لا أعلم من أفرد هذا الحديث بمصنَّف خاص، على الرغم من كثرة التصانيف المفردة في كثير من آحاد الأحاديث (٢)، واقتصرت عناية العلماء به
_________________
(١) = وذكر (ص ١٨٥) أنه «بلغ خراجه -أي: السواد- في أيامه -أي: عمر- مئة ألف ألف وعشرين ألف ألف درهم» . قلت: ولا غرابة في ذلك، فإن تربة العراق يزيد من خصوبتها طمي نهري دجلة والفرات، وكانت تدر في تلك الأزمان من محصول (الرز) و(الشعير) ما لا يقل عن (٢٠٠) نوع. انظر للتفصيل: «ولاية البصرة في ماضيها وحاضرها» (١/٣١) . بل وصلت في عهد عمر بن عبد العزيز إلى أكثر من ذلك، وانظر عن مقدارها في سائر العصور في: «أطراف بغداد تاريخ الاستيطان في سهول ديالي» (ص ٢٧٤-٢٧٥) .
(٢) ما بين المعقوفتين سقط من مطبوع «الدلائل»، وأثبته من «تاريخ دمشق» لابن عساكر (٢/٢١١) .
(٣) لصديقنا يوسف العتيق -حفظه الله- «التعريف بما أُفرد من الأحاديث بالتصنيف»، =
[ ٢٢٦ ]
على سرد ما يحتمل من المعاني، دون التحقيق والتدقيق في المراد بها، ولعل ما يجري من أحداث، وما سيحصل من أمورٍ أكبرُ شاهدٍ على تحرير معانيه وبيان خوافيه، كيف لا؛ وهو من (علم الغيب) الذي أطلع الله نبيه ﷺ عليه؟!
ويمكننا أن نحصر المعاني التي أوردها العلماء في معنى (المنع) الوارد في الحديث بالأمور الآتية:
أولًا: هذا منه إخبار بأن أمورَ الدين وقواعدَه يُتركُ العمل بها لضعف القائم عليها، أو لكثرة الفتن واشتغال الناس بها، وتفاقم أمر المسلمين، فلا يكون مَنْ يأخذ الزكاة ولا الجزية ممن وجبت عليه، فيمتنع من وجب عليه حقّ من أدائه. قاله أبو العباس القرطبي في «المفهم» (٧/٢٣٠ - ط. دار ابن كثير) .
وهذا كلام عامّ (١)، ينقصه:
أولًا: بيانُ هلْ وقع ذلك في عصر المصنف -وهو من وفيات سنة (٦٥٦هـ) - أم لا؟
ثانيًا: بيانُ مَن هو المانعُ للخيرات المذكورة في الأحاديث؟
ثالثًا: وفيه أن سببَ المنع: عدمُ وجودِ مَن يأخذ الزكاة والجزية، ولفظ الحديث لا يساعد عليه.
رابعًا: أما قوله: «يُتركُ العملُ بها لضعف القائم عليها أو لكثرة الفتن، واشتغال الناس بها، وتفاقم أمر الناس»؛ فبعيد -أيضًا-؛ إذِ البلادُ المذكورة هي التي تمنع خيراتها، و(المنع) فيه معنى الكفّ (٢) والحرمان مع جبر وقسْر
_________________
(١) = طبعت (المجموعة الأولى) منه.
(٢) ومثله ما في «منية المنعم» (٤/٣٥١): «والمراد بمنع الدرهم والقفيز: منع خيرات البلاد من الزكاة والعشر والجزية والخراج» .
(٣) انظر: «معجم مقاييس اللغة» (٥/٢٧٨)، «القاموس المحيط» (ص ٩٨٨ - ط. مؤسسة الرسالة) .
[ ٢٢٧ ]
وغلبة، والمذكور فيه غفلة وقلة الوازع للقيام بها، وشتان ما بين المعنيين!
وذكر بعض الشرّاح (١) معانيَ رجحوا غيرها عليها؛ هي:
ثانيًا: أنّ هذه البلاد تمنع خيراتها بسبب إسلام أهلها، فتسقط عنهم الجزية (٢)، قال النووي -وتبعه صِدّيق حسن خان (٣)، وصاحب «عون المعبود» (٨/٢٨٢) - عنه: «وهذا قد وجد» .
وقال السخاوي في «القناعة» (ص ١٠٦): «وفي تأويله -أي: المنع- قولان»، وجعل الأول: «لإسلامهم فسقطت عنهم الجزية» .
قلت: نعم، ولكن يرد عليه ما يرد على سابقه -وهو (حق) (٤) -، ولكن لا صلة لهذا المعنى بمنطوق الحديث، وقد يقال: لازمٌ أن تمنع هذه البلاد خيراتها أن تكون -قبل ذلك- تحت سيطرة المسلمين، وفي هذا دلالة على إسلام أهلها أو بعضهم.
ويبقى -بناءً عليه- بيانُ (المنع)، وسببه، ووقته الوارد في الحديث، ويقال عنه: هو لازم المعنى وليس المعنى.
وهذا القول هو الذي قدمه أبو محمد البغوي في «شرح السنة» (١١/١٧٨)، قال:
«وللحديث تأويلان؛ أحدهما: سقوط ما وظّف عليهم باسم الجزية بإسلامهم، فصاروا بالإسلام مانعين لتلك الوظيفة، وذلك معنى قوله ﷺ:
_________________
(١) مثل: النووي في «منهاجه» (١٨/٢٨ - ط. قرطبة)، وعنه صدِّيق حسن خان في «السراج الوهاج» (١١/٣٦٧، ٣٦٨) .
(٢) قاله بنحوه البيهقي في «الدلائل» (٦/٣٣٠)، ومضى كلامه قريبًا.
(٣) في «السراج الوهاج» (١١/٣٦٧) .
(٤) ينقصه (العدل)، والخير كله في اجتماع الأمرين، فافهم!
[ ٢٢٨ ]
«وعدتم من حيث بدأتم»؛ أي: كان في سابق علم الله -﷾-، وتقديره: أنهم سيسلمون، فعادوا من حيث بدؤوا» .
قلت: وا عجبي من تأييده لهذا المعنى بما ورد في آخره: «وعدتم حيث بدأتم» (١) ! وعذره -وهو من وفيات سنة (٥١٦هـ) - أنه لم يشاهد ما شاهدناه، ولم يسمع بما سمعناه.
وقول البغوي هذا شبيه بما قدمناه قريبًا عن البيهقي (٢)، وعلق ابن كثير (٣) في «البداية والنهاية» (٦/٢٠٣) على تأييده هذا المعنى، بما ورد في آخره: «وعدتم حيث بدأتم»، بقوله: «والعجب أن الحافظ أبا بكر البيهقي احتج به على ما رجّحه من أحد القولين المتقدمين، وفيما سلكه نظر، والظاهر خلافه» .
وقال صاحب «تكملة فتح الملهم» (٦/٢٩١):
«وهذا التفسير فيه نظر؛ لأن أهل هذه البلاد لم يكونوا يؤدّون الجزية إلى المسلمين قبل أن يفتتحها المسلمون، وأما بعد ما افتُتِحَتْ هذه البلاد، صار المسلمون هم ولاة هذه البلاد، فلا معنى لأداء هذه البلاد الجزية. نعم؛ كان الكفار من ساكني هذه البلاد يؤدون الجزية إلى ولاة المسلمين، ولم يثبت أن جميعهم أسلموا حتى سقطت عنهم الجزية رأسًا» .
وأشار الشوكاني في «نيل الأوطار» (٨/١٦٤) إلى رد هذا المعنى، فقال:
«وهذا الحديث من كلام النبوة لإخباره ﷺ بما سيكون من ملك المسلمين هذه الأقاليم، ووضعهم الجزية والخراج، ثم بطلان ذلك؛ إما
_________________
(١) انظر: ما سيأتي عنه (ص ٤٥١) .
(٢) انظر: (ص ٢٢٥-٢٢٦) .
(٣) سيأتي كلامه برمته (ص ٢٤٩-٢٥٠)، إذ السياق الذي في الكلام المزبور له دلالة توضح معناه.
[ ٢٢٩ ]
بتغلبهم -وهو أصح التأويلين، وفي «البخاري» (١) ما يدل عليه، ولفظ الحديث يرشد إلى ذلك-، وإما بإسلامهم» (٢) .
قلت: فجعل إسقاط ما وُظِّف عليهم بسبب إسلامهم من التأويلين، وقال عن الآخر: «أصح» . ويقتضي هذا أن هذا القولَ مرجوحٌ، وقد ردّه ابن الجوزي (٣) وشيخنا الألباني (٤) -رحمهما الله تعالى-، وفصّل الحميدي في ذلك، فقال: «وفي تفسير المنع وجهان؛ أحدهما: أن النبي ﷺ أَعلم أنهم سيسلمون، وسيسقط ما وُظِّف عليهم بإسلامهم، فصاروا مانعين بإسلامهم ما وظف عليهم، واستُدِلَّ على ذلك بقوله: «وعدتم من حيث بدأتم»؛ لأن بدْأهم في علم الله، وفي ما قضى وقدّر أنهم سيسلمون، فعادوا من حيث بدؤوا، وقيل في قوله: «مَنَعَت العراق درهمها» الحديث: أنهم يرجعون عن الطاعة؛ وهذا وجه، وقد استَحْسنَ الأولَ بعضُ العلماء، وكان يكون هذا لولا الحديث الوارد الذي أفصَحَ فيه برجوعهم عن الطاعة، أخرجه البخاري (٥) من حديث سعيد بن عمرو، عن أبي هريرة، قال: «كيف أنتم إذا لم تَجْبُوا دينارًا ولا درهمًا؟» فقيل: وكيف ترى ذلك؟ قال: «والذي نفسي بيده عن قول الصادق المصدوق. قال: عمَّ ذاك؟ قال: تُنتَهك ذمةُ الله وذِمّة رسوله، فيَشُدُّ الله قلوبَ أهلِ الذمة، فيَمنعون ما في أيديهم»» (٦) .
_________________
(١) انظر: النقل الآتي قريبًا عن الحميدي.
(٢) ولم يزد عليه شيئًا الشيخ فيصل بن عبد العزيز آل مبارك في كتابه «بستان الأخبار مختصر نيل الأوطار» (٢/٤٣٧) .
(٣) في كتابه «كشف المشكل عن حديث الصحيحين» (٣/٥٦٦-٥٦٧)، وسيأتي كلامه بتمامه (ص ٢٦٥-٢٦٦) .
(٤) في «السلسلة الصحيحة» (٧/١٩٩)، وسيأتي كلامه بتمامه (ص ٤٣٧) .
(٥) سيأتي تخريجه مفصلًا (ص ٢٦٠) .
(٦) «تفسير غريب ما في الصحيحين» (ص ٣٦٣) .
[ ٢٣٠ ]
ثالثًا: وهو التأويل الثاني عند البغوي، ونص كلامه:
«والتأويل الثاني: هو أنهم يرجعون عن الطاعة، فيمنعون ما وظف عليهم، وكان هذا القول من النبي ﷺ دليلًا على نبوته حيث أخبر عن أمر أنه واقع قبل وقوعه، فخرج الأمر في ذلك على ما قاله.
وفيه بيانٌ على أن ما فعل عمر -﵁- بأهل الأمصار فيما وَظَّف عليهم كان حقًّا، وقد رُوي عنه اختلافٌ في مقدار ما وضعه على أرض السواد» (١) .
قلت: وهذا القول من ضمن الأقوال التي أوردها النووي، مصدرة بـ (قيل) -وفيه إشارة إلى ضعفه عنده-، ونص عبارته:
«قيل: لأنهم يرتدون في آخر الزمان، فيمنعون ما لزمهم من الزكاة وغيرها» (٢)، ونحوه:
رابعًا: قوله: «وقيل: معناه: أن الكفار الذين عليهم الجزية تقوى شوكتهم في آخر الزمان، فيمتنعون مما كانوا يؤدّونه من الجزية والخراج وغير ذلك» (٣) .
والملاحظ أن هذين المعنيين على نقيض ما قبلهما، وبَيْنَ المعنى (الثالث) و(الرابع) تلازمٌ وترابطٌ؛ إذ رِدّةُ المشركين ومنعهم الزكاة تستلزم قوة شوكتهم، كما لا يخفى.
وردد هذا المعنى غيرُ واحد من العلماء والباحثين؛ مثل:
_________________
(١) «شرح السنة» (١١/١٧٨) .
(٢) «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٨/٢٨ - ط. قرطبة)، وعنه صاحب «عون المعبود» (٨/٢٨٢) .
(٣) «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٨/٢٨-٢٩)، وعنه صاحب «عون المعبود» (٨/٢٨٢) .
[ ٢٣١ ]
* العلامة صِدّيق حسن خان -رحمه الله تعالى-.
قال في «شرحه صحيح مسلم» بعد أن أورد الأقوال السابقة -بترتيبها- عن النووي، وعلق على الأخيرين بقوله:
«قلت: وقد وُجد ذلك كله، في هذا الزمان الحاضر، في العراق، والشام، ومصر، واستولى الروم -يعني: النصارى- على أكثر البلاد، في هذه المئة الثالثة عشر، ولهم الاستيلاء على سائرها كل يوم، ولله الأمر من قبل ومن بعد» (١) .
* العلامة المحدث أحمد شاكر -﵀-.
قال في تعليقه على «الخراج» (٢) ليحيى بن آدم موضّحًا هذا المنع عن الأقطار المذكورة:
«فإن الأقطار الثلاثة لم تكن فُتحَتْ في عصر النبوة، وهذا الحديث آية كبرى، ففي خلافة عمر ضُمّتِ الأقطارُ الثلاثة إلى أمها -الحجاز-، وكانت دولة ملأت الخافقين، ثم توالت الفتن والأرزاء (٣) على المسلمين، وتقطعت
_________________
(١) «السراج الوهاج» (١١/٣٦٨) .
(٢) (ص ٦٨/هامش ١)، وبنحوه قال الأستاذ صبحي الصالح -﵀- في تعليقه على «أحكام أهل الذمة» (١/١١٣ هامش ٢)، قال: «وهذا الحديث من كلام النبوة، فإن هذه الأقطار الثلاثة لم تكن قد فُتِحَتْ في عصر النبوة، ولعل أبا هريرة قد أدرك خطر هذه النبوءة وأهميتها حين قال: «شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه»»، وأحال على «خراج يحيى»، ولم يخرج ما في هامش (٢) من «أحكام أهل الذمة» (١/٢٦٦ - ط. رمادي) على المذكور، إلا أنه لا عزو فيه! وقال الدكتور مصطفى ديب البغا في تعليقه على «مختصر سنن أبي داود» (ص ٤٣٧/ هامش ٢٩ على حديث رقم ٣٠٣٥): «المراد استيلاء الكفار على هذه البلاد آخر الزمان، ومنعهم عن المسلمين ما كان يردهم من خيرات هذه البلاد» .
(٣) الأرزاء -جمع رزيئة-: هي المصيبة. كما في «القاموس» (ص ٥٢ - ط. الرسالة) .
[ ٢٣٢ ]
أوصالهم، وضمرت دولتهم، وتوزعت هذه الأمم ممالك لا صلة لواحدة منها بالحجاز، وفي كل منها حركة لنزع ربقة الإسلام، يقوم بها أفراد يسمون أنفسهم «المجددين»، وإنما هم «المجردون»، وها نحن نرى آثارها، ونسأل الله الوقاية من فتنتها. ولقد صدق رسول الله ﷺ: «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها» (١)» .
* الشيخ محمد خليل هراس -رحمه الله تعالى-.
قال في تعليقه على كتاب «الأموال» (٢) لأبي عبيد:
«المقصود من الحديث: أنّ كلَّ قطرٍ من هذه الأقطار المفتوحة ستمنع ما كان يؤديه من الخراج إلى بيت مال الخلافة.
وهذا الحديث عَلَمٌ من أعلام النبوة، فقد أخبر النبي ﷺ بذلك قبل أن تُفتَح هذه الأقطار، ويُضربَ عليها الخراج» .
خامسًا: للإمام الخطابي في «معالم السنن» (٣) كلمة في تفسير (المنع) أوسع من العبارات السابقة، وليس فيها ما في القول الرابع، وإن كانت تلتقي معه في المعنى العام (٤)، هذا نصها:
«ومعنى الحديث: أن ذلك كائن، وأن هذه البلاد تفتح للمسلمين،
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٨٧٦)، ومسلم (١٤٧) في «صحيحيهما» من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٢) (ص ٩١/ هامش ٤) .
(٣) (٤/٢٤٨ - مع «مختصر السنن») أو (٣/٣٥ - ط. الطباخ)، ونقلها عنه السهارنفوري في «بذل المجهود» (٦/٣٧٥) وصاحب «عون المعبود» (٨/٢٨٣) .
(٤) لم يتنبه لهذا من جعلَه عينَه، وصرح بذلك جمعٌ؛ منهم: العلامةُ الشيخ حمود التويجري -﵀- في «إتحاف الجماعة» (٢/٢٣٤) وصاحب «تكملة فتح الملهم» (٦/٢٩١-٢٩٢) .
[ ٢٣٣ ]
ويوضع عليها الخراج شيئًا مقدرًا بالمكاييل والأوزان، وأنه سيمنع في آخر الزمان، وخرج الأمر في ذلك على ما قاله النبي ﷺ. وبيان ذلك: ما فعله عمر -﵁- بأرض السواد، فوضع على كل جريب عامر أو غامر درهمًا وقفيزًا، وقد روي عنه اختلاف في مقدار ما وضعه عليه» انتهى.
ونقلها ابن الجوزي (١) والبُجُمْعَوي (٢)، وزاد عليها: «قلت: فارتفع في زماننا، فهو من معجزات النبوة» .
فكلمته هذه فيها: «وأنه سيمنع في آخر الزمان»، ولم يذكر (المانع)، ولا (سبب المنع)، بخلاف ما في القول السابق.
ويبقى أن فيه إبهامًا وغموضًا، وذكرَ لازمَ المنع، وأنه يسبقه فتحٌ ووضع.
سادسًا: المراد منع هذه البلاد كنوزها من أصحابها، واستيلاء المسلمين عليها، وهذا المنع هو المراد من قوله ﷺ: «إنّ الله زوى (٣) لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن مُلْكَ أمتي سيبلغ ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض» (٤) .
قال القاضي عياض في كتابه «إكمال المعلم» (٥) شارحًا الحديث:
_________________
(١) في «كشف المشكل من حديث الصحيحين» (٣/٥٦٧) .
(٢) في «درجات مرقاة الصعود» (ص ١٢٨) .
(٣) أي: جُمِعَتْ، يقال: انزوى القومُ وتدانَوْا وتضاموا، قاله المازري في «المعلم بفوائد مسلم» (٣/٢٠٨ - ط. دار الغرب) .
(٤) أخرجه مسلم (٢٨٨٩) من حديث ثوبان -﵁- رفعه.
(٥) (٨/٤٢٥-٤٢٦ - ط. دار الوفاء)، وسيأتي له كلام (ص ٢٥٣) على الحديث مختصر دقيق. (فائدة مهمة): أكملَ القاضي عياضٌ في شرحه هذا «المعلم» للمازري، ومعنى (إكماله) أنه ذكر فيه ما فات المازريَّ من مباحثَ مهمّةٍ، وذكر فيه تعقباتٍ واستدراكاتٍ مفيدةً، وإلا فالمازري قد شرح جميع «صحيح مسلم» ولم يبق منه شيء.
[ ٢٣٤ ]
«وهذا الحديث عَلَم من أعلام نبوته ﷺ لظهوره كما قال، وأنّ مُلكَ أمته اتسع في المشارق والمغارب، كما أخبر؛ مِن أقصى بحر طنجة (١)، ومنتهى عمارة المغرب إلى أقصى المشرق، مما وراءَ خراسان والنهر، وكثير من بلاد الهند والسند والصغد (٢)، ولم يتسعْ ذلك الاتساعَ من جهةِ الجنوب والشمال الذي لم يذكر -﵇- أنه أُرِيَه وأن ملك أمته سيبلغه.
وقوله: «وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض» ظاهره الذهب والفضة، والأشبه أنه أراد كنز كسرى وقيصر وقصورهما وبلادهما؛ يدل على ذلك: قوله في الحديث الآخر عنهما في هلاكهما: «ولتنفق كنوزهما في سبيل الله» (٣) . وقوله في حديث جابر بن سمرة المخرج بعد -: «لتفتحن عصابة من المسلمين كنز آل كسرى الذي بالأبيض» (٤) . فقد بان أن الكنز الأبيض هو كنز كسرى، ويكون الأحمر هو كنز قيصر.
ويدل عليه: ما جاء في حديث آخر في ذكر الشام: «إني لأبصر قصورهما الحمر» (٥) .
_________________
(١) هي مدينة على ساحل بحر المغرب مقابل الجزيرة الخضراء من البر الأعظم أو بلاد بربر، بينها وبين «سبتة» مسيرة يوم، وهي آخر حدود أفريقيا من جهة الغرب، وقد وصلها الفتح الإسلامي في العهد الأموي بفتوحات عقبة بن نافع، وطارق بن زياد، وموسى بن نصير، انظر: «مراصد الاطلاع» (٢/٨٩٤) .
(٢) هي قرى متصلة خلال الأشجار والبساتين من سمرقند إلى قريب من بخارى. انظر: «مراصد الاطلاع» (٢/٨٤٢) .
(٣) أخرجه مسلم (٢٩١٨) من حديث أبي هريرة -﵁- رفعه، ولفظه: «قد مات كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده، لتُنْفَقنَّ كنوزهما في سبيل الله» .
(٤) أخرجه مسلم (٢٩١٩) بعد (٧٨) من حديث جابر بن سمرة -﵁رفعه.
(٥) أخرجه أحمد (٤/٣٠٣)، والنسائي في «الكبرى» (٨٨٧٨)، وأبو يعلى في «المسند» (١٦٨٥) من حديث البراء بن عازب رفعه، وهو طويل، «غريب، تفرد به ميمون بن أستاذ» . =
[ ٢٣٥ ]
وقوله: «إني لأبصر قصر المدائن الأبيض» (١) . ثم ذكر حديثَنا في هذا السياق، قال:
«ويدل على ذلك -أيضًا-: قوله -﵇-: «إذا منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مديها ودينارها» . فقد أضاف الفضة البيضاء إلى العراق وهي مملكة كسرى، والدينار الأحمر إلىالشام وهي مملكة قيصر. وقد يدل هذا -أيضًا- إلى ما ذكرناه أولًا من المراد به الذهب والفضة. وقيل: هو المراد بالحديث» انتهى.
وذهب إلى نحوه أبو عبد الله محمد بن خلفة الوشتالي، الشهير بـ (الأُبّي) (ت ٨٢٧هـ) في شرحه المسمى «إكمال إكمال المعلم» (٢)، قال في شرح قوله ﷺ: «وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض» ما نصه:
«الظاهر أنهما الذهب والفضة، وهما كنزا كسرى وقيصر، ملكي الشام والعراق؛ لحديث: «إذا (٣) منعت العراق درهمها (٤)، ومنعت الشام مُدْيها
_________________
(١) = قاله ابن كثير في «السيرة» (٣/١٩٤-١٩٥)، وحسّنه ابن حجر في «الفتح» (٧/٣٩٧) ! قلت: إسناده ضعيف، لميمون أبي عبد الله، نقل الأثرم عن أحمد قوله عنه: أحاديثه مناكير، وقال ابن معين: لا شيء، وقال أبو داود: تكلم فيه، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٥/٤١٨)، وقال: «كان يحيى القطان يسيء الرأي فيه» . ولذا قال الهيثمي في «المجمع» (٦/١٣٠-١٣١): «رواه أحمد، وفيه ميمون أبو عبد الله، وثّقه ابن حبان، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات» . قلت: وفي «صحيح البخاري» (٤١٠١) أصله دون الزيادات التي فيه.
(٢) قطعة من الحديث السابق.
(٣) (٧/٣١٢)، وبنحوه في «مكمل إكمال الإكمال» (٧/٢٤٢) للسنوسي.
(٤) هذه رواية ابن ماهان من «صحيح مسلم» كما قدمناه، وانظر عنها: كتابي «الإمام مسلم ومنهجه في الصحيح» (١/٣٦٨)، ففيه كلام مستوعب جيد على (رواة الصحيح)، قلّ أن تجده في كتاب، والحمد لله على نعمه الظاهرة والباطنة.
(٥) كذا في الأصل! وسقط منه «قفيزها و» .
[ ٢٣٦ ]
ودينارها»، فأضاف الفضة إلى العراق، وهي مملكة كسرى، والدينار إلى الشام، وهي مملكة قيصر» .
قلت: وهذا المعنى بعيدٌ عن حديثِنا، ولا صلَةَ له بقوله ﷺ في آخره: «وعدتم كما بدأتم»، وهو على نقيض ما ذكره الشراح الآخرون، ويُلاحَظُ عليه الأمور الآتية:
أولًا: إنه أهمل ذكر العراق فيه.
ثانيًا: أورده بلفظ رواية ابن ماهان: «إذا »، والخبر محذوف، ويقدر -كما قدمناه (١) - بأمرين، يُبْعدان أن يكون المراد (استيلاء المسلمين على خيرات هذه البلاد)، نعم؛ لازم أن تمنع هذه البلاد خيراتها -بعد سيطرة المسلمين عليها- أن تكون تحت أيديهم.
ثالثًا: المنع -على هذا المعنى- كان للمسيطرين عليها، ورجعت خيراتُها إلى أهلها بعد إسلامهم، فمنعت مملكة كسرى الخيرَ الذي يُجبَى إليها من العراق، ومنعت مصر الخير الذي يجبى إليها من الشام، بسبب هلاكهم، وهذا مستلزم لعزّ الإسلام وأهله، ولا مناسبة لهذا المعنى للمنع في حديثنا الذي في آخره: «وعدتم كما بدأتم» .
فصل