وصلتها بأهمّ فتن هذا العصر
أخرج البخاري في «صحيحه» في كتاب الاستسقاء (باب ما قيل في الزلازل والفتن) (رقم ١٠٣٧) وكتاب الفتن (باب قول النبي ﷺ: «الفتنة من قبل المشرق») (رقم ٧٠٩٤)، ومسلم في «صحيحه» في كتاب الفتن وأشراط الساعة (باب الفتنة من المشرق من حيث يطلع قرن الشيطان) (رقم ٢٩٠٥) بسنديهما إلى نافع، عن ابن عمر، قال:
ذكر النبي ﷺ، قال: «اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا. قالوا: يا رسول الله! وفي نجدنا؟! قال: اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا. قالوا: يا رسول الله! وفي نجدنا؟! -فأظنه قال في الثالثة-: «هنالك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان» لفظ البخاري.
ولفظ مسلم (٢٩٠٥) بعد (٤٥) من طريق الليث (١)، عن نافع به: «أنه سمع رسول الله ﷺ، وهو مستقبل المشرق، يقول: ألا إن الفتنة ها هنا، ألا إن الفتنة ها هنا؛ من حيث يطلع قرن الشيطان»، وفي لفظ له (بعد ٤٦) من طريق عبيد الله (٢)،
_________________
(١) وهو ابن سعد، وروايته عن نافع به مختصرة، أخرجها: البخاري (٧٠٩٣)، وأحمد (٢/٩٢) وأبو عوانة في «المسند» -كما في «إتحاف المهرة» (٩/٢٦٨ رقم ١١٠٩٦) -، وأبو الجهم العلاء الباهلي في «جزئه» (ص ٤١/رقم ٥٣) -ومن طريقه أبو إسحاق التنوخي في «نظم اللآلي بالمئة العوالي» (ص ٩٦/رقم ٥٩) - وابن قطلوبغا في «عوالي الليث بن سعد» (ص٧٠/رقم ١١) .
(٢) هو عبيد الله بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، ثقة ثبت، روايته عند: أحمد (٢/١٨)، وأبي عوانة -كما في «إتحاف المهرة» (٩/٢٢٦ رقم ١٠٩٥٤) -، والبزار في «البحر الزخار» (١٢/٧٣ رقم ٥٥٢١ - بمراجعتي)، وأبي عمرو الداني في «الفتن» (١/٢٤٥) . ورواه جمع باختصار عن نافع، وهذا ما وقفت عليه: =
[ ١١ ]
عن نافع به: «إن رسول الله ﷺ قام عند باب حفصة (١)، فقال بيده نحو المشرق: الفتنة ها هنا من حيث يطلع قرن الشيطان» قالها مرتين أو ثلاثًا.
وفي لفظ له ولأحمد (٢/١٨): «قام رسول الله ﷺ عند باب عائشة»، وفي لفظ للبخاري في كتاب فرض الخمس (باب ما جاء في بيوت أزواج النبي ﷺ وما نسب من البيوت إليهن) (رقم ٣١٠٤): «قام النبي ﷺ خطيبًا، فأشار نحو مسكن عائشة، فقال: هنا الفتنة -ثلاثًا- من حيث يطلع قرن الشيطان» .
وهنالك ألفاظ عن نافع في الحديث لا بد من إيرادها؛ لتعلّقها بموضوع بحثنا، ولأنها توضح المراد بلفظة (نجد) الواردة في رواية البخاري السابقة، هي:
ما أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٢/٣٨٤ رقم ١٣٤٢٢) من طريق إسماعيل بن مسعود: ثنا عبيد الله بن عبد الله بن عون، عن أبيه، عن نافع، به. ولفظه:
«اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك في يمننا، فقالها مرارًا، فلما كان في الثالثة أو الرابعة، قالوا: يا رسول الله! وفي عراقنا؟ قال: «إنّ بها الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان» .
_________________
(١) = * جويرية بنت أسماء، أخرجه البخاري (٣١٠٤) . * موسى بن عقبة، أخرجه البزار في «البحر الزخار» (١٢/٧٤ رقم ٥٥٢٢ - بمراجعتي) . * صالح بن كيسان، أخرجه -أيضًا- البزار (رقم ٥٥٢٣ - بمراجعتي) . * عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أخرجه أبو عوانة -كما في «إتحاف المهرة» (٨/٣٥٢ رقم ٩٥٤١) - وروايته عن نافع مقرونة بسالم. وله عن نافع طرق أخرى في ألفاظها كلام، سيأتي التنبيه عليها -إن شاء الله تعالى-.
(٢) قال شيخنا الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٥/٦٥٣) في هذه اللفظة: «وهي شاذة عندي» !!
[ ١٢ ]
وهذا إسناد جيد، عبيد الله معروف الحديث. قاله البخاري في «التاريخ الكبير» (٥/٣٨٨ رقم ١٢٤٧)، وقال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٥/٣٢٢) عن أبيه: «صالح الحديث» .
وتابعه أزهر بن سعد أبو بكر السمان في روايته عن أبيه (عبد الله بن عون)، أخرجه البخاري (١) (١٠٣٧، ٧٠٩٤) -ومن طريقه أبو المعالي المقدسي في «فضائل بيت المقدس» (ص ٤٣٠)، وجمال الدين المراكشي في «تخريجه مشيخة الإمام المراغي» (ص ٤١٤) -، والترمذي (٣٩٤٨)، وأحمد (٢/١١٨) وابن حبان (٧٢٥٧ - «الإحسان»)، والبغوي في «شرح السنة» (١٤/٢٠٦ رقم ٤٠٠٦)، وابن جميع في «معجم شيوخه» (ص ٣٢٤-٣٢٥/رقم ٢٩٧) -ومن طريقه الذهبي في «السير» (١٥/٢٨٦-٢٨٧، ٣٥٦) -، وابن عساكر (١/١٣٢، ١٣٣-١٣٤، ١٣٤)، وصححوه جميعًا (٢)، عدا أحمد وابن عساكر، وعند جميعهم: «نجدنا»، مكان «عراقنا»، وهي هي، ووقع التصريح به في بعض روايات سالم بن عبد الله عن أبيه، وهذا التفصيل:
أخرج الفسوي في «المعرفة والتاريخ» (٢/٧٤٦-٧٤٧)، والمخلّص في «الفوائد المنتقاة» (ج٧/ق٢-٣)، والجرجاني في «فوائده» (ق١٦٤/ب)، وأبو نعيم في «الحلية» (٦/١٣٣)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١/١٣٠، ١٣٠-١٣١ - ط. دار الفكر) من طريق توبة العنبري، عن سالم، به. ولفظه: «اللهم بارك لنا في مكّتنا، اللهم بارك لنا في مدينتنا، اللهم بارك لنا في شامنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مُدِّنا»، فقال رجل: يا رسول الله! وفي عراقنا، فأعرض عنه، فردّدها ثلاثًا، كلُّ ذلك يقول الرجل: وفي عراقنا، فيُعرض عنه، فقال:
«بها الزلازل والفتن، وفيها يطلُع قرنُ الشيطان» .
_________________
(١) صدرنا الباب بألفاظه، فانظرها.
(٢) قال الذهبي في «السير» (١٥/٣٥٦) عنه: «هذا حديث صحيح الإسناد غريب» .
[ ١٣ ]
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
وتوبع توبة، تابعه زياد بن بيان.
أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٤/٢٤٥-٢٤٦ رقم ٤٠٩٨ - ط. الحرمين)، وأبو الطاهر الذهلي -ومن طريقه ابن عساكر (١/١٣١-١٣٢) - من طريق حماد بن إسماعيل ابن علية، قال: نا أبي، قال: نا زياد بن بيان، قال: نا سالم به، ولفظه:
«صلى النبي ﷺ صلاة الفجر، ثم انفتل، فأقبل على القوم، فقال: » وذكره، وفي آخره: «فقال رجل: والعراق يا رسول الله؟! قال: من ثَمّ يطلع قرنُ الشيطان، وتهيجُ الفتن» .
وقال عقبه: «لم يرو هذا الحديث عن زياد بن بيان إلا إسماعيل ابن علية، تفرد به ابنه حماد» !
قلت: ليس كذلك، فقد رواه عن إسماعيل ابن علية: عمر بن سليمان الأقطع -أيضًا-.
أخرجه أبو علي الحراني في «تاريخ الرقة» (ص ٩٥- ٩٦/رقم ١٤٥)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١/١٣٢)، وابن العديم في «بغية الطلب» (١/٣٤٢-٣٤٣) من طريق سليمان بن عمر بن خالد الأقطع: نا إسماعيل بن إبراهيم ابن عليّة، به مثله.
وهذا إسناد جيد.
وأخرجه الربعي في «فضائل الشام» (١١/٢٠) من هذا الطريق، وعنده زيادات في آخره تخص المدينة وفضلها، فالمقام لا يتسع للتفصيل فيها (١) .
_________________
(١) انظر: «تخريج أحاديث فضائل الشام» (ص ٢٥-٢٧) لشيخنا الألباني؛ ففيه كلام مفصّل عليه.
[ ١٤ ]