ولا أشك أنّ مراد النبي ﷺ في الحديث السابق الذي فيه ذكر الخوارج أفعالًا ومخالفاتٍ حذر منها، وليست العبرة بالاصطلاحات (١) التي تواطأ عليها العلماء.
وعليه؛ فلا يقال: هذه خرجت من أُناس سلفيين! عندهم بعض الأخطاء، وليسوا من الخوارج، فلا صلة لهذه الأحداث بما هُيِّج من فتن (العراق) !! بل هي خرجت من تحت قدمي أصناف، لهم وفاق وفراق مع (الخوارج)، بل بعضهم يتطابق معهم في دينه، ولا ينفك عنهم قيد أُنملة (٢)، وقد أفصح عن هذه الأنواع بعضُ من تاب الله عليهم، عندما رجعوا إلى رشدهم وصوابهم، واتّصل بالعلماء الربانيين، وطلبة العلم، المتقدّمين النابهين، ولمزيد البيان والإيضاح أنقل لإخواني القراء الكرام ما جرى بين هؤلاء والشيخ ابن عثيمين -رحمه الله تعالى-:
حوار (٣) بين ثوار الجزائر برؤوس الجبال مع العلاّمة ابن عثيمين بتاريخ: ١ رمضان ١٤٢٠هـ
قال السائل: نحن أوّلًا: نُعلمكم أنَّ الذي يُخاطبكم الآن هم إخوانك المقاتلون، وبالضبط المقاتلون من (الجماعة السلفية للدعوة والقتال)، ونحن طبعًا سننقل كلامَكم -إن شاء الله ﷿- إلى جميع إخواننا المقاتلين في هذه الجماعة وغيرها -أيضًا-.
وذلك بعد أن بلغنا نداؤكم ونصيحتكم المؤرَّخة بتاريخ ١٣ من شهر صفر من العام الحالي.
_________________
(١) ولا مشاحة في الاصطلاح، كما هو مقرر عند العلماء.
(٢) وهذا هو سبب ذكري لهذه الحوادث في كتاب مفرد عن (فتن العراق) !
(٣) تم هذا الحوار عبر (الهاتف) .
[ ٩٥ ]
والجدير بالذِّكر أنَّ نداءَكم ذلك لم يصل إلينا إلا منذ شهر ونصف، وهناك من الإخوة من لم يصلهم حتى الآن، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى، فإنَّ الكثير من الإخوة مِمَّن بلغَتْهم نصيحتكم وقعت لهم شبهةٌ حالت دون الاستجابة لِما دعوتم إليه، فكان لا بدَّ إذًا من إجراء هذا الحوار الجديد مع فضيلتكم؛ أملًا أن نتمكَّن من خلاله من الإجابة على جميع التساؤلات المطروحة، وإزاحة جميع الشُّبه، وبيان الحقِّ البواح؛ حتى نصبح على مثل المحجَّة البيضاء، لا يزيغ عنها إلاّ هالك.
وعلى هذا الأساس، فإننا نلتمس من سماحتكم -حفظكم الله- إعطاءنا أكبر قدر من وقتكم، وأن تسهبوا في الشرح والبيان؛ لأنه لا يخفى عليكم -يا شيخنا! - أنَّ الإخوة عندنا قد رسَّختْ فيهم سنوات القتال أفكارًا وعقائد ليس من السهل -يا شيخ! - ولا من البسيط التخلي عنها واعتقاد بطلانها، إلا ببيان شافٍ منكم، وذلك لما لكم في قلوب الإخوة عندنا من عظيم المنزلة، ووافي التقدير والإجلال والاحترام؛ لأننا نعتقد أنكم من أعلام أهل السنة والجماعة في هذا العصر.
وإليكم الآن الشبه المطروحة -يعني: عندنا-.
الشيخ: دعني أتكلَّم قليلًا، ثم قال:
الحمد لله رب العالمين، وأصلِّي وأسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فإنني من عنيزة القصيم -المملكة العربية السعودية- وفي أول يوم من رمضان عام عشرين وأربع مئة وألف، أتحدث إلى إخواني في الجزائر، وأنا: محمد بن صالح آل عثيمين.
أقول لهم: إنَّ النبيَّ ﷺ قرَّر في حجَّة الوداع تحريمَ دمائنا وأموالنا وأعراضنا تقريرًا واضحًا جليًّا، بعد أن سأل أصحابه عن هذا اليوم، والشهر،
[ ٩٦ ]
والبلد، وقال: «إنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟» (١) .
فهذا أمرٌ مجمعٌ عليه، لا يختلف فيه اثنان، والإخوة الذين قاتلوا في الجزائر منذ سنوات قد يكون لهم شبهة، ففي أوَّل الأمر، حينما اتَّجه الشعب الجزائري إلى جبهة الإنقاذ، وعلت أصواتهم لصالح الجبهة، ولكن هذه الجبهة، حتى سيطر غيرُها، ولا شكَّ أنَّ هذا مؤسفٌ، وأنّ الواجب اتِّباع الأكثر الذي وافق ما ينبغي أن تكون عليه الأمة الجزائرية، من قول الحقِّ واتِّباع الحقِّ.
ولكن هذا لا يقتضي ولا يسوِّغ حمل الإخوةِ السلاحَ بعضِهم على بعض، وكان الواجب عليهم من أول الأمر أن يمشوا ويُكثِّفوا الدعوة إلى تحكيم الكتاب والسنة، وفي الجولة الأخرى، تكون أصواتهم ، ويكون وزنُهم في الشعب الجزائري أكبر، ولكن نقول: قَدَرُ الله وما شاء فعل، لو أراد الله أن يكون ما ذكرتُ لكان.
والآن، أرى أنَّه يجب على الإخوة أن يَدَعوا هذا القتال، لا سيما وأنَّ الحكومة الجزائرية عرضت هذا، وأمَّنت من يَضَع السلاح، فلم يبق عذرٌ.
والجزائر الآن تحمل الويلات بعد الويلات مما كانت عليه، وكنَّا قد تفاءلنا خيرًا، حينما تولَّى الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وهدأت الأمور بعض الشيء.
لكننا -مع الأسف- سمعنا أنه حصل بعض العنف في هذه الأيام القريبة، وهو مِمَّا يُؤسف له أن يعود العنف إلى الجزائر المسلمة شهر رمضان المبارك.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٧٤١)، ومسلم (١٦٧٩) .
[ ٩٧ ]
والذي يجب على المسلمين أن يجمعوا كلمتهم على الحقِّ، في رمضان وفي غيره، لكن في رمضان أوكد.
فنصيحتي لإخوتنا المقاتلين
ثم قاطعه السائل قائلًا: أحيطكم به علمًا -يعني- حتى يخرج جوابكم موافقًا أو نافعًا للإخوة، يعني كأنكم تعتقدون أو تظنون أنَّ الذي يخاطبكم الآن هم أنصار الجبهة الإسلامية للإنقاذ؟ يا شيخ! الآن الساحة القتالية الجزائرية تضمُّ ثلاث فصائل (١):
- أتباع (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) الذين خرجوا من أجل الانتخابات، وهلمَّ جرًّا تلك الأمور.
- وهناك (الجماعة السلفية للدعوة والقتال)، التي نكلِّمكم باسمها، ونحن من أعضائها، هذه -يا شيخ- ليس لها علاقة بالجبهة الإسلامية للإنقاذ، وليس لها علاقة بالتحزُّب، وليس لها علاقة بالانتخاب، إنّما خرجت بناء على اعتقادها كفر هذا الحاكم، وجواز الخروج عليه.
- وهناك طائفة ثالثة -يا شيخ- (الهجرة والتكفير)، هذه التي لا زالت تمارس العنف، ولا تستمع إلى العلماء، أمَّا نحن المقاتلون في (الجماعة السلفية للدعوة والقتال)، فكما أسلفت لك منذ قليل نحب العلماء ونجُّلهم، خصوصًا علماء أهل السنة والجماعة كأمثالكم، ونأخذ بأقوالهم، غير أنه -كما ذكرتُ لك- هناك بعض التساؤلات والشبه حالت دون أن يُتلقّى كلامُكم بالقبول التام.
الشيخ: فهمتُ من كلامك الآن أنكم ثلاثة أقسام: جبهة الإنقاذ، الجماعة السلفية، والجماعة التكفيرية، هكذا؟
_________________
(١) هذا الذي وعدت به سابقًا.
[ ٩٨ ]
السائل: أي نعم، جيّد يا شيخ!
الشيخ: أما جبهة الإنقاذ، فأظنّها أنّها وافقت المصالحة؟
السائل: أي نعم، هم الآن في هُدنة يا شيخ!
الشيخ: أما الجماعة السلفية؛ فأرى أن يُوافقوا؛ لأنه مهما كان الأمر، الخروج على الحاكم -ولو كان كفرُه صريحًا مثل الشمس- له شروط، فمن الشروط: ألا يترتب على ذلك ضررٌ أكبر، بأن يكون مع الذين خرجوا عليه قدرة على إزالته بدون سفك دماء، أما إذا كان لا يمكن بدون سفك دماء، فلا يجوز؛ لأنَّ هذا الحاكم -الذي يحكم بما يقتضي كفره- له أنصار وأعوان لن يَدَعوه.
ثمَّ ما هو ميزان الكفر؟ هل هو الميزان المزاجي -يعني- الذي يوافق مزاج الإنسان لا يكفر، والذي لا يوافقه يكفر؟! من قال هذا؟!
الكفر لا يكون إلا من عند الله ومن عند رسوله، ثم إن له شروطًا، ولهذا قال النبيُّ ﷺ لمَّا تحدَّث عن أئمة الجوْر -وقيل له: أفلا ننابذهم- قال: «لا، إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان» (١)، وأين هذا؟
كثيرٌ من الإخوة -ولا سيما الشباب- الكفر عندهم عاطفي، مزاجي، ليس مبنيًّا على شريعة، ولا صدر عن معرفة بشروط التكفير، لهذا نشير إلى إخواننا في الجزائر أن يضعوا السّلاحَ، وأن يدخلوا في الأمان، وأن يُصلحوا بقدر المستطاع بدون إراقة دماء، هذا هو الذي يجب علينا أن نناصحهم به، ومن وُجِّهت إليه النصيحة، فالواجب عليه على الأقل أن يتأنَّى وينظر في هذه النصيحة، لا أن يردَّها بانزعاج واستكبار وعناد، نسأل الله -تعالى- أن يُطفئ الفتنة، وأن يزيل الغُمَّة عن إخواننا في الجزائر.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٠٥٦)، ومسلم (١٧٠٩) من حديث عبادة بن الصامت.
[ ٩٩ ]
السائل: هم الإخوة عندنا يعتمدون في الحكم بكفر حاكمهم على فتوى للشيخ ناصر الدِّين الألباني قديمة بُنيت -والله أعلم- على واقع غير صحيح (١)، يعتمدون علىهذا -يعني: في تكفير حاكمهم- وبالتالي، وكذلك هناك بعض طلبة العلم -أيضًا- يعتمدون عليهم في هذه المسألة، وعلى هذا الأساس فعندما ناديتموهم بوضع السلاح -مع اعتقادهم كفر حاكمهم- شقَّ ذلك عليهم كثيرًا -يعني- وكبُر عليهم كثيرًا -يعني- وضع السلاح والعودة تحت حكم من يعتقدون كفره -يعني- هذه معضلة كيف حلُّها يا شيخ؟
الشيخ: والله ليست معضلة؛ أوَّلًا: ننظر هل هناك دليل على كفر هذا الحاكم، والنظر هنا من وجهين:
الوجه الأول: الدليل على أنَّ هذا الشيءَ كفرٌ.
الثاني: تحقق الكفر في حقِّ هذا الفاعل؛ لأنَّ الكلمة قد تكون كفرًا صريحًا، ولكن لا يكفر القائل، ولا يخفى علينا جميعًا قول الله -﷿-: ﴿من كفر من بعد إيمانه إلا مَن أُكره وقلبُه مُطمئنٌّ بالإيمان ولكنْ مَن شَرَحَ بالكُفر صَدرًا فَعليهم غضبٌ من الله وَلَهُم عذابٌ عظيم﴾ [النحل: ١٠٦]، رفع الله -﷿- حكم الكفر عن المكره وإن نطق به.
ولقد أخبر النبيُّ ﷺ أنَّ الربَّ -﷿- أشدُّ فرحًا بتوبة عبده من رجل فقد راحلته، وعليها طعامه وشرابه، فلمَّا أَيِس منها اضطجع تحت شجرة، فبينما هو كذلك إذا بناقته حضرت، فأخذ بزمامها وقال: اللهم! أنت عبدي وأنا ربك، قال النبي ﷺ: «أخطأ من شدة الفرح» (٢) .
وكذلك الرجل الذي كان وقال: «لئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا ما يعذبه أحدًا من العالمين، فأمر أهله إذا مات أن يحرقوه ويسحقوه في اليم،
_________________
(١) ليس هذا بصحيح ألبتة!
(٢) أخرجه البخاري (٦٣٠٩) ببعضه، ومسلم (٢٧٤٧) من حديث أنس -﵁-.
[ ١٠٠ ]
فجمعه الله وسأله؟ فقال: فعلت ذلك خوفًا منك يا رب» (١)، ولم يكفر.
الحاكم قد يكون عنده حاشية خبيثة، ترقق له الأمور العظيمة وتسهلها عليه، وتزينها في نفسه، فيمضي فيما يعتقد أنه حلال، ولكنه ليس بكفر، ولا أظن أحدًا من الجزائريين يقول: نعم! أنا أعلم أنّ هذا حكم الله ولكني أخالفه، ما أظن أحدًا يقول ذلك عن عقيدة، فإنْ كان قد يقوله في باب المناظرة، لكن عن عقيدة لا يمكن فيما أظن؛ لأن شعب الجزائر شعب مسلم، وهو الذي أخرج الفرنسيين عن إكراه من أرضه، فالواجب على هؤلاء أن ينظروا في أمرهم، وأن يلقوا السلاح، وأن يصطلحوا مع أمتهم، وأن يبثوا الدعوة إلى الله بتيسير لا بعنف، نعم!
السائل: شيخنا -حفظكم الله- هل يستلزم -يعني: لو فرضنا كفر الحاكم- هل يستلزم الخروج عليه بدون شروط يعني؟
الشيخ: لا! لا بد من شروط، ذكرتها آنفًا.
السائل: أي نعم!
الشيخ: لو فرض أنه كافر مثل الشمس في رابعة النهار، فلا يجوز الخروج عليه إذا كان يستلزم إراقة الدماء، واستحلال الأموال.
السائل: الآن -يعني- بعض الإخوة عندنا مثلًا يقولون إنهم ما داموا خرجوا وحملوا السلاح وخاضوا هذه الحرب مع هذا النظام، هم اليوم وإن اعتقدوا أن ما هم فيه ليس بجهاد؛ لأنهم كما ذكرتم لم يستوفوا الشروط، لكن رغم ذلك يسألون: هل يمكنهم رغم ذلك المواصلة وإن أيقنوا الفناء والهلاك، أم يهاجرون، أم ماذا؟
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٤٧٨)، ومسلم (٢٧٥٦) من حديث أبي هريرة وأبي سعيد وغيرهما -﵃-، وخرجته بتفصيل في كتابي «من قصص الماضين» (ص ٢٣٩-٢٤٦) .
[ ١٠١ ]
الشيخ: والله! لا يجوز لهم، والله! لا يجوز لهم المضي فيما هم عليه من الحرب الآن؛ إذ أنها حرب عقيم ليس لها فائدة ولا تولد إلا الشر والشرر.
السائل: أي نعم، شيخنا هم -يعني- إذًا أنتم لا تعتقدون كفر حاكم الجزائر يعني، فترون ذلك؟
الشيخ: لا نرى أن أحدًا كافر إلا من كفره الله ورسوله وصدقت عليه شروط التكفير، من أي بلد، ومن أي إنسان، الكفر ليس بأيدينا، وليس إلينا، بل هو إلى الله ورسوله، إنّ الرجل إذا كفر أخاه وليس بكافر عاد الأمر إليه: المكفِّر، وكفر إلا أن يتوب.
السائل: شيخنا! بعض الإخوة عندنا -بعد أن سلموا بأن هذا ليس بجهاد على وفق ما ذكرتم يعني- لم يثقوا في الحكومة -يعني- نسبيًّا، فيسألون هل يجوز لهم المكث في الجبال دون الرجوع إلىالحياة المدنية بدون قتال -يعني- يبقون بأسلحتهم في الجبال ويتوقفون عن القتال، لكن لا يرجعون إلى الحياة المدنية؟
الشيخ: أقول: إنهم لن يبقوا على هذه الحال، مهما كان الحال، ولا بد أن تحركهم نفوسهم في يوم من الأيام حتى ينقضوا على أهل القرى والمدن، فالإنسان مدني بالطبع.
يبقى في رؤوس الجبال وفي تلالها وشعابها، ومعه السلاح؟!
في يوم من الأيام لا بد أن تهيجهم النفوس حتى يكونوا قطاع طرق!
السائل: إذًا لا يجوز لهم المكث على هذه الحال؟
الشيخ: هذا ما أراه، أرى أن ينزلوا للمدن والقرى لأهليهم وذويهم وأصحابهم.
السائل: يعني الآن ما يجب على كل -في حالة إذا لم تستجب القيادة
[ ١٠٢ ]
لندائكم هذا، إذا لم تستجب يعني- إذا لم تستجب رؤوس المقاتلين لندائكم هذا، ما واجب كل مقاتل في حق نفسه؟
الشيخ: الواجب وضع السلاح، وأن لا يطيعوا أمراءهم إذا أمروهم بمعصية؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
السائل: شيخنا! هل يجوز أو يمكن -يعني- هل يجوز مخالفة نداءكم هذا من أجل فتاوى لبعض الدعاة؟
الشيخ: هذا يرجع إلى الإنسان نفسه، إن اعتقد أن ما يقوله أولئك القوم الذين يدعون إلى الاستمرار هو الحق لا يلزمهم الرجوع، ولكن يجب أن يتأمل الإنسان ويتدبر وينظر ما النتيجة في الاستمرار، كم للشعب الجزائري من سنة، وهو يرقب الويلات بعد الويلات ولم يستفد شيئًا؟!
السائل: الملاحظة أن هؤلاء الدعاة الذين ذكرتهم -يعني- دعاة غير معروفين -يعني- من أمثالهم أبو قتادة الفلسطيني الماكث في بريطانيا، هل تعرفونه يا شيخنا؟
الشيخ: لا نعرفه.
السائل: تعرفونه؟!
الشيخ: لا!
السائل: أبو مصعب السوري، ما تعرفونه؟
الشيخ: كل لا نعرفه، لكني أقول لك، إن بعض الناس ولا أخص هذا ولا هذا؛ إذا رأى الشباب اجتمعوا حوله، انفرد بما يذكر به، كما يقول القائل: خالف تُذكر، نعم (١) !
_________________
(١) الويل لمن يعمل من أمام العلماء وتقريراتهم، ولا سيما إن كان شابًّا متهورًا، محبًّا للزعامة، قليل التجربة، قلقًا في أمور معاشه وحياته!
[ ١٠٣ ]
السائل: شيخنا! هناك أحدهم يسمى أبا حنيفة الأريتيري، يدعي أنه تلميذكم، ويدعي أنّ الاتصال بكم أمر صعب، وأنكم محاطون بالمخابرات -يعني- وغير ذلك، والإخوة ههنا، الإخوة المقاتلين يعتقدون أن الاتصال بكم بين الاستحالة والصعوبة، بناءً علىكلام هذا الإنسان، هل هذا صحيح؟
الشيخ: غير صحيح، أبدًا كل الناس يأتون ويتصلون بنا، ونحن نمشي -والحمد لله- من المسجد إلى البيت، في خلال عشر دقائق في الطريق، وكل يأتي ويمشي، والدروس -والحمد لله- مستمرة، ونقول ما شئنا مما نعتقده أنه الحق.
السائل: هذا أبو حنيفة هل تعرفونه، أبو حنيفة الأريتيري هذا؟
الشيخ: والله! أنا لا أعرفه الآن، لكن ربما لو رأيته لعرفته، لكن كلامه الذي قاله كذب، لا أساس له من الصحة
وبعد حوار بينهم وبين الشيخ حول الذين قتلوا، وحول تأجيل هذه المكالمة.
قال الشيخ: والله! لو أجَّلتمونا إلى ما بعد رمضان إذا أمكن؟
السائل: يا شيخ! مستحيل؛ القضية جِدُّ شائكة كما ترى، وقضية دماء، وقضية أمة يا شيخ!
الشيخ: إذًا غدًا
ثم تقدم سائل آخر فقال: يا شيخ! لو تعطينا الآن خمس دقائق لسؤال أخير؟
الشيخ: طيب!
السائل: إخواننا من الجماعة السلفية للدعوة والقتال يحبونكم، وينظرون إليكم على أنكم من علمائنا الذين يجب أن نسير وراءكم، لكن
[ ١٠٤ ]
الشيخ: جزاهم الله خيرًا.
السائل: لكن هناك أسئلة تدور في رؤوسهم، من بين هذه الأسئلة يقولون: أننا إذا نقلنا إلى الشيخ عن طريق أشرطة مصورة -يعني- وبينا له فيها قتالنا أننا لا نقتل الصبيان، ولا نقتل الشيوخ، ولا نفجر المدن، بل نقتل من يقاتلنا من هؤلاء الذين لا يحكمون كتاب الله -﷿- فينا، فإن الشيخ -يعني- بعد أن يعرف بأن عقيدتنا سليمة، وأن منهجنا سليمًا، وأن قتالنا سليم، فإن فتواه ستتغير، ما قولكم في هذا بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرًا؟
الشيخ: لا! قولي: إن الفتوى لا تتغير-مهما كانت نية المقاتل- فإنها لا تتغير؛ لأنه يترتب على هذا أمور عظيمة، قتل نفوس بريئة، استحلال أموال، فوضى!
السائل: شيخنا! حفظك الله، إذا كان في صعودنا إلى الجبال اعتمدنا علىفتاوى، وإن كانت كما قال الأخ -يعني- ظهر خطؤها، ولو كانت من عند أهل العلم، وبعض فتاوى بعض الدعاة ظنًّا منا أن ذلك حجة في القتال، فصعدنا إلى الجبال وقاتلنا سنين، يعني فما دور المجتمع الآن في معاملتنا؟ هل يعاملنا كمجرمين، أم أننا كمجاهدين أخطأنا في هذه الطريق؟
الشيخ: أنت تعرف أن جميع المجتمعات لا تتفق على رأي واحد، فيكون الناس نحوكم على ثلاثة أقسام:
- قسم يكره هؤلاء ويقول: إنهم جلبوا الدمار وأزهقوا الأرواح وأتلفوا الأموال، ولن يرضى إلا بعد مدة طويلة.
- وقسم آخر راضٍ يشجع، وربما يلومهم إذا وضعوا السلاح!
- القسم الثالث: ساكت، يقول: هؤلاء تأولوا وأخطأوا، وإذا رجعوا فالرجوع إلى الحق فضيلة.
السائل: شيخنا! حفظك الله، نريد كلمة توجيهية إلى الطرفين، أقصد
[ ١٠٥ ]
إلى الإخوة الذين سينزلون إلى الحياة المدنية وإلى المجتمع؛ يعني: كيف نتعامل الآن؟ وأن ينسوا الأحقاد، نريد نصيحة في هذا الباب حفظكم الله؟
الشيخ: بارك الله فيكم، أقول: إنّ الواجب أن يكون المؤمنون إخوة، وأنه إذا زالت أسباب الخلاف وأسباب العداوة والبغضاء فلنترك الكراهية، ولنرجع إلى ما يجب أن نكون عليه من المحبة والائتلاف، كما قال الله -﷿-: ﴿إنّما المُؤمنون إخوةٌ فَأَصلِحوا بين أَخَوَيْكم واتّقوا الله﴾ [الحجرات: ١٠] .
نسأل الله التوفيق والسداد، وهل أنتم على عزم أن تتصلوا غدًا أم لا؟ أما الآن فنقطع، وما يمكن أن نزيد
وعند الموعد قال السائل: المهم -يعني- أن أركز على أهم ما يمكن أن يؤثِّر على الإخوة عندنا -يعني- المقاتلين حتى يرجعوا إلى الحق.
الشيخ: طيب! توكل على الله.
السائل: إن شاء الله، أهم قضية -يا شيخ- ادعاؤهم أنك لا تعلمون واقعنا في الجزائر، وأن العلماء لا يعرفون الواقع في الجزائر، وأنكم لو عرفتم أننا (سلفيين) ! أن هذا سيغير فتواكم، فهل هذا صحيح؟
الشيخ: هذا غير صحيح، وقد أجبنا عنه بالأمس، وقلنا مهما كانت المبالغات فإراقة الدماء صعب، فالواجب الكف الآن والدخول في السلم.
السائل: شيخنا! ما رأيكم فيمن يعتقد أن الرجوع إلى الحياة المدنية يعتبر ردة؟
الشيخ: رأينا أن من قال هذا فقد جاء في الحديث الصحيح أن من كفّر مسلمًا أو دعا رجلًا بالكفر وليس كذلك عاد إليه (١) .
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦١٠٤)، ومسلم (٦٠) من حديث ابن عمر -﵄-.
[ ١٠٦ ]
السائل: شيخنا! ما رأيكم في قولهم أنه لا هدنة ولا صلح ولا حوار مع المرتدين؟
الشيخ: رأينا أن هؤلاء ليسوا بمرتدين، ولا يجوز أن نقول إنهم مرتدون حتى يثبت ذلك شرعًا.
السائل: بناءً على ماذا شيخنا؟
الشيخ: بناء على أنهم يصلون ويصومون ويحجون ويعتمرون ويشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
السائل: نعم! نعم يا شيخنا!
الشيخ: فكيف نقول إنهم كفار على هذه الحال؟! إن النبي ﷺ قال لأسامة بن زيد لما قتل الرجل الذي بالسيف، فشهد أن لا إله إلا الله، أنكر الرسول ﷺ على أسامة، مع أن الرجل قال ذلك تعوذًا كما ظنه أسامة، والقصة مشهورة (١) .
السائل: شيخنا! سؤال عقائدي -يعني- قضية الفرق بين الكفر العملي والكفر الاعتقادي في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله؟
الشيخ: يعني مثلًا من ترك الصلاة فهو كافر، من سجد لصنم فهو كافر، من قال إن مع الله خالقًا فهو كافر، وهذا كفر عملي، وأما الكفر الاعتقادي ففي القلب.
السائل: شيخنا! الكفر العملي هل يخرج من الملة؟
الشيخ: بعضه مخرج وبعضه غير مخرج، كقتال المؤمن، فقد قال النبي -﵌-: «فقتاله كفر» (٢)، ومع ذلك لا يخرج من الملة من قاتل أخاه المؤمن بدليل آية الحجرات: ﴿وإنْ طائفتان من المؤمنين اقتتلوا
_________________
(١) أخرجها البخاري (٤٢٦٩، ٦٨٧٢)، ومسلم (٩٦) من حديث أسامة بن زيد -﵄-.
(٢) أخرجه البخاري (٤٨)، ومسلم (١١٦) من حديث ابن مسعود -﵁-.
[ ١٠٧ ]
فأصلحوا بينهما﴾، قال: ﴿إنّما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم﴾ [الحجرات: ٩-١٠] .
السائل: متى يصبح الكفر العملي كفرًا اعتقاديًّا شيخنا؟
الشيخ: إذا سجد لصنم، فهو كافر كفرًا مخرجًا عن الملة، إلا أن يكون مكرهًا.
السائل: وفي قضية الحكم بغير ما أنزل الله؟
الشيخ: هذا باب واسع، هذا باب واسع، قد يحكم بغير ما أنزل الله عدوانًا وظلمًا، مع اعترافه بأن حكم الله هو الحق، فهذا لا يكفر كفرًا مخرجًا عن الملة، وقد يحكم بغير ما أنزل الله تشهيًا ومحاباة لنفسه، أو لقريبه، لا لقصد ظلم المحكوم عليه ولا لكراهة حكم الله، فهذا لا يخرج عن الملة، إنما هو فاسق، وقد يحكم بغير ما أنزل الله كارهًا لحكم الله، فهذا كافرٌ كفرًا مخرجًا عن الملة، وقد يحكم بغير ما أنزل الله طالبًا موافقة حكم الله، لكنه أخطأ في فهمه، فهذا لا يكفر، بل ولا يأثم؛ لقول النبي ﷺ: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد، وإن أصاب فله أجران» (١) .
السائل: شيخنا! مثلًا عندنا للأسف الشديد مسجد حُوِّل إلى ثكنة عسكرية، تشرب فيها الخمور، وتسمع فيها الموسيقى، وتعطل فيها الصلاة، ويسب فيها الله ورسوله -يعني- هذا ما حكمه؟
الشيخ: هذا فسوق، فلا يحل تحويل المسجد إلى ثكنة عسكرية،؛ لأنه تحويل للوقف عن جهته وتعطيل للصلاة فيه.
السائل: شيخنا! كلامكم واضح والحمد لله، وبهذه الصيغة يزيح -إن شاء الله- الشبه التي تحول دون أن يعمل الحق عمله -إن شاء الله-.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٣٥٢)، ومسلم (١٧١٦) من حديث عمرو بن العاص -﵁-.
[ ١٠٨ ]
الشيخ: نسأل الله أن يهديهم، وأن يرزقهم البصيرة في دينه، ويحقن دماء المسلمين.
السائل: هلا شرحتم لنا قوله ﷺ: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده » (١) الحديث؟
الشيخ: لا يتسع المجال؛ لأنه ما بقي إلا دقيقة واحدة.
السائل: أعطِنا تاريخ المكالمة واسمك.
الشيخ: هذه المكالمة يوم الجمعة في شهر رمضان، أجراها مع إخوانه محمد بن صالح العثيمين من عنيزة بالمملكة العربية السعودية ١٤٢٠هـ، نسأل الله أن ينفع بهذا (٢) .
يظهر لنا من هذه المكالمة، أن اتجاهًا خارجيًّا عشعش في قلوب وعقول صغار الطلبة، وتعجلوا البلاء، فَجَرَتْ على أيديهم أحداث فيها فتن، أريقت بسببها دماء، وهتكت أعراض، ولا حول ولا قوة إلا بالله -تعالى-.
وهذا كلُّه، من مهيِّجات الفتن العراقية المنشأ، الخارجية المذهب، التي ثارت من تحت قدمي ذاك الرجل الذي أخبر النبي ﷺ أنه لو قُتل ما كانت (٣) فتنة، ولكن ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
فصل