عن أبي هريرة -﵁-، قال:
قال رسول الله ﷺ: «مَنعتِ العراقُ درهمها وقَفيزَها، ومَنعتِ الشّامُ مُدْيَها ودينارها، ومنعت مصرُ إردبَّها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم» .
شهد على ذلك لحمُ أبي هريرة ودمُه.
* تخريجه:
أخرجه مسلم في «صحيحه» (٢٨٩٦) بعد (٣٣) -ومن طريقه أبو عمرو الداني في «الفتن» (رقم ٦٠٢) - من طريق يحيى بن آدم -وهو في «الخراج» (ص ٦٧-٦٨/رقم ٢٢٧) له- عن زهير، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة. واللفظ السابق له.
وأخرجه البيهقي في «الخلافيات» (٢/ق١٣١/ب) من طريق الحسين ابن علي بن عفّان، نا يحيى بن آدم، به.
وأخرجه أبو داود في «سننه» (٣٠٣٥) من طريق أحمد بن يونس عن زهير بن معاوية، به.
ولم يعزه في «تحفة الأشراف» (٩/٤٠٣ رقم ١٢٦٥٢) من هذا الطريق إلا لمسلم وأبي داود، ووقع الحديث معزوًّا في «أحكام أهل الذمة» (١/٢٦٦ - ط. رمادي) للشيخين! وهو ليس عند البخاريّ بهذا اللفظ، وفيه ما يدلُّ عليه،
_________________
(١) = دراسة نقدية» للدكتور خالد الغيث مباحث كثيرة عن (العراق) و(الفتنة)، وذلك فيما جرى بين الصحابة خاصة قبيل وعند استشهاد عثمان -﵁-، ففيه (ص ٤٣): (دور الكوفة في الفتنة)، و(ص ١٧٠): (موقف أهل البصرة من أصحاب الجمل) .
[ ١٨٧ ]
كما سيأتي قريبًا، فقول المعلقين عليه: «بل هو في «صحيح مسلم»، ولم يخرجه البخاري، كما ذكر ابن القيم -﵀-»؛ فيه نظر! مع أنّ أخانا الشيخ عبد الله العبيلان -حفظه الله- ذكره في كتابه «إرشاد القاري إلى أفراد مسلم عن البخاري» (١) (٢/٢١٢ رقم ١٠٩٣) .
قلت: وأخرجه أحمد (٢/٢٦٢)، وأبو عبيد في «الأموال» (ص ٩١/ رقم ١٨٢)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٢/١٢٠) و«أحكام القرآن» (٢/٢٨)، وابن المنذر في «الأوسط» (١١/٤٥ رقم ٦٤٣٣)، وأبو القاسم البغوي في «الجعديات» (رقم ٢٧٦٧ - ط. الفلاح، أو ٢٦٧٣ - ط. مؤسسة نادر، أو ٢٦٨٤ - ط. الخانجي)، وابن زنجويه في «الأموال» (١/٢١٧ رقم ٢٧٤)، وابن عبد البر في «التمهيد» (٩/٤٥٧)، وابن عدي في «الكامل» (٣/١٢٨٦ - ط. دار الفكر، أو ٤/٥٢٣ - ط. دار الكتب العلمية)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (٦/٣٢٩) و«السنن الكبرى» (٩/١٣٧)، وأبو محمد البغوي في «شرح السنة» (٢٧٥٤)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢/٢١٠ - ط. دار الفكر) من طرق عن زهير، به.
وعزاه ابن حجر في «إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة» (١٤/٥٤٩ رقم ١٨١٩٥) إلى أبي عوانة في «مسنده» (كتاب الفتن) من طرق عن زهير، به. وهو في (القسم المفقود) منه.
وأعاده (١٤/٥٨٥ رقم ١٨٢٧٣) معزوًّا لابن الجارود.
وهو في «المنتقى» له (ص ٣٧٣-٣٧٤/رقم ١١٠٨) من طريق زهير -أيضًا-.
_________________
(١) فاته فيه جملة من (انفرادات مسلم)، وفيه -أيضًا- بعض ما أخرجه البخاري، وبيّنتُ ذلك في طبعة لي لـ «صحيح مسلم»، تظهر -إن شاء الله تعالى- قريبًا عن مكتبة المعارف، الرياض.
[ ١٨٨ ]
فالحديث إسناده صحيح، وهو غريب من هذا الطريق، مداره على زهير ابن معاوية، به. قال الطحاوي في «أحكام القرآن» (٢/٢٩): «لم يروه غير زهير» .
وتوبع زهير (١)، ولم أجد له متابعًا إلا (عياش بن عباس القتباني) وآخران، قال ابن عدي في «الكامل» (٣/١٢٨٦ - ط. دار الفكر، أو ٤/٥٢٣ - ط. دار الكتب العلمية) بعد أن أخرجه من طريق زهير:
«وهذا الحديث لا يعرف إلا بسهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة. ولا أعلم رواه عن سهيل إلا رجلين:
* زهير بن معاوية؛ هذا الذي ذكرتُه.
* وعياش بن عباس القتباني» (٢) .
وأسنده من طريق عياش، فقال: «حدثناه الحسين بن محمد المديني، ثنا يحيى بن بكير، عن ابن لهيعة، عن عياش بن عباس؛ هكذا، ولم يسق لفظه.
ثم ظفرتُ بلفظه من طريق عياش -وهو ثقة-.
أخرجه ابن عدي في «الكامل» -أيضًا- (٤/١٤٦٨ - ط. دار الفكر، أو ٥/٢٤٨ - ط. دار الكتب العلمية)، قال:
أخبرنا الحسن بن محمد المدني (٣)، ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، ثنا ابن لهيعة، عن عياش بن عباس (٤)، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي
_________________
(١) وهو مشهور جدًّا عنه، رواه عنه جماعات لا فائدة من تعدادهم، إذ لم أقف على خلاف عليهم فيه؛ لا في السند، ولا في اللفظ؛ فالتطويل بالسرد لا طائل تحته، والمصادر مذكورة، فالراغب في ذلك يقف عليه دون أيّةِ معاناة!
(٢) وهنالك متابع آخر، يأتي -إن شاء الله تعالى- قريبًا، وآخر لكنه خالف!
(٣) كذا هنا في الطبعتين، وفيهما -أنفسهما- في الموطن السابق -كما تقدم-: «الحسين ابن محمد المديني» !
(٤) كذا في طبعة دار الكتب العلمية، وهو الصواب. وفي طبعة دار الفكر: «عن عياش =
[ ١٨٩ ]
هريرة، عن رسول الله ﷺ، قال:
«لا تقوم الساعة حتى يُغلبَ أهلُ المدّ (١) على مُدِّهم (٢)، وأَهلُ القفيزِ على قفيزهم، وأهلُ الإردَبّ على إردبِّهم، وأهلُ الدينارِ على دينارهم، وأهل الدّرهم على درهمهم، ويرجع الناس إلى بلادهم» .
وقال على إثره كما تقدم عنه، ونصّ كلامه:
«ولا أعلم يرويه عن سهيل غيرُ عياشٍ وزهيرِ بن معاوية، وحدث به عن عياش: ابنُ لهيعة، ورواه -أيضًا- زهير بن معاوية عن سهيلِ بن أبي صالح كذلك» .
قلت: نعم؛ المعنى مؤتلف، والألفاظ مختلفة، وسبق لفظ زهير.
أما بالنسبة إلى رواية ابن لهيعة؛ فقد رواها غير ابن بكير! أخرجه ابن زنجويه في «الأموال» (١/٢١٧-٢١٨ رقم ٢٧٥) -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢/٢١١-٢١٢) -: أنا أبو الأسود، أنا ابن لهيعة، به.
وأخرجه الطبرانيُّ في «المعجم الأوسط» (٨/٣٨٣ رقم ٨٩٤٤ - ط. الحرمين، أو ٩/٤٣٦-٤٣٧ رقم ٨٩٣٩ - ط. الطحان): حدثنا مقدام، ثنا أبو الأسود، به. وقال: «لم يرو هذا الحديث عن عياش بن عباس إلا ابنُ لهيعةَ، تفرد به أبو الأسود» .
وأبو الأسود هو النضر بن عبد الجبار المصري، مشهور بكنيته، وهو ثقة، ولم ينفرد به، وإنما تابعه عليه -كما رأيت- يحيى بن عبد الله بن بكير.
ووجدته في «الخلافيات» (٢/ق١٣١/ب) من طريق الحسين بن بكر:
_________________
(١) = عن ابن عياش» !
(٢) كذا في طبعة دار الكتب العلمية، وهو الصواب. وفي طبعة دار الفكر: «المدي» !
(٣) كذا في طبعة دار الكتب العلمية، وهو الصواب. وفي طبعة دار الفكر: «مديهم» !
[ ١٩٠ ]
نا أبو النضر، نا ابن خيثمة، نا سهيل، به. كذا في مخطوطه، وصوابه: «أبو الأسود النضر، نا ابن لهيعة» بالإسناد السابق؛ ففيه تحريف وسقط، والله أعلم.
وخالفَ أبا الأسود وابنَ بكير: (عبدُالله بن وهب) .
أخرجه ابن قتيبة -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢/٢١١) -، قال: نا حرملة، نا ابن وهب، أنا ابن لهيعة، عن عبد الله الفهري، عن سهيل، به مثله. إلا أنه قال: «لا تقوم الساعةُ حتى يُغلَبَ أهلُ القفيز على قفيزهم» .
هكذا بدأه بالقفيز، وبعده المد، بتقديم وتأخير، وفيه: «وأهل الدراهم» على الجمع، وسائره مثله.
ومشّى العلماءُ (١) رواية ابن وهب عن ابن لهيعة؛ لأنه روى عنه قبل اختلاطه، هذا الذي درج عليه أهل الصنعة الحديثية.
وأما عبد الله الفهري؛ فهو غير مذكور في الرواة عن (سهيل)، ولا فيمن روى عنهم (ابن لهيعة) في «تهذيب الكمال»، وهذا مُشعِرٌ -في الغالب-؛ إما بتحريف في اسمه، أو في عدم صلة متميزة له بالتتلمذ على الأول، والأخذ عن الثاني؛ إذ لو كان لوقع في الكتب الستة، وهي -بالجملة- أنظف الكتب إسنادًا، وأقلها -عَدَا أشياء محدودة- دخلًا.
بقي النظر في «إكمال تهذيب الكمال» لمغلطاي في ترجمة (سهيل) و(ابن لهيعة)، فالترجمتان في القسم المطبوع منه -ولله الحمد-، ولكن؛ لم يزِدْ شيئًا عما أورده المزي في (الشيوخ) و(التلاميذ) في الترجمتين، فلم ينفعْنا
_________________
(١) ذكر أبو الفضل بن طاهر في كتاب «المنثور»: «قال عبد الغني: إذا روى العبادلة: ابن وهب وابن المبارك والمقرئ عن ابن لهيعة؛ فهو سند صحيح» . كذا في «إكمال تهذيب الكمال» (٨/١٤٤) .
[ ١٩١ ]
ذلك في تحديد (عبد الله الفهري) .
ثم نظرتُ في «الجامع» (١) لابن وهب، فلم أظفر بالحديث فيه، ولا يوجد في سلسلة رواته ما يسعِفُ على تعيينه.
ثم نظرتُ في النسخة الخطية من «تاريخ دمشق» (١/ق٢٨٨ - الظاهرية)، ففيه -كما في المطبوع- بالسند إلى (ابن لهيعة عن عبد الله الفهري ابن (كذا في المخطوط) سهيل )، وقال عقبه:
«خالفه أبو الأسود النضر بن عبد الجبار المصري عن ابن لهيعة، فقال: عن (عياش بن عباس)، بدل: (عبد الله الفهري)» انتهى.
إذن؛ (عبد الله الفهري) من تخاليط الرواة (٢)، فالبحث عنه عبثٌ، وجُهدٌ ضائعٌ، والطريق المحفوظة هي الطريق السابقة؛ فقد جوده ابن بكير وأبو الأسود عن ابن لهيعة، وإسنادها يُحتجُّ به في الشواهد، كما في روايتنا هذه.
ولم يعزه السيوطي في «الجامع الكبير» (١٤/٢٥٠ رقم ٣٨٦٠٥ - ترتيبه «الكنز») إلا لابن عساكر!
_________________
(١) طبع في ليدن قديمًا، ثم ظهر في جلدين عن دار ابن الجوزي في نشرة غير جيدة، وفهارسها سقيمة، ولكتابه هذا ثلاث نسخ خطية في المكتبة العتيقة بالقيروان، لم ينشر الكتاب عنها بعد، وهي نفيسة جدًّا بخط عبد الله بن مسرور بن أبي هاشم التجيبي (ت ٣٤٦هـ) تحوي على تفسير القرآن الكريم، وفيها أجزاء مبتورة أخرى تحتوي على أبواب أخرى من هذا «الجامع»؛ كلها برواية سحنون بن سعيد عن ابن وهب، يسّر الله لها من يخرجها إلى عالم النور في أقرب وقت، وعلى أحسن حال، وفي أجمل حُلّةٍ وأزهاها، وما ذلك على الله بعزيز.
(٢) هنالك جماعة من الرواة خلط الناس في أسمائهم، بل لعله لا وجود -ألبتة- لبعضهم، وإنما خُصُّوا وسُمُّوا بسبب سوء فهمٍ لبعض النصوص، أو عدم معرفة منهج أهل العلم في مؤلفاتهم، ونبه على هذا ابنُ حجر في «تعجيل المنفعة» في مواطن من كتابه، وتعقب الحسيني في «الإكمال» كثيرًا، والهيثمي في «المجمع» قليلًا، وكشف عن أسماء ذكروها لا وجود لها عند التحقيق، فتنبهْ لهذا.
[ ١٩٢ ]
وقال ابن بدران في «تهذيب تاريخ دمشق» (١/١٨٧): «لم أجد من خرجه في كتب الحديث المعتبرة إلا ابن عساكر، وقد كشفت عنه في «الجامع الكبير» للسيوطي، فرأيته لم يخرجه إلا عن ابن عساكر، وهو حديث ضعيف الإسناد» .
فصل