدرك»، فلم يذكره فيه، بناء على أنه ليس من الزوائد على رجال الستة، فأحسن وأجاد.
إلا أن ابن الجنيد (٢) نقل عن ابن الغلابي قوله: «يزعمون أن عقبة بن أوس (٣) لم يسمع من عبد الله بن عمرو، وإنما يقول: قال عبد الله بن عمرو»،
_________________
(١) في الأصل: «الأيلة»؛ وهو خطأ، صوابها بالباء الموحدة لا آخر الحروف، وتقدم ذلك، ووقعت على الصواب في «إتحاف المهرة» (٩/٥٩٥ رقم ١٢٠١٤)، وفيه: «إن بني قنطوراء يخرجون حتى يربطوا» ! وفيه سقط، قارنه بالنص السابق.
(٢) في «سؤالاته» (ص ٣١٨/رقم ١٨٣) .
(٣) قال عنه في «التقريب»: «صدوق، ووهم من قال: له صحبة» ! قلت: هو ثقة، وثقه ابن سعد في «طبقاته» (٧/١٥٤)، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (٢/١٢٨)، وابن حبان في =
[ ٢٩٣ ]
ونقله عنه العلائي في «جامع التحصيل» (رقم ٥٢٨) هكذا:
«عقبة بن أوس عن عبد الله بن عمر أو عبد الله بن عمرو، قال ابن الغلاّبي -فيما رواه عنه إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد-: لم يسمع منه» .
قلت: يقول هنا: «أتينا عبد الله بن عمرو»؛ فالسماع ظاهر، فلعله لم يسمع من (ابن عمر) . والإسناد المذكور رجاله ثقات، وهو قوي في الشواهد والمتابعات؛ إلا أن سعيد بن بشير فيه كلام، وسأل أبو حاتم الرازي أحمد بن صالح: كيف هذه الكثرة منه عن قتادة؟ فأجابه بقوله: كان أبوه بشيرًا شريكًا لأبي عروبة، فأقدم بشيرٌ ابنَه سعيدًا البصرة، فبقي بالبصرة يطلبُ الحديث مع سعيد بن أبي عروبة (١) .
فإذن، أخْذُه عن قتادة صحيح، لا مطعن فيه.
نعم، لم يخرج له مسلم في «صحيحه»، وأخرج له أصحاب «السنن الأربعة»، فالإسناد ليس على شرط مسلم كما قال الحاكم، وفيه كلام في حفظه وضبطه، وفي «تاريخ أبي زرعة الدمشقي» (١/٤٠٠ رقم ٩١٧):
«سألت عبد الرحمن بن إبراهيم عن قول من أدرك في سعيد بن بشير؛ فقال: يوثقونه كان حافظًا»، وقال أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان عنه: «محلّه الصدق عندنا» (٢) .
وقال ابن عدي: «لا أرى بما يروى عن سعيد بن بشير بأسًا، ولعله يهم في الشيء بعد الشيء، ويغلط، والغالب على حديثه الاستقامة، والغالب عليه الصدق» (٣)،
_________________
(١) = «ثقاته» (٥/٢٢٥)، والعجلي (ص ٣٣٧/رقم ١١٤٨ - ترتيب الهيثمي)، ولم يتكلم فيه أحد. انظر: «تهذيب الكمال» (٢٠/١٨٧-١٨٩ رقم ٣٩٧٠) .
(٢) «الجرح والتعديل» (٤/٧ رقم ٢٠) .
(٣) «الجرح والتعديل» (٤/٧ رقم ٢٠) .
(٤) «الكامل في الضعفاء» (٣/١٢١٢)، وانظر: «تهذيب الكمال» (١٠/٣٤٨ رقم ٢٢٤٣) .
[ ٢٩٤ ]
ومع هذا فقد توبع عليه، تابعه نافع بن عامر، به، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى-.
وأبو الجماهر هو محمد بن عثمان التنوخي، ثقة.
الثاني: ربيعة بن جوشن.
أخرج ابن أبي شيبة في «المصنف» (٨/٦٣٧ رقم ٢٩٦) قال:
حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه، عن أخيه ربيعة بن جوشن، قال: قدمتُ الشام، فدخلتُ على عبد الله بن عمرو، فقال: ممن أنتم؟ قلنا: من أهل البصرة، قال: أما لا فاستعدوا يا أهل البصرة، قلنا: بماذا؟ قال: بالزاد والقرب، خير المال اليوم أجمال يحتمل الرجل عليهن أهله ويميرهم عليها، وفرس وقاح شديد، فوالله ليوشك بنو قنطوراء أن يخرجوكم منها، حتى يجعلوكم بدكية، قال: قلنا: وما بنو قنطوراء؟ قال: أما في الكتاب فهكذا نجده، وأما في النعت فنعت الترك.
وإسناده حسن.
والثالث: سلامة بن مليح الضبي.
أخرج نعيم بن حماد في «الفتن» (٢/٦٨٠-٦٨١ رقم ١٩١٨):
حدثنا أبو المغيرة عن عبد الملك بن حميد بن أبي غنية، عن سلامة بن مليح الضبي، عن عبد الله بن عمرو قال: أتيناه، فقال: ممن أنتم؟ فقلنا: من أهل العراق. قال: «والله الذي لا إله إلا هو ليسوقنكم بنو قنطوراء من خراسان وسجستان سوقًا عنيفًا، حتى ينزلوا بالأبلة، فلا يدعوا بها نخلة إلا ربطوا بها فرسًا، ثم يبعثون إلى أهل البصرة: إما أن تخرجوا من بلادنا، وإما أن ننزل عليكم» .
[ ٢٩٥ ]
قال: «فيفترقون ثلاث فرق: فرقة تلحق بالكوفة، وفرقة بالحجاز، وفرقة بأرض العرب البادية، ثم يدخلون البصرة، فيقيمون بها سنة، ثم يبعثون إلى الكوفة: إما أن ترتحلوا عن بلادنا، وإما أن ننزل عليكم.
فيفترقون ثلاث فرق: فرقة تلحق بالشام، وفرقة بالحجاز، وفرقة بالبادية أرض العرب، وتبقى العراق لا يجد أحد فيها قفيزًا ولا درهمًا» .
قال: «وذلك إذا كانت إمارة الصبيان، فوالله ليكونن» رددها ثلاث مرات.
أبو المغيرة هو عبد القدوس بن الحجاج الخولاني، ثقة، وعبد الملك كذلك، وثّقه أحمد وابن معين، ولم يطعن فيه أحد (١) . يبقى سلامة بن مليح الضّبي؛ كذا في المطبوع والمخطوط (ج١٠/ق٦/أ)، وفوق (مليح) علامة تصحيح، ولم يثبت الناسخ شيئًا في الهامش، ولم أظفر به في شيوخ (عبد الملك) من «تهذيب الكمال»، وهو سقط من القسم المطبوع من «إكماله» لمغلطاي.
نعم، ترجم الذهبي في «الميزان» (٢/١٩٤ رقم ٣٤١٧) لـ (سلمة الضّبي)، وقال عنه: «له حديث منكر، وفيه جهالة»، ولكنه من طبقة أخرى، إذ قال عنه: «عن هشام بن عروة» .
وعلى أي حال، الخبر عن عبد الله بن عمرو ثابت، وهذا البرهان زيادة على ما تقدم من البيان، والله المستعان، وعليه وحده التُّكلان:
قال الخلال في «علله» (ص ٢٩٤/رقم ١٩١ - منتخب ابن قدامة):
«أخبرني عصمة: ثنا حنبل، ثنا الهيثم بن خارجة، ثنا إسماعيل بن عياش، عن سعيد بن بشير، ونافع بن عامر، عن قتادة: ثنا عبد الله بن أبي الأسود، قال: انطلقت أنا وزرعة بن ضمرة، وعبد الله بن قيس حاجَّيْن، فجلسنا إلى عبد الله ابن عمرو، جلس زرعة عن يمينه، وجلست عن شماله.
قال أبو عبد الله (٢): إنما هو عبد الله بن بريدة، عن أبي الأسود الدِّيلي،
_________________
(١) انظر -لهما على الترتيب-: «تهذيب الكمال» (١٨/٢٣٧ رقم ٣٤٩٥ و١٨/٣٠٢ رقم ٣٥٢٤) .
(٢) أي: الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى-.
[ ٢٩٦ ]
كذا رواه قتادة (١)، عن عبد الله بن بريدة، أخطأ فيه إسماعيل.
وبه: ثنا إسماعيل، عن نافع بن عامر، عن قتادة، عن عبد بن يزيد، عن سليمان ابن ربيعة -وكان من نساك البصرة-، قال: انطلقت مع ناس من أهل البصرة حاجين، فأتينا عبد الله بن عمرو، فقال: «يوشك بنو قنطوراء» - وذكر الحديث.
قال أبو عبد الله: إنما هو عبد الله بن بريدة» .
ففي هذا بيان أرجح طرق الخبر، وبه يثبت هذا الأثر مع ما سبق من طرق، ولله الحمد والمنّة.
لكن قد يقال: إن عبد الله بن عمرو وقعت له صحف يوم اليرموك، فيها أخبار عن أهل الكتاب (٢)، فلعل هذه منها؟
فالجواب: إن هذه الأخبار وردت عن غيره -كما تقدم- وقد أخذها عنه جمع من صلحاء التابعين من البصرة والكوفة، وروي ما يأذن برفعها عن النبي ﷺ، وقد ظفرتُ بجملة أحاديث وردت في ذلك، لا تخلو طرقها من كلام، ولكن بمجموعها مع ما سقناه من الآثار، تدلل على أنّ لها أصلًا محتجّ به، وهذا البيان، والله المستعان، لا ربّ سواه:
فصل