وهو عند الأول بمعاير الوزن -على ما يلزم من كلامه- نيف وثمانون رطلًا، وكذا قال بعض الباحثين (١): «ومن المحتمل أن يكون هناك مكيال آخر باسم (مُدْي) ذي سعة مختلفة» .
قوله: (درهَمَها): المراد به الجمع، فالواحد يراد به الجمع عند الإضافة، ولهذا شواهدُ عديدةٌ (٢) .
و(الدرهم) عملةٌ ساسانيةٌ متداوَلَةٌ بين أقطار الشرق قبل الإسلام، تشكل مع (الدنانير) البيزنطية السكةَ المتداوَلةَ في بلاد العرب قبل الإسلام، وقد تعامل النبي ﷺ بهذه السكة، وتعامل المسلمون بها (٣)، وقد ورد ذكر الدرهم في القرآن الكريم (٤)، والسنة النبوية (٥)،
وكان هناك درهمٌ (يمنيّ)، وهو المعروف بـ (الدرهم الحِمْيَرِيِّ)، كان يرِدُ إلى الحجاز، ولكن بأعداد قليلة (٦) .
_________________
(١) انظر: «المكاييل في صدر الإسلام» (ص ٣٥) لسامح فهمي، و«الخراج والنظم المالية» (٣٥٠) للريس.
(٢) انظر: تعليق الشيخ محمد خليل هراس على «الأموال» لأبي عبيد (ص ٩١) وما سيأتي قريبًا من كلام القرطبي في «تفسيره» (١٦/٣٥) .
(٣) انظر: «الفتوح» للبلاذري (ص ٢٦٣)، «تحقيق تعريب الكلمة الأعجمية» لابن كمال باشا (ص ٤٣-٤٤ - ط. دار الجيل) .
(٤) في قوله -تعالى-: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ٢٠]، ولم يرد في القرآن في غير هذا الموطن. انظر: «المعجم المفهرس لألفاظ القرآن» (ص ٢٥٧) .
(٥) انظر: «المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي» (٢/١٢٣-١٢٥) . وورد كذلك في بعض الآثار، فأخرج ابن أبي شيبة في «المصنف» (٨/٦٦٥ رقم ٢١٥ - ط. دار الفكر) بإسناد صحيح عن ابن سيرين، قال: «كان ابن عمر يقول: «رحم الله ابن الزبير، أراد دنانير الشام، رحم الله مروان أراد دراهم العراق»» .
(٦) انظر: «الأموال» (ص ٥٢٥) لأبي عبيد، و«النقود والمكاييل والموازين» للمناوي (ص ٣٥ وما بعد)، و«الأموال في دولة الخلافة» لعبد القديم زلوم (ص ٢٠٠-٢٠٤) -وفيه: «أما = الدراهم؛ فقد كانت مختلفة الأوزان وكانت وزن المثقال من الذهب؛ أي: ثمانية دوانق، والدانق =
[ ٢٠٥ ]
قوله: «ودينارها»:
كان المسلمون في زمن النبي ﷺ يتعاملون بالذهب والفضة وزنًا، وكانت دنانير الفرس بين أيديهم، ويردّونها في معاملتهم إلى الوزن، ويتصارفون بها بينهم (١) .
ويقال للدنانير: (الهرقلية)؛ تنسب إلى هرقل عظيم الروم، فكانت العرب تسميها (الهرمكية)، وقد ذكرها كُثيّر عزّة في شعره، فقال (٢):
يروق عيون الناظرات كأنه هرقْليُّ وزْنٍ أحمرُ التبر راجحُ
ويمكن تحديد وزن المثقال للدينار آنذاك بدرجة عالية من الدّقة، ولا يلزمنا هنا أن ننطلق من قطع النقود نفسها، بل من صَنْج الزجاج التي صنعت لتعييرها، إن أكثر الصَّنج الزجاجية التي عُثِرَ عليها حتى الآن دقةً -وترجع إلى سنة ٧٨٠هـ- وتتطابق فيما بينها بفارق لا يتجاوز الثلث المليغرام، تعطينا للدينار وزنًا وسطًا قدره (٤.٢٣١) غم (٣) .
_________________
(١) = قيراطان ونصف، فتكون عشرين قيراطًا، وقد ضُرِبَتْ بهذا الوزن في العهد الساساني وعهد الخلفاء الراشدين والأمويين» . قلت: وعليه؛ فهذا هو مقدارها في هذه (اللفظة) -وإن كان المراد به ما هو من جنسها على الجمع كما قدمناه-، و«فقه الملوك ومفتاح الرتاج» (١/٢٠٦، ٥٨١)، و«مقدمة ابن خلدون» (ص ٢٦١-٢٦٢ - ط. دار القلم، بيروت) -وفيه كلام بديع محرر على مقداره-، و«النقود واستبدال العملات» لعلي السالوس (ص ٣٠-٣٣)، و«شذور العقود في ذكر النقود» (ص ١١٠ وما بعد - ط. محمد عبد الستار عثمان)، و«الميزان في الأقيسة والأوزان» (ص ٥٥) -وفيه ما يعادل الدراهم على اختلاف أوزانها وتعدد أنواعها بالغرام-، و«النقود» (ص ١٤-١٥) لحسين عبد الرحمن، و«موسوعة النقود العربية وعلم النميات، فجر السكة العربية» لعبد الرحمن فهمي (ص ٢٩)، و«تاريخ الإسلام» (٢/٢١٢) .
(٢) «مقدمة ابن خلدون» (٢٦١)، وفيه تفصيل لتأريخ ضرب (الدنانير)، وما كتب عليها.
(٣) البيت في «ديوانه» (١٨٣ - تحقيق د. إحسان عباس) .
(٤) انظر: «إثبات ما ليس منه بد» (ص ١٤٠)، «تخريج الدلالات السمعية» (٦٠٨)، =
[ ٢٠٦ ]
والمراد بـ (الدينار) هنا؛ الجمع، كما قدمناه على (القفيز) و(الدرهم) .
قوله: «إِرْدبَّها»:
(الإرْدبّ) -بالراء والدال المهملتين بعدهما موحدة-: مكيال معروف لأهل مصر. قال الأزهري في «تهذيب اللغة» (١) وغيره:
«يأخذ أربعة وعشرين صاعًا من الطعام بصاع النبي ﷺ، والإردب أربعة وستون مَنًّا بمَنِّ بلدنا» . كذا في جل شروح الحديث (٢)، وبعضهم زاد: «والهمزة زائدة مكسورة» (٣) .
وفي «القاموس» (ص ١١٤)، مادة (ردب): «الإرْدَب -كقِرْشَبٍّ-: مكيالٌ ضخمٌ بمصر، يضمّ أربعةً وعشرين صاعًا» . ونقله صاحب «عون المعبود» (٨/٢٨٢) .
وقدره البغوي في «شرح السنة» (١١/١٧٨) والمناوي في «التوقيف على مهمات التعاريف» (ص ٥٠) بأربعةٍ وستين مَنًّا، ولا يزال هذا المكيال
_________________
(١) = «التراتيب الإدارية» (١/٤١٦)، «موسوعة النقود العربية» (٣٠) لعبد الرحمن فهمي، «الدينار الإسلامي» (١١) لناصر النقشبندي، «النقود واستبدال العملات» لسالوس (ص ٢٧-٣٣)، «النقود العباسية» (١٠٠) ليوسف غنيمة، «الميزان في الأقيسة والأوزان» (٤٨)، «المكاييل والأوزان الإسلامية» (٩)، «تاريخ التمدن الإسلامي» (١/١٤١)، ومقالة موسى المازندراني «تاريخ النقود الإسلامية» منشورة في مجلة «الاجتهاد» ببيروت، العددان (٣٤، ٣٥)، سنة١٩٩٧م، (ص ٤٤٦ وما بعد)، وما قدمناه في الإحالات على التعريف بـ (الدرهم) .
(٢) (١٤/١٠٤) .
(٣) انظر: «كشف المشكل من حديث الصحيحين» (٣/٥٦٧)، «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٨/٢٨ - ط. قرطبة)، «معالم السنن» (٤/٢٤٨)، «الديباج على صحيح مسلم» (٦/٢٢٣)، «تكملة فتح الملهم» (٦/٢٩٢)، «السراج الوهاج» (١١/٣٦٧)، «النهاية في غريب الحديث» (١/٣٧) .
(٤) «بذل المجهود» (١٣/٣٧٤) و«درجات مرقاة الصعود» (ص ١٢٨) .
[ ٢٠٧ ]
مستخدمًا في مصر (١)، وذكر بعض المعاصرين (٢) أنواعًا كثيرة للأرادب.
ويقدر الإردب بـ (١٩٨) لترًا، ويوافق هذا (١٥٠) كغم من القمح، أو (١٣٠) كغم من الشعير، أو (١٤٠) كغم من الذرة، أو (١٥٥) كغم من الفول، أو (١٥٧) كغم من العدس (٣) .
والمراد هنا الجمع، كما قدمناه عن نظائره.
فصل