من الجدير بالذكر أن المراد ببعض الآثار السابقة ما حصل زمن (التتار) و(المغول)، عندما خرجوا إلى (العراق) و(الشام) و(مصر)، وعاثوا فيها الفساد، وصبوا على أهلها العذاب، وهذا الدليل:
فلفظ ابن مسعود في الأثر قبل الأخير عند عبد الرزاق في «المصنف» (١١/٣٨٠ رقم ٢٠٧٩٨) -ومن طريقه نعيم بن حماد في «الفتن» (٢/٦٨٣ رقم ١٩٢٨)، والطبراني في «الكبير» (٩/١٩٢ رقم ٨٨٥٩)، والحاكم في «المستدرك» (٤/٤٧٥)، وابن العديم في «بغية الطلب» (١/٥١٧-٥١٨) - عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن ابن مسعود، قال:
«كأني بالترك (٢) على براذين، مجذمة (٣) الآذان، حتى يربطوها بشط
_________________
(١) لم أظفر به في مطبوع «الفتن» لنعيم، ولا عند الطبراني في «المعجم الكبير»، وأخشى أن يكون سقط وقع فيه، أو تداخلت الطرق والأسانيد، فليحرر.
(٢) بعدها في «المعجم الكبير»: «قد أتتكم»، والمراد بهم المغول القادمون من أواسط آسيا، وليس الأتراك المنسوبين إلى (تركيا) المعروفة الآن في شمال سورية.
(٣) هو من الجذم؛ وهو القطع، انظر: «النهاية» (١/٢١٥)، وفي مطبوع «الفتن»: «مخرمة» !! وفي مطبوع «المعجم الكبير»: «محزمة» ! قلت: تحتمل «مخرمة» بالخاء المعجمة =
[ ٢٧٩ ]
الفرات»
رجاله ثقات، إلا ابن سيرين عن ابن مسعود منقطع. قاله البيهقي (١) .
قال الهيثمي في «المجمع» (٧/٣١٢): «رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح إن كان ابن سيرين سمع من ابن مسعود» .
قلت: هذا الإسناد منقطع؛ لأن ابن سيرين لم يسمع من عبد الله بن مسعود -﵁-، وذلك أن ابن سيرين ولد سنة ثلاث وثلاثين من الهجرة؛ لأن أخاه أنسًا قال: «ولد أخي محمد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وولدتُ بعده بسنة»، ومن المعروف أن عثمان -﵁- استشهد سنة خمس وثلاثين، وعليه؛ فإن ولادة ابن سيرين كانت سنة ثلاث وثلاثين، وأما عبد الله بن مسعود فإنه توفي سنة اثنتين وثلاثين؛ أي: توفي قبل ولادة ابن سيرين بسنة. انظر: «سير أعلام النبلاء» (٤/٦٠٦)، «التقريب» (ص ٣٢٣ رقم ٣٦١٣) .
ثم وجدت الخبر عند أبي عمرو الداني في «الفتن» (٤/٩٠٣ رقم ٤٦٧١) من طريق علي بن معبد، قال: ثنا إسماعيل ابن عليّة عن أيوب، به. وفيه: «عن ابن سيرين، قال: نبّئتُ أن ابن مسعود كان يقول: كيف أنتم يا أهل الكوفة! إذا أتتكم الترك على براذين مُجذمة الآذان، حتى يربطون بشط الفرات بالنخل» .
فوقع التصريح هنا أن ابن سيرين لم يسمعه من ابن مسعود، وبينهما واسطة، وقد ظهرت لنا في الآثار السابقة.
فالخبر صحيح بطرقه، وتقدمت، والشاهد منه هنا: «كأني بالترك» .
_________________
(١) = والراء المهملة من (الخرم)، وهو الثقب والشق. انظر: «النهاية» (٢/٢٧) .
(٢) «تحفة التحصيل» (ص ٢٧٨) .
[ ٢٨٠ ]
وفي الأثر نفسه بلفظ ابن أبي شيبة السابق وصف للقوم بأنهم (عراض الوجوه، صغارالعيون) (١)، ووصفُهم هذا مع مقاتِلَتِهم واردٌ في أحاديث صحيحةٍ شهيرةٍ كثيرةٍ؛ منها:
ما أخرجه البخاري (٢) ومسلم (٣) عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال:
«لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا نعالهم الشعر (٤)، وحتى تقاتلوا الترك (٥)
صغار الأعين،
_________________
(١) ووقع هذا الوصف في طريق شداد بن معقل عن ابن مسعود، ومن طريق بسر عن حذيفة.
(٢) أخرجه البخاري في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب قتال الترك) (رقم ٢٩٢٨)، و(باب قتال الذين ينتعلون الشعر) (رقم ٢٩٢٩)، وكتاب المناقب (باب علامات النبوة في الإسلام) (رقم ٣٥٨٧، ٣٥٩٠، ٣٥٩١) .
(٣) أخرجه مسلم في «صحيحه» في كتاب الفتن وأشراط الساعة (باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت) (رقم ٢٩١٢) .
(٤) قال القزويني في «التدوين» (١/٣٩-٤٠): «وقوله: «نعالهم الشعر»؛ أي: نعالهم من ضفائر الشعر، أو من جلود غير مدبوغة بقيت عليها الشعور. وذكر أنه يحتمل أنه أشار به إلى وفور شعورهم، وانتهاء طولها إلى أن يطؤوها بأقدامهم، أو أن يقرب من الأرض» .
(٥) (الترك): يقول الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٦/١٠٤): «اختلف في أصل الترك، فقال الخطابي: هم بنو قنطوراء أَمَة كانت لإبراهيم -﵇-، وقال كراع: هم الديلم، وتُعُقِّب بأنهم جنس من الترك، وكذلك الغُزُّ [في «القاموس»: جنس من الترك]، وقال أبو عمرو: هم من أولاد يافث، وهم أجناس كثيرة، وقال وهب بن منبه في كتابه «التيجان» (ص ١٠٩ - ط. مركز الدراسات والأبحاث اليمنية): هم بنو عم يأجوج ومأجوج، لمّا بنى ذو القرنين السد كان بعض يأجوج ومأجوج غائبين، فتُرِكُوا لم يدخلوا مع قومهم، فسُموا الترك » . «وقد جمع الحافظ ضياءالدين المقدسي جزءًا في خروج التروك» قاله السخاوي في «المقاصد الحسنة» (ص ١٧)، وزاد: «سمعناه»، وقال في «القناعة» (١٢١): «وقتال الترك وفي أخبارهم تصنيف سمعناه»، وذكره له ابن فهد في «معجمه» (٢٠٥) بعنوان: «خروج الترك»، وسماه الذهبي في «السير» (٢٣/١٢٨): «قتال الترك»، وانظر: «معجم الموضوعات المطروقة» (١/٢٨٣-٢٨٤) . وانظر -للاستزادة-: «البداية والنهاية» (٢/١٦١ - ط. دار أبي حيان)، و«النهاية» =
[ ٢٨١ ]
حمر الوجوه، ذلف الأنوف (١)، كأن وجوههم المجانّ المطرقة (٢)، وتجدون من خير الناس أشدهم كراهية لهذا الأمر حتى يقع فيه، والناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام، وليأتين على أحدكم زمان لأن يراني أحبُّ إليه من أن يكون له مثل أهله وماله» .
وأخرجه الحميدي (١١٠٠) وأحمد (٢/٢٣٩، ٢٧٦، ٣٠٠، ٣١٩، ٣٩٨، ٤٩٣) وإسحاق (١/٢٦٦-٢٦٧ رقم ٢٣٥) وأبو يعلى (٥٨٧٨) في «مسانيدهم»، وابن أبي شيبة (١٥/٩٢) وعبد الرزاق (٢٠٧٨١) في «مصنفيهما»، ومالك في «الموطأ» (٢/١٩١)، وأبو داود (٤٣٠٣، ٤٣٠٤) والنسائي (٦/٤٤-٤٥) والترمذي (٢٢١٥) وابن ماجه (٤٠٩٦) في «سننهم»، وابن حبان في «صحيحه» (٦٧٤٤، ٦٧٤٥، ٦٧٤٦)، وأبو عوانة في «الفتن» -كما في «إتحاف المهرة» (٥/٢٤٦)، والدارقطني في «العلل» (٩/١٨٣) -، والبغوي (٤٢٤٤)، ونعيم بن حماد (٢/٦٨١، ٦٨٤-٦٨٥ رقم ١٩١٩ و١٩٣٣ و١٩٣٤) وأبو عمرو الداني (٤/٨٧٢ رقم ٤٥١) كلاهما في «الفتن»، والخطيب في «الكفاية» (٤١٦)، والقزويني في «التدوين» (١/٣٦)، والطبراني في «مسند الشاميين» (١/٨٦-٨٧ رقم ١٢٠)، والديلمي في «الفردوس» (٥/٨٢ رقم ٧٥٢٢)، وأبو نعيم في «الدلائل» (٢/٥٤٣-٥٤٤
_________________
(١) = (١/١٨٤)؛ كلاهما لابن كثير، و«معجم البلدان» (٢/٢٣-٢٤)، و«ذو القرنين وسد الصين» لشيخ مشايخنا محمد راغب الطباخ -﵀- (ص ١٨٤، ١٨٥، ١٨٨، ١٨٩، ١٩٣ - بتحقيقي)، و«مجموع فتاوى ومقالات متنوعة» للعلامة الشيخ عبد العزيز بن باز (٥/٣٥٧ - جمع وإشراف الشويعر) .
(٢) (ذلف الأنوف): الاستواء في طرف الأنف، وليس بالغليظ الكبير. وقيل: تشمير الأنف عن الشفة العليا، وقيل: ارتفاع طرفه مع صغر أرنبته، وقيل: قصره مع انبطاحه، أفاده ابن حجر في «الفتح» (٦/٦٠٨) .
(٣) (المجان المطرقة): التروس المجلدة طبقًا فوق طبق، وشبه وجوههم بذلك لبسطها وتدويرها وكثرة لحمها. انظر: «شرح السنة» (١٥/٣٧)، و«تحفة الأحوذي» (٦/٤٦١) .
[ ٢٨٢ ]
رقم ٤٧٢، ٤٧٣)، وغيرهم كثير من طرق عن أبي هريرة (١) .
وفي رواية أخرى للبخاري (٢): «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خُوزًا وكِرْمان (٣) من الأعاجم، حُمْر الوجوه، فُطْس (٤) الأُنُوف، صغار الأعين، وجوههم المجانّ المطرقة، نعالهم الشّعر» .
ولمسلم (٥): أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون الترك، قومًا وجوههم كالمجانّ المُطْرَقة، يلبسون الشَّعر، ويمشون في الشعر» (٦) .
وقد وقع قتال هؤلاء الذين وصفهم رسول الله ﷺ، وكان ذلك في أول
_________________
(١) انظر: «العلل» للدارقطني (٩/١٨٢-١٨٣ رقم ١٧٠٤) و«الصحيح المسند من دلائل النبوة» (ص ٣٧٠-٣٧٢) .
(٢) في «صحيحه» في كتاب المناقب (باب علامات النبوة في الإسلام) (رقم ٣٥٩٠)، وأخرجها: أحمد (٢/٣١٩) -ومن طريقه الحاكم (٤/٤٧٦) -، والعسكري في «تصحيفات المحدثين» (١/١٤١)، وابن حبان (٦٧٤٣)، والبيهقي (٩/١٧٦)، وفي «الدلائل» (٦/٣٣٦)، والبغوي (٤٢٤٤)؛ جميعهم عن عبد الرزاق -وهو في «مصنفه» (٨٢/٢١١) - عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، رفعه، وهو في «صحيفة همام» (رقم ١٢٦) .
(٣) خوز وكرمان، وروي: خوز كرمان -بالإضافة- والمراد: أهل خوز وأهل كرمان. فأما خوز؛ ففي «القاموس»: «جيل من الناس، واسم لجميع بلاد خوزستان»، وإقليم خوزستان الآن غربي إيران، وأما كرمان؛ فهو إقليم في الجنوب الشرقي من إيران -أيضًا-. انظر: «بلدان الخلافة الشرقية» (ص ١٩، ٣٧، ٣٣٧، ٣٤٩) .
(٤) فطس: بضم فسكون، جمع (أفطس): وهو الذي في قصبة أنفه انخفاض وافتراش.
(٥) في «صحيحه» في كتاب الفتن (باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت) (رقم ٢٩١٢) بعد (٦٥) . وأخرجه -أيضًا-: أبو داود (٤٣٠٤)، والترمذي (٢٢١٥)، وابن ماجه (٤٠٩٦)، وأحمد (٢/٢٣٩، ٢٧١، ٣٩٨، ٤٧٥، ٤٩٣، ٥٣٠ و٣/٣١ و٥/٧٠)، والحميدي (١١٠٠)، وابن أبي شيبة (١٥/٩٢)، وأبو يعلى (٥٨٧٨)، وابن حبان (٦٧٤٥)، وغيرهم.
(٦) الظاهر أنهم يتخذون من الشعر نعالًا يلبسونها.
[ ٢٨٣ ]
خلافة بني أمية، وانتصر عليهم المسلمون وغنموا منهم.
ووقع هذا -أيضًا- في عصر مجدد الإسلام الإمام ابن تيمية -﵀-، وكان ممن تشرف بقتالهم، وحث المسلمين على جهادهم، فكانت آية كبرى حيث رآها بعينه، وعايشها بوجدانه، فقال: «وفي القرآن والأحاديث عنه ﷺ من الأخبار بما سيكون في الدنيا والآخرة أضعافُ أضعافِ ما يوجد عن الأنبياء قبله، حتى إنه ينبئ عن الشيء الذي يكون بعدما يَبِينُ من السنين خبرًا أكملَ مِنْ خبرِ مَنْ عايَنَ ذلك» (١) . ثم أورد الحديث، وقال -وهذا موطن الشاهد-:
«فمن رأى هؤلاء الترك الذين قاتلهم المسلمون من حين خرج جنكيز خان، مَلِكُهم الأكبر، وأولادُه وأولاد أولاده؛ مثل (هولاكو) وغيرِه من الترك الكفار الذين قاتلهم المسلمون؛ لم يحسن أن يصفَهم بأحسنَ من هذه الصفة، وقد أخبر بهذا قبل ظهوره بأكثر من ست مئة سنة»؛ أي: التي وصفهم بها رسولُ الله ﷺ.
ويقول الإمام النووي -﵀- في «شرح صحيح مسلم»: «وقد وُجِد في زماننا الترك الذين تحدَّثَ عنهم الرسول الكريم ﷺ، هكذا بجميع صفاتهم التي ذكرها النبي ﷺ، وقاتلهم المسلمون مرات» (٢) .
ويقول الحافظ ابن حجر -﵀-: «وقاتل المسلمون الترك في خلافةِ بني أمية، وكان ما بينَهم وبين المسلمين مسدودًا إلى أن فُتح ذلك شيئًا بعد شيء، وكثُرَ السَّبْيُ منهم، وتنافسَ الملوك فيهم، لما فيهم من الشدة والبأس، حتى كان أكثرُ عسكرِ المعتصم منهم.
_________________
(١) «الجواب الصحيح» (٣/١٦١ - ط. العاصمة) .
(٢) «شرح النووي على صحيح مسلم»: (١٨/٥٢ - ط. قرطبة)، ونقله السخاوي في «القناعة» (ص ١٢٢)، والمذكور لفظه.
[ ٢٨٤ ]