فيما ذكر للكوفة والبصرة أو إحديهما
أخرج أحمد (٥/٣٨٥) وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٦/٦-٧) والبزار في «البحر الزخار» (٧/٣٤٧-٣٤٨ رقم ٢٩٤٤) من طرق عن محمد ابن عبيد الطنافسي: حدثنا يوسف -يعني: ابن صُهيب- عن موسى بن أبي المختار، عن بلال العبسي، قال:
قال حذيفة: ما أَخبيةٌ بعد أَخبيةٍ كانت مع رسول الله ﷺ ببدرٍ يُدفعُ عنهم، ما يُدْفعُ عن أهل هذه الأخبية (٢)، ولا يُريد بهم قومٌ سوءًا إلا أتاهم ما يشغلهم عنه. لفظ أحمد، وليس عند البزار «ببدر»، وآخره عنده: «ولا يريدهم قوم بسوء إلا أتاهم الله بما يشغلهم عنهم» (٣)، وقال البزار عقبه:
«يعني الكوفة»، وقال:
_________________
(١) يحتمل -أيضًا- أن تكون النكرة في آخره، ولا سيما مع عرضه على سائر النصوص، والظاهر من كلامه ما قدمناه من عدم قبوله جملةً، دون هذه التفريعات والتفصيلات، وإلا لصرّح بذلك، وليته فعل!
(٢) الأخبية: جمع خباء؛ وهي البيوت، والمراد بهم أهل الكوفة، وسيأتي إيضاحه مفصلًا.
(٣) وكذا آخره عند ابن سعد، ولفظه: «إلا أتاهم ما يشغلهم عنهم» .
[ ٣٢٤ ]
«وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن بلال بن يحيى عن حذيفة إلا بهذا الإسناد» .
قلت: وأورده ابن سعد في (طبقات الكوفيين: تسمية من نزل الكوفة من أصحاب رسول الله ﷺ ) وبوب عليه في «كشف الأستار» (٣/٣٢٤ رقم ٢٨٥٤) (باب في أهل الكوفة) .
وأخرجه الطبراني في «الأوسط» (٤/٤٠ رقم ٣٠٥٢ - ط. المعارف) من طريق الزِّبرقان عن موسى بن المختار، به، وآخره عنده:
««ما يدفع الله عن هذه الأخبية»؛ يعني: الكوفة»، ونقله عنه هكذا الهيثمي في «المجمع» (١٠/٦٤)، وقال:
«رجال أحمد والبزار ثقات» .
قال أبو عبيدة: فيه موسى بن أبي المختار مجهول، تفرد بالرواية عنه يوسف بن صهيب، ولم يوثقه غير ابن حبان (٧/٤٥٦)، وترجمه ابن أبي حاتم (٨/١٦٤) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
وبلال بن يحيى العبسي، مختلف في سماعه من حذيفة، قال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٢/٣٩٦): «وجدته يقول: بلغني عن حذيفة»، وقال أبو الحسن القطان: هو ثقة، روى عن حذيفة أحاديث معنعنة، ليس في شيء منها ذكر سماع، أما الترمذي فقد حسّن له حديثًا من روايته عن حذيفة. وقال ابن معين: روايته عن حذيفة مرسلة (١) .
وظفرتُ له بطريق أخرى عن بلال:
أخرجه أحمد (٥/٣٩١) بسندٍ صحيح إلى بلال عن حذيفة، قال:
_________________
(١) انظر: «التهذيب» (١/٤٤٣)، و«جامع التحصيل» (ص ١٥١/رقم ٦٩)، و«تحفة التحصيل»: (ص ٤٠) .
[ ٣٢٥ ]
«ما أخبيةٌ بعد أخبية، كانت مع رسول الله ﷺ، يُدفع عنها من المكروه أكثر من أخبية وُضعت في هذه البقعة» .
وورد هذا الخبر من طرق كثيرة بعضها صحيح لذاته، مثل:
ما أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٢/١٨٨ - ط. الهندية أو ٧/٤، ٥ - ط. دار الفكر)، وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٦/٦) عن وكيع، عن مسعر، عن الركين بن الربيع الفزاري، عن أبيه، قال: قال حذيفة مثل اللفظ الأول، وفي آخره: «يعني الكوفة» .
وإسناده صحيح.
وأخرجه ابن أبي شيبة (١٢/١٨٦ - ط. الهندية أو ٧/٥٥٣ - ط. دار الفكر)، وابن سعد (٦/٦) من طريق الأعمش عن عمرو بن مرة المرادي، عن سالم بن أبي الجعد، عن حذيفة، قال:
«ما يدفع الله عن أخبية على وجه الأرض ما يدفع عن أخبية بالكوفة، ليس أخبية كانت مع محمد ﷺ» .
ورجاله ثقات إلا أن سالمًا لا تعرف له رواية عن حذيفة، وهو كثير الإرسال (١) .
وأخرجه ابن سعد (٦/٦) عن مغيث البكري عن حذيفة قال: «والله ما يُدفع عن أهل قرية ما يُدفع عن هذه -يعني: الكوفة- إلا أصحاب محمد الذين اتبعوه» .
وأخرجه الطيالسي (٢) في «المسند» (ص ٥٩/رقم ٤٤٠) بسندٍ صحيح
_________________
(١) انظر: «تهذيب الكمال» (١٠/١٣٠-١٣٣)، «جامع التحصيل» (ص ١٧٩-١٨٠ رقم ٢١٨)، «تحفة التحصيل» (ص ١٢٠-١٢١) .
(٢) من الجدير بالذكر أن ابن حجر في «المطالب العالية» (١٧/١٥٠ رقم ٤١٩٤ - ط. العاصمة) وضع هذه الرواية في (باب فضل البلدان) وبوب عليها (باب البصرة والكوفة) .
[ ٣٢٦ ]
إلى نعيم بن أبي هند (١) قال: قال حذيفة -﵁-:
«ما رأيت أخصاصًا إلا أخصاصًا كانت مع رسول الله ﷺ ما يدفع عن هذه، يعني: الكوفة» .
قال الطيالسي عقبه: «الأخصاص: بيوت عندنا من قصب» .
ولم يقتصر هذا المعنى على (حذيفة)؛ وإنما ذكره سلمان -أيضًا -﵄-، وهذا يدل على أن له حكم الرفع (٢) .
أخرجه ابن سعد (٦/٦): أخبرنا الفضل بن دُكين، حدثنا موسى بن قيس الحضرمي، عن سلمة بن كهيل عن سلمان، قال:
وما يُدفع عن أرض بعد أخبية مع رسول الله ﷺ ما يُدفع عن الكوفة، ولا يريدها أحد خاربًا إلا أهلكه الله، ولتصيرنّ يومًا وما من مؤمن إلا بها أو يصير هواه بها» .
وسلمة بن كهيل لم يدرك سلمان.
وقد دفع الله عن أهل الكوفة في عصر الصحابة -﵃- كلَّ شرٍّ وسوء وبلاء، وأصبحت مهوى المؤمنين، وانتشرت منها الفتوحات، فعمل
_________________
(١) في سماعه من حذيفة نظر، حذيفة توفي سنة ست وثلاثين، ونعيم سنة عشر ومئة، وانظر: «تهذيب الكمال» (٢٩/٤٩٧-٤٩٩) .
(٢) تذكر قول حذيفة: «قام فينا رسول الله - ﷺ - مقامًا، فحدَّثنا بما هو كائن إلى قيام الساعة، فحفظه من حفظه، ونسيه من نسيه» أخرجه البخاري (٦٦٠٤)، ومسلم (٢٨٩١) . وقد كان النبي - ﷺ - يرتّل كلامه ويفسِّره، فلعله قال في مجلسه ذلك ما يُكتب في جزء، فذكر أكبر الكوائن، ولو ذكر ما هو كائن في الوجود، لما تهيّأ أن يقوله في سنة، بل ولا في أعوام، ففكر في هذا. قاله الذهبي في «السير» (٢/٣٦٦) . قلت: وأكبر الكوائن التي تخص الفتن فيما مضى، وما عايشناه، وما أخبرنا عنه النبي - ﷺ - فيما بلغنا وتحققنا ثبوته في العراق (عراق العرب والعجم) .
[ ٣٢٧ ]
الصحابة والتابعون من خلالها على فتح البلاد بالجلاد، وفتح قلوب العباد بالتعليم والحُجج والبراهين، فاجتمعت لهم -﵃- فروسيتان: فروسية العلم والبيان، وفروسية السيف والسنان (١)، وكان دفع الله عنهم، ونصرته لهم خارج (جزيرة العرب)، كدفع الله عن أهل بدر وحفظه لهم، ونشرهم الإسلام فيها، فرضي الله عنهم جميعًا (٢) .
ثم استمر الحال بخير وعافية، وأمن وإيمان، حتى وقع ما ليس بالحسبان، من توالي الفتن واشتدادها على مرّ الزمان، والله المستعان، لا ربّ سواه.
أخرج ابن أبي شيبة في «المصنف» (٨/٦٣٨ رقم ٢٩١) بسندٍ صحيح
_________________
(١) ومن لم يكن من أهل هاتين الفروسيتين، ولا ردءًا لأهلهما؛ فهو كلّ على نوع بني الإنسان.
(٢) ذكر مسلم في كتابه «الطبقات»: (٨٩) صحابيًا و(١١) صحابية ممن سكن الكوفة، بينما ذكر (٤٦١) من تابعي أهل الكوفة، فالنشاط الحديثي -إذ مسلم اقتصر على ما يخص علم الحديث- فيها كاد أن يضاهي المدينة، ولا عجب من ذلك؛ فرجال العلم وُجدوا حيث كانت مراكز الثقافة، وقد كان -أيضًا- للدور السياسي الذي لعبته الكوفة في القرن الأول الهجري خاصة أثر كبير في تنشيط الرواية فيها، أما دور البصرة في الرواية؛ فهو يلي دور الكوفة، فقد نزلها (٦١) صحابيًّا، و(٤) صحابيات، و(٢٩٤) تابعيًا. وسمى الذهبي في كتابه «الأمصار ذوات الآثار» (ص ١٧٤-١٧٧) أعيان الصحابة والتابعين ومشاهير الخالفين ممن سكن الكوفة، وقال: «وما زال العلم بها متوفرًا»، قال: «ثم تناقص شيئًا فشيئًا، وتلاشى، وهي الآن دار الروافض» . وقال في «تذكرة الحفاظ» (٣/٨٤٠): «الكوفة تَغلي بالتشيّع، وتفور، والسُّنيُّ فيها طُرفة» . قلت: ومن وضع الرافضة على عليّ -﵁- ما أخرجه ابن سعد في «طبقاته» (٦/٦) بسندٍ فيه وضاع، قال: «الكوفة جمجمة الإسلام، وكنز الإيمان، وسيف الله ورمحه، يضعه حيث يشاء، وأيمُ الله! ليُنصَرنَّ الله بأهلها في مشارق الأرض ومغاربها كما انتصر بالحجارة» . ونحوه حديث مرفوع آخر عند ابن عساكر، فيه: «الكوفة فسطاط الإسلام، والبصرة فخر العابدين»، انظره بطوله في «اللآلئ المصنوعة» (٢/٤٦٦-٤٦٧) .
[ ٣٢٨ ]
إلى حذيفة يخاطب أهل الكوفة:
«ليوشكنّ أن يصبّ عليكم الشر من السماء حتى يبلغ الفيافي، قال: قيل: وما الفيافي يا أبا عبد الله؟ قال: الأرض القفر» .
وأخرج -أيضًا- (٨/٦٢٧-٦٢٨ رقم ٣٣٠) بسندٍ صحيح على شرط الشيخين عن مسروق، قال: أشرف عبد الله -أي: ابن مسعود- على داره -أي: في الكوفة-، فقال:
أعظم بها حرمة، ليحطبنّ. فقيل: ممن؟ فقال: أناس يأتون من ههنا، وأشار أبو حصين -الراوي عن يحيى بن وثّاب عن مسروق، واسمه عثمان بن عاصم- بيده نحو المغرب.
وأخرج ابن أبي شيبة (٨/٦٣٩ رقم ٢٩٩) بسندٍ صحيح عن أبي موسى الأشعري، قال: إن لهذه -يعني: البصرة- أربعة أسماء: البصرة، والخريبة، وتدمر، والمؤتفكة.
وأخرج أبو عمرو الداني في «الفتن» (٤/٩٠٨ رقم ٤٧١) بسندٍ فيه ضعف (١) عن عليّ قال: لتغرقنّ البصرة -أو لتحرقن- كأني بمسجدها وبيت مالها كأنه جؤجؤ (٢) سفينته» .
وله طريق أخرى فيها انقطاع، أخرجه عبد الرزاق (١١/٢٥٢ رقم ٢٠٤٦٣) عن معمر، عن قتادة: أنّ عليًّا قال: «تخرب البصرة إما بحريق وإما بغرق، » مثله.
ثم ظفرتُ له بطريق ثالثة، ولكنها ضعيفة.
_________________
(١) راويه عن عليّ أبو خيرة، وله عنه أثر آخر في «تاريخ دمشق» (١٢/ق٣٩٥) نعت فيه: «وكان من أصحاب عليّ» .
(٢) الجؤجؤ: الصدر، وقيل: عظامه، والجمع (الجآجي)، انظر: «النهاية» (١/٢٣٢) .
[ ٣٢٩ ]
أخرج الدارقطني في «المؤتلف والمختلف» (٢/٥٥٩) من طريق سيف ابن عمر، عن حَصيرة بن عبد الله والحارث بن حَصيرة -ابنه- كلاهما عن أبي صادق، قال: قال علي -﵁-:
«ويلكِ يا كوفة، وأختك البُصَيْرة، كأني بكما تُمَدَّانِ مَدَّ الأديم، وتُعركان عَرْك الأديم (١) العُكاظِيّ، سَلمْتُما بَعدُ -أو سجيتُما-، إني لأعلم فيما علَّمني الله أنّه لا يريدُ بكما جبّار سُوءًا، إلا أتاه اللهُ بشاغل» .
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي، صاحب كتاب «الردة»، الكوفي، ضعيف الحديث، عمدة في التاريخ، أفحش ابن حبان القول فيه. قاله ابن حجر في «التقريب» (ص ٢٦٢/رقم ٢٧٢٤) .
والحارث بن حَصيرة، صدوق يخطئ، وروايته مقرونة مع رواية أبيه.
وأخرج عبد الله بن أحمد في «زيادات الزهد»: حدثني عمر بن شبة (٢)، حدثني يحيى بن بسطام، حدثني أنيس بن سوار، حدثنا مالك بن دينار، عن الأحنف بن قيس، قال: أتيتُ المدينة في إمارة عثمان -﵁-، فإذا رجل كث اللحية، قعد لهم وأغلظ، فتفرقوا، فقلت: يا عبد الله! ما أراك إلا قد أسأت، قال: إن هؤلاء مداهنون، أتعرفني؟ قلت: لا، قال: أنا أبو ذر، فمن أنت؟ قلت: من أهل البصرة، فقال: ألا أحدثك حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ يقول: بلايا بالعراق، وذلك بالكوفة، فأما أهل البصرة فأقوم الأمصار قبلة، وأكثره مؤذنًا، يدفع الله عنهم ما يكرهون (٣) .
_________________
(١) سيأتي (ص ٥٢١) نحوه من كلام كعب الأحبار، وسيأتي بيان معناه.
(٢) له «أخبار البصرة»؛ مفقود من قديم، قال الذهبي في «السير» (١٢/٣٧١): «لم نره»، ووصفه بأنه كبير، وفي «الفتح» نقولات مليحة منه، ولا سيما في الفتنة التي جرت بين الصحابة تأذن بوقوف ابن حجر عليه، انظر تعليقنا عليه في: «معجم المصنفات الواردة في فتح الباري» (ص ٤٥) .
(٣) عزاه ابن حجر في «المطالب العالية» (١٧/١٤٦ رقم ٤١٩٣) لعبد الله بن أحمد في «زيادات الزهد»، وهو ليس في القسم المطبوع منه.
[ ٣٣٠ ]
وأخرج عبد الله فيه -أيضًا-، قال:
حدثنا أبو إسحاق الطبري، حدثنا هاشم بن القاسم، عن صالح المري، عن سعيد الربعي، عن مالك بن دينار، عن الأحنف، عن أبي ذر -﵁-، قال: إن النبي ﷺ ذكر أهل الكوفة، فذكر أنه ستنزل بهم بلايا عظام. ثم ذكر أهل البصرة، فذكر أنهم أفضل أهل الأمصار قبلة، وأكثرهم مؤذنًا، يدفع عنهم ما يكرهون (١) .
وأخرج أبو نعيم في «الحلية» (٦/٢٤٩) -ومن طريقه الديلمي (٢) في «الفردوس» (١/ق٣٤١ - «زهر الفردوس») وابن الجوزي في «الواهيات» (١/٣١٢ رقم ٥٠٠) - قال:
حدثنا أبو بكر بن خلاد، ثنا محمد بن يونس، ثنا محمد بن عباد المهلبي، ثنا صالح المري، عن المغيرة بن حبيب صهر مالك، قال: قلت لمالك بن دينار (٣): يا أبا يحيى! لوذهبت بنا إلى بعض جزائر البحر، فكنا فيها حتى يسكن أمر الناس؟ فقال: ما كنت بالذي أفعل، حدثني الأحنف بن قيس، عن أبي ذر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إني لأعرف أرضًا يقال لها البصرة، أقومها قبلة، وأكثرها مساجد ومؤذنين، يدفع عنها من البلاء ما لم يدفع عن سائر البلاد» (٤) .
_________________
(١) عزاه ابن حجر في «المطالب العالية» (١٧/١٤٩ رقم ٤١٩٣)، والسيوطي في «الخصائص الكبرى» (٢/١٥١) لعبد الله بن أحمد في «زيادات الزهد»، وهو ليس في القسم المطبوع منه.
(٢) وهو في المطبوع (١/٥٩ رقم ١٦٥) دون سند! ولم يعزه في «كنز العمال» (١٢/٣٠٨ رقم ٣٥١٥١) إلا له!
(٣) في المطبوع: «دينا» دون راء في آخره!
(٤) بوّب عليه الهيثمي في «تقريب البغية بترتيب أحاديث الحلية» (٣/٢٤٥ رقم ٣٦٨٩): (باب فضل البصرة) .
[ ٣٣١ ]
قال أبو نعيم على إثره: «غريب من حديث المغيرة وصالح، رواه الجراح بن مخلد عن محمد بن عباد، رواه القاسم بن محمد بن عباد عن أبيه، مثله» .
قلت: وأخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٨/٤١٩) من طريق رجاء بن محمد عن محمد بن عباد، به.
وسأل ابن أبي حاتم في «العلل» (٢/٤٣٥ رقم ٢٨١١) عن حديث رواه عمرو بن علي الصيرفي، عن محمد بن غسان، عن صالح المري، به، أباه، فقال: «هذا حديث منكر، ليس بقوي» .
وعزاه ابن عرّاق في «تنزيه الشريعة» (٢/٥٨ رقم ٣٣) إلى ابن قانع (١) من حديث أبي ذر، وقال: «فيه الكديمي» .
وقال ابن الجوزي قبله في «الواهيات» (١/٣١٢) تحت عنوان (حديث في فضل البصرة): «هذا حديث لا يصح، وفيه محمد بن يونس الكديمي، قال ابن حبان (٢): كان يضع على الثقات الحديث وَضعًا، لعله قد وضع أكثر من ألف حديث» .
قال أبو عبيدة: الأسانيد الثلاثة السابقة ضعيفة، وآخرها أضعفها، وصالح المري ضعيف، واضطرب فيه، فشيخه في الإسناد الثاني (سعيد بن سلمان -أو سليمان- الرَّبعي) مقبول، وفي الذي بعده (المغيرة بن حبيب صهر مالك ابن دينار)، أورده الذهبي في «الميزان» لقول الأزدي فيه: «منكر الحديث»، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٧/٤٦٦)، وقال: «يغرب»، وروى عنه جمع، فيما سمّىابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٨/٢٢٠ رقم ٩٩١)، وابن
_________________
(١) وهو غير موجود في ترجمة (أبي ذر: جندُب بن جنادة) (٣/٩٩٦-١٠٠٥ رقم ١٣٩ - ط. الباز) .
(٢) في «المجروحين» (٢/٣١٣) .
[ ٣٣٢ ]
حبان، «فمثله تطمئن النفس لحديثه، لرواية هذا الجمع من الثقات عنه، دون أن يعرف بما يسقِطُ حديثَه، وأما قول الأزدي: «منكر الحديث»؛ فمما لا يلتفت إليه؛ لأنه معروف بالتعنُّت في (التجريح)، فلعله من أجل ذلك لم يورده الذهبي في كتابه الآخر «الضعفاء» ولا في «ذيله»، والله أعلم» (١) .
ومالك بن دينار صدوق عابد.
فهذه الأسانيد ضعيفة، لا تنهض بالاحتجاج، ولا تتقوّى بتعدد الطرق، وتذكر للاستئناس عند الجمع، من باب تكثير العساكر والجيوش، وإن لم تكن بذاك، فالكثرة لها أثر في النفوس، على منهج أئمة الهدى في التصنيف في المواضيع المفردة في المسائل الخاصة، من باب التقميش الذي يتبعه التفتيش، كما حصل لابن القيم في «اجتماع الجيوش»، والذهبي في «العلو» و«العرش»، وغيرهما كثير كثير.
أخرج أبو داود (٢) في «سننه» في كتاب الملاحم (باب في ذكر البصرة) (٤/١١٣ رقم ٤٣٠٧):
حدثنا عبد الله بن الصباح، ثنا عبد العزيز بن عبد الصمد، ثنا موسى الحناط، لا أعلمه إلا ذكره عن موسى بن أنس، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال له: «يا أنس! إن الناس يُمَصِّرون أمصارًا، وإن مصرًا منها يقال له البصرة أو البصيرة، فإن أنت مررت بها، أو دخلتها؛ فإياك وسِباخَها وكِلاءَها وسوقَها وبابَ أمرائها، وعليك بضواحيها؛ فإنه يكون بها خَسْفٌ وقذْفٌ ورَجْفٌ، وقوم يبيتون يصبحون قردة وخنازير» .
وإسناده صحيح.
_________________
(١) «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (١/٥٨٦)، وانظر: «معجم أسامي الرواة الذين ترجم لهم العلامة الألباني» (٤/١٧٠-١٧١) .
(٢) لم يعزه في «كنز العمال» (١٢/٣٠٧ رقم ٣٥١٥٠) إلا له!
[ ٣٣٣ ]
وصححه شيخنا الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٤٣٠٧) و«مشكاة المصابيح» (٣/١٤٩٦ رقم ٥٤٣٣) .
واعترض على هذا التصحيح بشك موسى الحناط في شيخه! قال المنذري في «مختصر سنن أبي داود» (٦/١٧٠): «لم يجزم الراوي به، قال: لا أعلمه إلا ذكره عن موسى بن أنس»، وأعله به المعلمي اليماني في تعليقه على «الفوائد المجموعة» (١)، وزاد: «وهذا إذا انضم إلى كون المتن منكرًا» !!
وسبقت الإجابة على النكرة، أما الشك فليس بعلة، وأجاب على ذلك ابن حجر في «أجوبته عن أحاديث المصابيح» (٣/١٧٨٧ - «المشكاة») (الحديث الخامس عشر)، قال عقب إيراده بسنده ومتنه: «ورجاله ثقات، ليس فيه إلا قول أنس: لا أعلمه إلا عن موسى بن أنس، ولا يلزم من شكه في شيخه الذي حدثه به أن يكون شيخه فيه ضعيفًا، فضلًا عن أن يكون كذابًا، وتفرد به، والواقع [أنه] لم ينفرد به، بل أخرج أبو داود -أيضًا- لأصله شاهدًا بسند صحيح من حديث سفينة مولى رسول الله ﷺ» (٢) .
قال أبو عبيدة: لم أظفر بحديث سفينة عند أبي داود، ولا غيره مع طول بحث وكثرة فتْش، ثم وجدتُ بعض الباحثين (٣) المعاصرين يقول في كتابه «النقد الصريح لأجوبة الحافظ ابن حجر من أحاديث المصابيح» (ص ٨٨-٨٩)، وأورد طريق النضر بن حفص الآتية، ثم قال: «وأما الشاهد الذي ذكره الحافظ ابن حجر في «أجوبته» من حديث سفينة؛ فلم أقف عليه عند أبي داود، ولا عند غيره، ولم أجد له ذكرًا في (مسند سفينة) من «تحفة الأشراف» للحافظ المزي، وإنما له شاهد حسن من حديث أبي بكرة، » وساق ما
_________________
(١) (ص ٤٣٤) هامش (١) .
(٢) وهو مثبت في «هداية الرواة» (٥/١١١-١١٢) وفيه عن حديثنا: «إسناده صحيح» .
(٣) هو الأخ عمرو عبد المنعم -حفظه الله تعالى-.
[ ٣٣٤ ]