ضل به ضلالًا كبيرًا» (١) .
ووقت الفتنة: الجهل وقلة العلم والإيمان، وذهاب العدل في الأمة، وعدم إشراق نور النبوة، وعدم ظهور سلطان الحجة، والعمل من أمام العلماء والتقدم عليهم، وانتقاصهم، وقطع العامة عنهم، والطعن في الأحكام الشرعية المستفادة من نصوص الشرع، والفُرقة والاختلاف.
قال ابن تيمية بعد كلام: «وكان شيطان الخوارج مقموعًا لما كان المسلمون مجتمعين في عهد الخلفاء الثلاثة؛ أبي بكر وعمر وعثمان، فلما افترقت الأمة في خلافة علي -﵁-، وجد شيطان الخوارج موضع الخروج، فخرجوا، وكفّروا عليًّا ومعاوية ومن والاهما » (٢) .
والشاهد من هذا كلِّه: أن النبي ﷺ بيّن منشأ الفتن، ووقت اشتدادها، والطريق التي توصل إلى (الدجال)، ومن المعلوم بيقين أن بدعة (الخروج) -وهي أول بدعة عقدية حدثت في الأمة- ابتدأت من العراق، وهاجت منها على كثير من البلدان، في سائر الأزمان، وستتوالى وتشتد، وقد شاهدنا بعض ذلك بارزًا للعيان، ولا قوة إلا بالله.
فصل
مكان الفتنة
ومكانها: الوصول إلى كل مكان بمرور الزمان، ولكن لها محل تنزله، وتستقر به، ثم تهيّج منه، وهو العراق بخاصة، وجهة شرق المدينة بعامة.
أجاب الشيخ مقبل بن هادي -رحمه الله تعالى- عن سؤال في بيان
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٤/٢٥٥) .
(٢) «مجموع الفتاوى» (١٩/٨٩) .
[ ١٦٣ ]
معنى (نجد) (١): أهي نجد الحجاز أم هي نجد العراق؟ فقال:
«الذي يظهر أنها تشمل هذا وهذا، فنجد عبارة عن ما ارتفع من الأرض، والعراق مرتفع، ويسمى نجدًا، وهكذا -أيضًا- اليمامة وغيرها فهو مرتفع، ويسمى نجدًا، ولكن إخواننا النجديين يريدون أن يرموا به أهل العراق، فالظاهر أنه يشمل هذا وهذا، وإن جاء في بعض الروايات العراق، فهو يحمل على أنه جاهل في نجد بدليل أنها كلها المشرق، والنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أخبر أن الشمس تطلع بين قرني شيطان فكلها في المشرق، والظاهر أنه يشمل هذا وهذا، والله أعلم» (٢) انتهى.
قال أبو عبيدة: ويتقوى هذا العموم بالمحاورة التي جرت بين النبي ﷺ وعيينة بن حصن، فإنّ فيها المفاضلة الظاهرة بين رجال (نجد) و(أهل اليمن) .
أخرج النسائي في «السنن الكبرى» (٨٣٥١)، وأحمد في «المسند» (٤/٣٨٧) وفي «فضائل الصحابة» (١٦٥٠)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٢٢٦٩، ٢٢٨٢)، والطبراني في «مسند الشاميين» (٩٦٩، ٢٠٤٠)، والحاكم في «المستدرك» (٤/٨١) من طريق عبد الرحمن بن عائذ الأزدي، والبخاري في «التاريخ الكبير» (٤/٢٤٨-٢٤٩ - مختصرًا)، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (١/٣٢٧-٣٢٨)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٢٢٧٠، ٢٢٨٣)، والطحاوي في «المشكل» (٨٠٤) من طريق جبير بن نُفير؛ كلاهما عن عمرو بن عبسة، قال: عرضت الخيل على رسول الله -﵇وعنده عيينة بن بدر-، فقال رسول الله ﷺ لعيينة: «أنا أفرس بالخيل منك»، فقال عيينة: إن تكن أفرس بالخيل مني، فأنا أفرس بالرجال منك، قال:
_________________
(١) الواردة في الأحاديث المتقدمة.
(٢) «المصارعة» (ص ٤٠١-٤٠٢) . وانظر: «موقف المسلم من الفتن» (ص ١٦٢-١٦٣) .
[ ١٦٤ ]
«وكيف؟»، قال: إن خير رجال لبسوا البُرُد، ووضعوا سيوفهم على عواتقهم، وعرضوا الرماح على مناسج خيولهم، رجال نجد. فقال رسول الله ﷺ: «كذبت، بل هم أهل اليمن، والإيمان يمان إلى لخْم، وجُذَام، وعامِلَة، ومأكول حمير خيرٌ من أكلها، وحضرموت خير من بني الحارث» وسمى الأقيال الأنكال (١) .
وإسناده صحيح (٢) .
وليس مراد عيينة (رجال نجد) أهل العراق خاصة، إذ هو يتكلم على قبائل معروفة، ولها أماكن معلومة.
وهذا الذي استظهرته معروف عند العلماء، ومن الخطإ العلمي المنهجي إسقاط الحادث الذي لم يعرفه المخاطبون -فضلًا عن المتحاورين كما في الحديث السابق- على أشياء ما دارت في خيالهم، وما سنحت في بالهم، فحصر الفتن في (العرق)، وكون (الفتن) تهيج منها فحسب، تضييق لا داعي له، وحمل الأحاديث التي فيها (ذكر المشرق) على عمومها أحسن وأظهر وأقوى، إذ حمل النصوص على (التأسيس) مقدم عند العلماء على حملها على (التأكيد)، والواقع -قديمًا وحديثًا- يؤكد ذلك ويؤيده.
ويعجبني بهذا الصدد: تبويب ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (٣/٢٨٨-٢٨٩)، فإنه أورد جملة من ألفاظ الأحاديث التي سقناها في أول هذا الفصل، وبوب عليها (فصل: إشارات نبوية إلى ما يقع من شرق المدينة ويمنها ونجدها) .
_________________
(١) (الأقيال) جمع (قَيل)؛ وهو: الملك من ملوك حمير، يتقَيَّل مَنْ قبْلَه من ملوكهم؛ أي: يشبهه. و(الأنكال) جمع (نَكَل)؛ وهو: الرجل القوي المجرِّب الشجاع، وتحرف في مطبوع «المعرفة والتاريخ» إلى «الأنفال» !! فليصحح.
(٢) انظر: «مجمع الزوائد» (١٠/٤٣، ٤٤) .
[ ١٦٥ ]
وقال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٢٧/٢٤٦-٢٤٧) في شرح حديث: «إن الفتنة ها هنا»:
«إشارة رسول الله ﷺوالله أعلم- إلى ناحية المشرق بالفتنة؛ لأن الفتنة الكبرى التي كانت مفتاح فساد ذات البين هي قتل عثمان بن عفان -﵁-، وهي كانت سبب وقعة الجمل، وحروب صفين، كانت في ناحية المشرق، ثم ظهور الخوارج في أرض نجد والعراق، وما وراءها من المشرق.
روينا عن حذيفة -﵁- أنه قال: أول الفتن قتل عثمان، وآخرها الدجال (١) .
_________________
(١) أخرجه الدينوري في «المجالسة» (٢/١٦٤ رقم ٢٨٦ - بتحقيقي) -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (ص ٤٥٩ - ترجمة عثمان) - من طريق زيد بن وهب، عن حذيفة، به. وله تتمة استنكرها الفسوي في «المعرفة والتاريخ» (٢/٧٦٩) من أجلها، وتعقبه الذهبي في «الميزان» (٢/١٠٧) بقوله: «فهذا الذي استنكره الفسوي من حديثه ما سبق إليه، ولو فتحنا هذه الوساوس علينا، لرددنا كثيرًا من السنن الثابتة بالوهم الفاسد» . وأخرج البخاري (٧٠٦٠)، ومسلم (٢٨٨٥) بسنديهما إلى أسامة بن زيد، قال: أشرف النبي - ﷺ - على أُطُم من آطام المدينة، فقال: «هل ترون ما أرى؟» قالوا: لا. قال: «فإني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كموقع القطر» . قال ابن حجر في «الفتح» (١٣/١٦) في شرحه: «شبه سقوط الفتن وكثرتها بسقوط القطر في الكثرة والعموم، وهذا من علامات النبوة لإخباره بما سيكون، وقد ظهر مصداق ذلك من قتل عثمان وهلم جرًا، ولا سيما يوم الحرة» . وقال -أيضًا-: «إنما اختصت المدينة بذلك؛ لأن قتل عثمان -﵁- كان بها، ثم انتشرت الفتن في البلاد بعد ذلك، فالقتال بالجمل وبصفين كان بسبب قتل عثمان، والقتال بالنهروان، كان بسبب التحكيم بصفين، وكل قتال وقع في ذلك العصر إنما تولد عن شيء من ذلك أو عن شيء تولد عنه، ثم إن قتل عثمان كان أشد أسبابه الطعن على أمرائه، ثم عليه بتوليته لهم، وأول ما نشأ ذلك من العراق، وهي من جهة المشرق وحسن التشبيه بالمطر لإرادة التعميم؛ لأنه إذا وقع في أرض معينة عمها ولو في بعض جهاتها» . =
[ ١٦٦ ]