هي دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-
قد اعتنى -رحمه الله تعالى- برد هذه الفرية عناية جيدة، فكان -﵀- يُكثِر في مجالسه من بيان بطلانها، وهذا ما وقفت عليه من محاربته لها في كتبه (١):
* قال في «السلسلة الضعيفة» (١٠/٧١٤-٧١٥):
«وكل من أمعن النظر في بعض طرق الحديث -فضلًا عن مجموعها-؛ يعلم يقينًا أن الجهة التي أشار إليها النبي ﷺ بقوله: «ههنا» إنما هي جهة المشرق، وهي على التحديد العراق، والواقع يشهد أنها منبع الفتن، قديمًا وحديثًا» .
* وقال في «السلسلة الصحيحة» (٥/٣٠٥-٣٠٦) بعد تخريج طويل
_________________
(١) في بعض النقولات الاقتصار على بيان أن (العراق) هي المعنية بالمحلة والجهة المذكورة في الحديث، وهو المطلوب من هذا الاستطراد، والله الموفق.
[ ١٧٢ ]
للحديث:
«وإنما أفضت في تخريج هذا الحديث الصحيح وذكر طرقه وبعض ألفاظه؛ لأن بعض المبتدعة المحاربين للسنة والمنحرفين عن التوحيد يطعنون في الإمام محمد بن عبد الوهاب مجدد دعوة التوحيد في الجزيرة العربية، ويحملون الحديث عليه باعتباره من بلاد (نجد) المعروفة اليوم بهذا الاسم، وجهلوا أو تجاهلوا أنها ليست هي المقصودة بهذا الحديث، وإنما هي (العراق) كما دل عليه أكثر طرق الحديث، وبذلك قال العلماء قديمًا كالإمام الخطابي وابن حجر العسقلاني وغيرهم.
وجهلوا -أيضًا- أن كون الرجل من بعض البلاد المذمومة لا يستلزم أنه هو مذموم -أيضًا- إذا كان صالحًا في نفسه، والعكس بالعكس، فكم في مكة والمدينة والشام من فاسق وفاجر، وفي العراق من عالم وصالح، وما أحكم قول سلمان الفارسي لأبي الدرداء حينما دعاه أن يهاجر من العراق إلى الشام:
«أما بعد؛ فإن الأرض المقدسة لا تقدس أحدًا، وإنما يقدس الإنسان عمله» (١) .
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٨/١٨٢ - ط. دار الفكر)، والدينوري في «المجالسة» (٤/٦٩-٧٠ رقم ١٢٣٨ - بتحقيقي) -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١/١٥٠) - عن أبي خالد، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن هبيرة، به. وأخرجه أبو القاسم البغوي -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١/١٥٠) -: نا داود بن عمرو، نا أبو شهاب الحناط، عن يحيى بن سعيد، به مطولًا. وأخرجه عبد الله بن أحمد في «زوائد الزهد» (٢/٩٠ - ط. دار النهضة) -وعنه وكيع في «أخبار القضاة» (٣/٢٠٠)، وأبو نعيم في «الحلية» (١/٢٠٥) -: حدثني مصعب بن عبد الله، حدثني مالك بن أنس، أن أبا الدرداء كتب وذكره مطولًا. وهذا مرسل، فيه عبد الله بن هبيرة ولد سنة الجماعة (صلح الحسن ومعاوية سنة إحدى وأربعين)، ومات سنة ست وعشرين ومئة؛ فأنى له شهود مثل هذا الخبر؟ انظر: «تهذيب الكمال» (١٦/٢٤٣-٢٤٤) .
[ ١٧٣ ]
وفي مقابل أولئك المبتدعة من أنكر هذا الحديث وحكم عليه بالوضع؛ لما فيه من ذم العراق، كما فعل الأستاذ صلاح الدين المنجد في مقدمته على «فضائل الشام ودمشق»، ورددت عليه في تخريجي لأحاديثه، وأثبت أن الحديث من معجزاته ﷺ العلمية، فانظر الحديث الثامن منه» .
* وقال فيها -أيضًا- (٥/٦٥٥-٦٥٦) بعد تخريج للحديث:
«قلت: وطرق الحديث متضافرة على أنّ الجهة التي أشار إليها النبي ﷺ إنما هي المشرق، وهي على التحديد العراق، كما رأيت في بعض الروايات الصريحة، فالحديث علم من أعلام نبوته ﷺ، فإن أول الفتن كان من قبل المشرق، فكان ذلك سببًا للفرقة بين المسلمين، وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة كبدعة التشيع والخروج ونحوها. وقد روى البخاري (٧/٧٧) وأحمد (٢/٨٥، ١٥٣) عن ابن أبي نُعْم، قال:
شهدت ابن عمر وسأله رجل من أهل العراق عن محرم قتل ذبابًا، فقال: يا أهل العراق! تسألوني عن محرم قتل ذبابًا، وقد قتلتم ابن بنت رسول الله ﷺ، وقد قال رسول الله ﷺ:
«هما ريحانتي من الدنيا» .» .
* وقال في كتابه «مختصر صحيح البخاري» (١/٣١٠-٣١١) تعليقًا على حديث ابن عمر، وفيه لفظة: «وفي نجدنا»، فأثبت في الهامش ما نصه:
«قلت: أي: (عراقنا)، كما في بعض الروايات الصحيحة، وبذلك فسّره الخطابي والعسقلاني، كما بينته في رسالتي «تخريج فضائل الشام (ص ٩-١٠ رقم الحديث ٨) خلافًا لما عليه كثير من الناس اليوم، ويزعمون -لجهلهم- أن المقصود بـ (نجد) هو الإقليم المعروف اليوم بهذا الاسم، وأن الحديث يشير إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه -حاشاهم-، فإنهم الذين رفعوا راية التوحيد خفاقة في بلاد نجد وغيرها، جزاهم الله عن الإسلام خيرًا» .
[ ١٧٤ ]