فزمانها؛ يشتدُّ بمقتل عمر -﵁-، فشبهت الفتن -في المحاورة السابقة- ببيتٍ له باب، والفتن محصورة فيه، فإذا قتل عمر فالباب يبقى مفتوحًا، ولا ينغلق أبدًا، والفتن تعصف منه على هيئة أمواج عاتية تموج موج البحر، بينما لو مات دون قتل، فلعل باب الفتن ينغلق، والموج يزول، والعواصف تهدأ، والفتن تتلاشى أو تضعف.
وهذا الأمر كان معروفًا -أيضًا- عند الصحابة، فهذا خالد بن الوليد يسمع رجلًا يقول له في خلافة عمر: «يا أبا سليمان! اتّق الله، فإنّ الفتن قد ظهرت» . فرد عليه مستنكرًا بقوله: «وابن الخطاب حي؟! إنما تكون بعده، » (٣) .
وها هو حذيفة -﵁- يقول: «ما بينكم وبين أن يرسل عليكم الشر فراسخ إلا موتة في عنق رجل يموتها، وهو عمر» .
أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٨/٦٢٠ - ط. دار الفكر): حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عنه به. وإسناده صحيح.
ولم يعزه في «كنز العمال» (١١/٢٢٨ رقم ٣١٣٢٧) إلا له، وظفرتُ به عند ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (ص ٢٨٦ - ترجمة عمر (٤) من طريق أبي عوانة عن عاصم، عن أبي وائل -وهو شقيق بن سلمة- به. ولفظه:
«ما بينكم وبين أن يرسل عليكم
_________________
(١) بنوعها الثاني (التي تموج موج البحر)
(٢) محلها القلب، وتفصيل أثر الفتنة على القلب ليس من مقصد دراستنا هذه؛ ولذا أغفلناه، والله الموفق. وانظر وَمْضة وإلماحة في (ص ٧٥٠) .
(٣) سيأتي بطوله مع تخريجه (ص ٣٥٨-٣٦٠) تحت (فصل في وصول الشر والفتن آخر الزمان كل مكان) .
(٤) تحقيق سكينة الشهابي، نشر مؤسسة الرسالة.
[ ٥١ ]
الشرُّ فراسخ إلا أن يطلع عليكم راكب من ها هنا، فينعى لكم عمر» .
وها أبو ذر ينعت عمر بأنه «قُفْلُ الفتنة»، أخرج ذلك ابن عساكر (ص ٢٨٤ - ترجمة عمر) -أيضًا-، ولم يعزه في «الكنز» (١٣/٣١٦ رقم ٣٦٨٩٦) إلا له.
فمعنى قوله في الحديث: «إن بينك وبينها بابًا مغلقًا»؛ أي: إن تلك الفتن لا يخرج شيء منها في حياتك (١)، فما دامت حياة عمر موجودة فهي الباب المغلق، «لا يخرج مما هو داخل تلك الدار شيء، فإذا مات فقد انفتح ذلك الباب، فخرج ما في تلك الدار» (٢) .
قال ابن كثير -﵀- بعد سياقه لهذا الحديث ما نصه: «هكذا وقع الأمر سواء بعد ما قتل في سنة ثلاث وعشرين وقعت الفتن بين الناس، وكان قتله سبب انتشارها بينهم» (٣) . هذا وقد ترجم -﵀- لهذا الحديث بقوله: (إشارة نبوية إلى أن عمر -﵁ سيقتل-) (٤) . فالباب هو حياة عمر
_________________
(١) «شرح النووي» (٢/١٧٤)، ونحوه في «الفتح» (٦/٧٠١) .
(٢) «الفتح» (٦/٧٠١) .
(٣) «النهاية في الفتن» (١/١٥) .
(٤) «النهاية في الفتن» (١/١٤) .
[ ٥٢ ]
-﵁- كما فسره حذيفة -﵁- في آخر الحديث، وقد وقعت الفتن والمحن والبلايا بين الناس، وفشت وانتشرت -كما قال ابن كثير- بعد وفاته في جميع أنحاء بلاد الإسلام، والله المستعان.
ويتمِّم هذا المعنى أحاديثُ أُخر، فيها بيان (أول فتنة) تكون في (الأُمة)، ولو قضي عليها في حينها لما وجدت (فتنة) بعدها، ولكنها سنة الله الكونية التي يتبين من خلالها كثير من الأمور الشرعية، ولا سيما تلك التي لها تعلُّق بالنفس البشرية، والقوانين الاجتماعية.
أخرج الإمام أحمد (٥/٤٢): حدثنا روح، ثنا عثمان الشحام، ثنا مسلم ابن أبي بكْرة، عن أبيه أنّ نبي الله ﷺ مرّ برجُلٍ ساجد -وهو ينطلق إلى الصلاة-، فقضى الصَّلاةَ، ورجع عليه وهو ساجد، فقام النبي ﷺ فقال: «من يقتل هذا؟» فقام رجل فَحَسرَ عن يديه فاخترط سيفه وهزَّه، ثم قال: يا نبي الله! بأبي أنت وأمي، كيف أقتل رجلًا ساجدًا يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله؟ ثم قال: «من يقتل هذا؟» فقام رجل فقال: أنا. فحسر عن ذراعيه واخترط سيفه وهزَّه حتى أُرْعدت (١) يده، فقال: يا نبي الله! كيف أقتل رجلًا ساجدًا يشهد أنْ لا إله إلا الله، وأنّ محمدًا عبده ورسوله؟ فقال النبي ﷺ: «والذي نفسي بيده، لو قتلتموه؛ لكان أول فتنة وآخرها» .
وأخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» (رقم ٩٣٨)، والحارث بن أبي أسامة في «مسنده» (٢/٧١٣-٧١٤ رقم ٧٠٣ - «بغية الباحث»)، وأحمد بن منيع في «مسنده» -كما في «إتحاف الخيرة المهرة» (٥/٢٠٤ رقم ٤٦٧٤) -، والبيهقي مختصرًا (٨/١٨٧) من طريق روح بن عبادة، به.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم. وقال الهيثمي (٦/٢٢٥): «رواه أحمد والطبراني من غير بيانٍ شافٍ، ورجال أحمد رجال الصحيح» .
_________________
(١) أُرعدت -على البناء للمجهول-؛ أي: أخذها الاضطراب.
[ ٥٣ ]
وعزاه الحافظ في «الإصابة» (٢/١٧٤-١٧٥) لمحمد بن قدامة والحاكم في «المستدرك»، ولم أره فيه بهذا السياق، وإنما أخرج (٢/١٤٦) من طريقين آخرين عن الشحام بإسناده حديثًا آخر في الخوارج، وصححه على شرط مسلم. قاله شيخنا في «الصحيحة» (٢٤٩٥)، وصححه أحمد شاكر في تعليقه على «المسند» .
وللحديث شاهد من حديث أنس نحوه، وفيه: أنّ الرجل الأول الذي قام لقتله هو أبو بكر، والثاني عمر، وزاد: «فقال رسول الله ﷺ: «أيكم يقوم إلى هذا فيقتله؟» قال علي: أنا. قال رسول الله ﷺ: «أنت له إن أدركته» . فذهب علي فلم يجده، فرجع، فقال رسول الله ﷺ: «أقتلت الرجل؟» قال: لم أدْرِ أين سلك من الأرض، فقال رسول الله ﷺ: «إنّ هذا أوَّلُ قِرْنٍ (١) خرج من أمتي، لو قتلته -أو قتله- ما اختلف من أمتي اثنان» .
أخرجه أبو يعلى (٧/١٥٤-١٥٥ رقم ٤١٢٧)، ومحمد بن نصر المروزي في «السنة» (ص٧١-٧٢ رقم ٥٤)، والبيهقي في «الدلائل» (٦/٢٨٧-٢٨٨)، وأبو نعيم في «الحلية» (٣/٥٢) من طريق يزيد الرقاشي (٢)، قال: حدثني أنس بن مالك، به.
قلت: ورجاله رجال مسلم، غير الرقاشي، وهو ضعيف، وأخرجه من طريقه مختصرًا دون الشاهد: ابن جرير في «التفسير» (٧/٧٤، ٧٥ رقم ٧٥٧٧، ٧٥٧٨ - ط. شاكر)، وابن أبي حاتم في «التفسير» (٣/٧٢٣ رقم ٣٩١٥)، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/٤١٩، ٤١٩-٤٢٠ رقم ٤٤٠، ٤٤١)، واللالكائي في «السنة» (١٤٨)، وأبو القاسم الأصبهاني في «الحجة»
_________________
(١) القِرن -بكسر القاف، وسكون الراء-: المقاوم لك في أيِّ شيء كان.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (١٠/١٥٥ رقم ١٨٦٧٤) عن يزيد الرقاشي مرسلًا.
[ ٥٤ ]
(١/١١٩-١٢٠ رقم ١٨) .
وتابعه موسى بن عبيدة: أخبرني هود بن عطاء، عن أنس، به بنحوه. وفيه أن أبا بكر قال: كرهت أن أقتله وهو يصلي، وقد نَهيتَ عن قتْل المصلِّين.
أخرجه أبو يعلى (رقم٩٠، ٤١٤٣)، والآجري في «الشريعة» (١/٣٤٩-٣٥١ رقم ٥٠) .
قلت: وموسى بن عبيدة متروك. قاله الهيثمي في «المجمع» (٦/٢٧٧)، وفيه هود بن عطاء، قال بن حبان: «لا يحتج به، منكر الرواية على قلّتها» . انظر: «لسان الميزان» (٦/٢٠١) .
وله طريق ثالثة، يرويه عبد الرحمن بن شريك: ثنا أبي، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس، به نحوه.
أخرجه البزار (رقم ١٨٥١ - «زوائده») .
قلت: وهذا إسناد فيه ضعف من أجل شريك وابنه. وقول الهيثمي في «المجمع» (٦/٢٢٧): «رواه البزار باختصار، ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم» فيه لين.
وله طريق رابعة، يرويه أبو معشر عن يعقوب بن زيد بن طلحة، عن زيد ابن أسلم، عن أنس بنحوه، وفيه: «لو قتل اليوم ما اختلف رجُلان منْ أُمَّتي حتى يخرج الدجال» . وفيه قول أبي بكر: «ورأيت للصلاة حرمة وحقًّا» .
أخرجه أبو يعلى (٦/٣٤٠-٣٤٢ رقم ٣٦٦٨)، وابن مردويه -كما في «تفسير ابن كثير» (٢/٦٠٧-٦٠٨) -، وأبو نعيم في «الحلية» (٣/٢٢٦-٢٢٧)، وأخرجه الآجري في «الشريعة» (١/٣٠٩-٣١١ رقم ٢٥) مختصرًا دون الشاهد، ثم وجدته عنده مطولًا بالشاهد (١/٣٤٦-٣٤٩ رقم ٤٩) وإسناده ضعيف، أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن السِّندي، ضعيف، قد أسن واختلط.
[ ٥٥ ]
قال الهيثمي في «المجمع» (٧/٢٥٧-٢٥٨): «رواه أبو يعلى، وفيه أبو معشر نجيح، وفيه ضعف» .
وقال ابن كثير: «هذا حديث غريب جدًّا من هذا الوجه، وبهذا السياق» .
وقال ابن حجر في «المطالب العالية» (١٢/٥٣٨ رقم ٢٩٩٤) على إثره: «هذا حديث غريب، وأبو معشر فيه ضعف» .
قلت: مرادهما بالغربة من هذا الوجه، قال أبو نعيم على إثر هذا الطريق: «هذا حديث غريب من حديث زيد عن أنس، لم نكتبه إلا من حديث أبي معشر عن يعقوب، وقد رواه عن أنس عدة، وقد ذكرناهم في غير هذا الموضع» .
ثم ظفرتُ بطريق أخرى عن أنس.
أخرجه الضياء المقدسي في «المختارة» (٧/٨٨-٩٠ رقم ٢٤٩٧، ٢٤٩٨، ٢٤٩٩) بسند صحيح عن الوليد بن مسلم: ثنا الأوزاعي، عن قتادة، عن أنس رفعه. وهذا إسناد لا علة فيه؛ إنْ سلم من تدليس الوليد.
وله شاهد آخر أخرجه أحمد (٣/١٥): حدثنا بكر بن عيسى، ثنا جامع ابن مطر الحَبَطِيّ، ثنا أبو رُؤبة شداد بن عمران القيسي، عن أبي سعيد الخُدري أنَّ أبا بكر جاء إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله! إني مررتُ بوادي كذا وكذا، فإذا رجل متخشٍّعٌ حسنُ الهيئة يصلِّي. فقال له النبي ﷺ: «اذهب إليه فاقْتله» . قال: فذهب إليه أبو بكر، فلما رآه على تلك الحال كره أن يقتله، فرجع إلى رسول الله ﷺ، قال: فقال النبي ﷺ لعمر: «اذْهَب فاقْتله» . فذهب عمر فرآه على تلك الحال التي رآه أبو بكر، قال: فكره أن يقتله، قال: فرجع، فقال: يا رسول الله! إني رأيته يصلِّي مُتَخشِّعًا فكرهت أنْ أقتله، قال: يا عليّ! «اذهب فاقتله» قال: فذهب عليٌّ فلم يره، فرجع علي، فقال: يا رسول الله! إنه لم يره! قال: فقال ﷺ: «إنّ هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيَهم، يَمْرقُون من الدِّين كما يمْرُقُ السَّهمُ من الرَّمية، ثم لا يعودون فيه،
[ ٥٦ ]
حتى يَعودَ السَّهم في فُوقِه (١)، فاقْتُلوهم، هم شَرُّ البريَّة» .
وأخرجه البخاري في «الكنى» (٩/٣٠) من طريق حفص بن عمر عن جامع، به.
وإسناده رجاله ثقات، غير أبي رؤبة شداد بن عمران، ووقع خلاف شديد في نسبته، فجعله البخاري في «التاريخ الكبير» (٤/٢٢٦) و«الكنى» (٩/٣٠)، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٤/٣٢٩) قشيريًّا، وقال البخاري: «القشيري من قيس» .
وكذا ترجمه ابن حبان (٤/٣٥٨) ونسبه تغلبيًّا، وذكر من الرواة عنه -أيضًا- (يزيد بن عبد الله الشيباني)، إلا أنه ترجم فيه (٤/٣٥٧) لآخر (شداد ابن عبد الرحمن أبو رؤبة القشيري)، وذكر أنه يروي عن أبي سعيد الخدري، وروى عنه أبو حنيفة، وجزم ابن حجر في «تعجيل المنفعة» (ص١٧٤) أنهما واحد، وهذا صحيح.
ولذا جوَّد ابن حجر في «الفتح» (١٢/٢٩٨-٢٩٩) هذا الإسناد، وقال الهيثمي في «المجمع» (٦/٢٢٥): «رواه أحمد، ورجاله ثقات» .
وقال شيخنا الألباني في «الصحيحة» (٥/٦٥٩ رقم ٢٤٩٥): «قلت: وإسناده حسن، رجاله ثقات معروفون، غير أبي رؤبة هذا، وقد وثقه ابن حبان، وروى عنه يزيد بن عبد الله الشيباني -أيضًا-» .
قلت: وجامع بن مطر الحبطي صدوق.
وله شاهد -أيضًا- من حديث طلحة بن نافع عن جابر بن عبد الله، وفيه نحو الطريق الأولى عن أنس، ولكنه مختصر، وفي آخره عن علي: «فانطلق، فوجده قد ذهب» دون الشاهد الذي أوردناه من أجله.
_________________
(١) فُوق السهم: موضع الوتر منه. كذا في «النهاية» .
[ ٥٧ ]
أخرجه أبو يعلى في «المسند» (٤/١٥٠ رقم ٢٢١٥) بسند رجاله رجال الصحيح. قاله الهيثمي في «المجمع» (٦/٢٢٧)
وعزاه البوصيري في «إتحاف الخيرة المهرة» (٥/١٩٨ رقم ٤٦٦٤)، وابن حجر في «المطالب العالية» (١٢/٥٣٦ رقم ٢٩٩٣) إلى أبي بكر بن أبي شيبه وأحمد بن منيع.
وطلحة بن نافع في نفسه صدوق، وروايته عن جابر، قال بعضهم: إنما هي صحيفة، ولكن ثبت أنه كان جاره بمكة ستة أشهر.
وعلى هذا؛ فالإسناد حسن.
وجعل البوصيري ما أخرجه أحمد (٣/٣٥٤-٣٥٥) بسند حسن شاهدًا للحديث، وليس فيه موطن الشاهد!
قال أبو عبيدة: الحديث بمجموع طرقه صحيح -إن شاء الله تعالى-، ولا مغمز فيه، ويحتاج إلى تأمّل وتدبر (١)؛ فإنّ فيه بيانًا: لو قُتِل هذا الرجل -وجاء في مرسل الشعبي (٢) أنه اعترض عليه في قسمة الغنائم، وقال: «إنك لتقسم وما ترى عدلًا» - لما وقعت فتنة بعده أبدًا.
فهذا يفيد البداية والمنشأ، والحديث السابق الذي فيه محاورة عمر مع حذيفة يفيد: لو مات عمر من غير قتل، لهبَّت فتن، ثم أقلعت، وبابها ينغلق، أما إنْ قُتِل، فإنَّ باب الفتن سيبقى مفتوحًا على مصراعيه! فهو يفيد الاشتداد والموج، أما النهاية، فقد أُشير إليها في الطريق الأخيرة من حديث أنس، وفيه:
_________________
(١) اتخذه الموسوي في «مراجعاته» (ص٣٢٦) متكأً في الطعن بأبي بكر وعمر، وسبقه أحمد ابن سعيد الدرجيني الإباضي (ت٦٧٠هـ) في كتابه «طبقات المشايخ بالمغرب» (٢/٢٠٤)، وأقرهما ناصر السابعي الإباضي في كتابه «الخوارج والحقيقة الغائبة»، وأطال الكلام على رد الحديث -انظر كتابه (ص٣٢٧-٣٤٥) - دون قواعد أهل الصنعة، وإنما بتعسّف ظاهر، فلا تغرك جعاجعه وشبهاته حوله!
(٢) أخرجه الأموي في «مغازيه» كما في «فتح الباري» .
[ ٥٨ ]
«لو قتل اليوم ما اختلف رجلان من أُمتي حتى يخرج الدَّجَّال» .
وجاء التصريح في حديث آخر صحيح، أنّ الفتن جميعها ما صُنِعت ووجدت إلا لفتنة الدجال، وهذا البيان:
أخرج أحمد (٥/٣٨٩)، والبزار في «مسنده» (٢٨٠٧ و٢٨٠٨)، وابن حبان (٦٨٠٧)، والطبراني مختصرًا في «الكبير» (٣٠١٨) من طرق عن الأعمش، قال أحمد: عن أبي وائل عن حذيفة. وقال الباقون: عن سليمان بن ميسرة، عن طارق بن شهاب، عن حذيفة، قال: ذكر الدجال عند رسول الله ﷺ، فقال: «لأنا لفتنةِ بعضكم أخوفُ عندي من فتنة الدَّجال، ولن ينجو أحد مما قبلها إلا نجا منها، وما صُنِعت فتنةٌ -منذ كانت الدنيا- صغيرةً ولا كبيرة إلا لفتنة الدَّجال» . لفظ أحمد (١) .
وإسناد أحمد صحيح؛ إن كان الأعمش سمعه من أبي وائل (٢) .
فالفتن سلسلة، آخذة كلُّ حلْقةٍ بأختها، حتى تصل إلى الدجال، والذي خشيه عليها نبيُّنا ﷺ (فتنة بعضنا) من البغي، والظلم، والقتل، وهذا الذي بدأ زمن (الخوارج)، الذين خرجوا من ضئضئ ذاك الرجل، الذي لو قُتِل، لكان أول فتنة وآخرها؛ كما قال النبي ﷺ.
فصل