يشير النووي في كلامه السابق إلى ما أخرجه مسلم في «صحيحه» (٤)، قال:
«حدثنا زُهير بن حرب وعلي بن حُجر (واللفظ لزهير)، قالا: حدثنا
_________________
(١) «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٨/٢٨)، وعنه السيوطي في «الديباج» (٦/٢٢٢)، ومثله في «القناعة» (ص ١٠٦) للسخاوي، وصاحب «عون المعبود» (٨/٢٨٢) وصاحب «السراج الوهاج» (١١/٣٦٧) .
(٢) «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٨/٢٨)، وعنه صاحب «عون المعبود» (٨/٢٨٢) وصاحب «السراج الوهاج» (١١/٣٦٧) .
(٣) «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٨/٢٨)، وعنه السيوطي في «الديباج» (٦/٢٢٣) -وزاد عليه «لما غلبت عليه التتار» -، وصاحب «عون المعبود» (٨/٢٨٢) -وحذَفَ «وهو الآن موجود» - وصاحب «السراج الوهاج» (١١/٣٦٨) .
(٤) برقم (٢٩١٣) بعد (٦٧)، واللفظ المذكور هو الذي صدره للحديث.
[ ٢٣٨ ]
إسماعيل بن إبراهيم، عن الجُريْري، عن أبي نَضْرة، قال: كنا عند جابر بن عبد الله، فقال: يوشك أهل العراق أن لا يُجبى (١) إليهم قفيز ولا درهم. قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل العَجم، يمنعون ذاك. ثم قال: يوشك أهل الشام أن لا يجبى إليهم دينار ولا مُدْي. قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل الروم، ثم أَسْكت (٢) هُنيَّة (٣)، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: «يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثيًا، لا يعده عدًّا» .
قال: قلت لأبي نضرة وأبي العلاء: أتريان أنه عمر بن عبد العزيز؟ فقالا: لا» انتهى.
وأبو نضرة السائل؛ هو: المنذر بن مالك بن قُطعة العَبْديّ (٤)، وأما أبو العلاء؛ فهو: يزيد بن عبد الله بن الشّخير.
والسائل لهما: «أتريان أنه عمر بن عبد العزيز؟ فقالا: لا»؛ هو الجُريري؛
_________________
(١) يجبى -بسكون الجيم-: جبيتُ الخراج وجَبَوْته جمعته، كذا في «المشارق» (١/١٣٨)، و«مطالع الأنوار» (١/ق٩٢/أ) -نسخة الملك عبد العزيز-، ولم يقع فيه خلاف، إذ لم يذكراه في (الاختلاف والوهم)، ووقع في بعض المصادر والشروح «يجيء»؛ وهو تصحيف.
(٢) أسكت؛ معناه: أطرق، وقيل: سكت وأسكت بمعنى صمت، وقيل: أسكت: أعرض، قاله القاضي عياض في «إكمال المعلم» (٨/٤٥٧)، وقال النووي في «شرح صحيح مسلم» (١٨/٥٣): «أما (أسكت)؛ فهو بالألف في جميع نسخ بلادنا، وذكر القاضي أنهم رووه بحذفها وإثباتها، وأشار إلى أن الأكثرين حذفوها» . قلت: نعم، في «الإكمال»: «عند ابن عيسى: أسكت»، وفي هذا إشارة إلى أنها دون الألف عند غيره، وانظر: «مشارق الأنوار» (٢/٢١٥ - ط. تونس) .
(٣) بتشديد الياء بلا همز، قال القاضي: رواه لنا الصدفي بالهمزة، وهو غلط، ومعناه: شيئًا، انظر: «إكمال المعلم» (٨/٤٥٧) و«مشارق الأنوار» (٢/٢٧١) و«شرح النووي على صحيح مسلم» (١٨/٥٣) .
(٤) ذكره مسلم في (الطبقة الثانية من تابعي أهل البصرة) من كتابه «الطبقات» (١/٣٤١ رقم ١٧٨٤ - بتحقيقي) . وانظر: «تحفة الأشراف» (٢/٣٧٩ - ط. عبد الصمد) و«إتحاف المهرة» (٣/٥٧٦) ففيه (رواية الجريري عن أبي نضرة عن جابر) .
[ ٢٣٩ ]
واسمه: سعيد بن إياس، وهو ثقة، احتج به الشيخان، وأطلق ابن معين والنسائي القول بتوثيقه (١) . وقال أحمد بن حنبل: محدث أهل البصرة (٢) . وقال أبو حاتم: تغير حفظه قبل موته، فمن كتب عنه قديمًا فهو صالح، وهو حسن الحديث (٣) .
وقال كهمس: أنكرناه أيام الطاعون (٤) . وقال يزيد بن هارون: سمعتُ منه سنة اثنتين وأربعين ومئة، وهي أول سنة دخلتُ البصرة، ولم ننكر منه شيئًا، وكان قيل لنا: إنه اختلط.
وقال ابن حبان: كان قد اختلط قبل أن يموت بثلاث سنين، قال: ولم يكن اختلاطه اختلاطًا فاحشًا (٥) .
وقال الأبناسي (٦): ومن سمع منه قبل التغيير، وذكر عشرة؛ منهم: (إسماعيل ابن عليّة)، وهو منسوب هنا لأمه (٧)؛ وهو: (إسماعيل بن إبراهيم) الذي في إسنادنا.
والضابط في السماع من (الجريري) قبل الاختلاط ما قاله أبو داود فيما
_________________
(١) انظر: «الضعفاء» للنسائي (٢٧١)، «تهذيب التهذيب» (٤/٦)، و«تهذيب الكمال» (١٠/٣٤١)، «المستخرج من مصنفات النسائي في الجرح والتعديل» (ص ٦٦) .
(٢) انظر: «الجرح والتعديل» (٣/٢) . وانظر: «بحر الدم» (ص ١٧٠ رقم ٣٤٩) .
(٣) «الجرح والتعديل» (٣/٢) .
(٤) «عمل اليوم والليلة» (ص ٢٧٥ رقم ٣١٠) للنسائي، و«النكت الظراف» (٣/٤٥٨)، و«تهذيب الكمال» (١٠/٣٤٠-٣٤١)، و«السير» (٦/١٥٤) .
(٥) «الثقات» (٦/٣٥١) .
(٦) في «الشذا الفياح» (النوع الثاني والستون) (٢/٧٥٣) .
(٧) ولذا ترجمه الفيروز آبادي في رسالته «تحفة الأبيه فيمن نسب إلى غير أبيه» (١/١١٢، ١١٤، ضمن «نوادر المخطوطات») .
[ ٢٤٠ ]
رواه عنه أبو عبيد الآجري (١): «كل من أدرك أيوب، فسماعه من الجريري جيد» . وحكاه الأبناسي (٢) -أيضًا-.
وأخرج البخاري في «صحيحه» (كتاب استتابة المرتدين) (باب إثم من أشرك بالله) (١٢/٢٦٤ - مع «الفتح») من طريق إسماعيل بن إبراهيم عن الجريري بسنده حديث أبي بكر رفعه: «أكبر الكبائر: الإشراك بالله، » .
وكذا أخرج له مسلم في «صحيحه» (٤/٢١٩٩ - ط. محمد فؤاد عبد الباقي) في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها (باب عرض مقعد الميت) من الطريق نفسه حديثًا آخر.
إذن؛ اختلاط الجريري (٣) لا يضر، والحديث السابق بسياقته التامة مداره عليه، ورواه عنه من طرق كل من:
أولًا: إسماعيل بن إبراهيم (٤) (ابن عليّة) .
أخرجه من طرق عنه: أحمد في «المسند» (٣/٣١٧)، وابن حبان في «صحيحه» (٦٦٨٢ - «الإحسان»)، وأبو عوانة في «مسنده» -كما في «إتحاف المهرة» (٣/٥٧٦ رقم ٣٧٨٢) -، وأبو يعلى -رواية أبي بكر بن المقري (٥) - ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢/٢١٣) -.
_________________
(١) في «سؤالاته» (١/٤٠٤ رقم ٧٩٧) .
(٢) في «الشذا الفياح» (٢/٧٥٣) .
(٣) ترجمه في (المختلطين) غير واحد؛ منهم: ابن الكيال في «الكواكب النيرات» (ص ١٧٨ وما بعد رقم ٢٤)، والعلائي في «المختلطين» (ص ٣٧ رقم ١٦)، وسبط ابن العجمي في «الاغتباط» (ص ٥٩ رقم ٤٣) . وانظر: «نهاية الاغتباط» (ص ١٢٧ رقم ٣٩) .
(٤) ورواية مسلم المتقدمة من طريقه.
(٥) هي غير رواية «المسند» المطبوعة، وطبع «المسند» برواية أبي عمرو بن حمدان، وهي مختصرة ليس فيها مسانيد أبي بكر وعمر وعثمان -﵃-. ورواية ابن حبان السابقة عن أبي يعلى -أيضًا-.
[ ٢٤١ ]
وأخرجه أبو عمرو الداني في «الفتن» (٥/١١١٩-١١٢٠ رقم ٦٠٣) من طريق علي بن معبد، حدثنا إسماعيل، به. مقتصرًا على قول جابر بن عبد الله:
«يوشك أهل العراق ألا يجبى إليهم قفيز ولا درهم من قبل العجم، يمنعون ذلك» . وسبق عنده (٥/١٠٥٣ رقم ٥٦٩) من الطريق نفسه المرفوع فقط، فكأنه فرق الحديث وقطعه.
وأخرجه -أيضًا- في «الفتن» (٥/١١٢٠) من طريق زهير بن حرب، ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن الجريري، عن أبي نضرة، قال: وذكره مقتصرًا على قول جابر في ذكر (العراق) و(الشام)، كما في رواية مسلم، دون قوله: «ثم أسكت هنيّة » وما بعده من المرفوع.
وتابع ابنَ عليةَ عليه غيرُ واحد، وهذا ما وقفت عليه:
ثانيًا: عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي (١) .
أخرجه مسلم (٢٩١٣) إثر رواية إسماعيل بن إبراهيم، قال: «بهذا الإسناد ونحوه» (٢) .
وأخرجه البيهقي في «الدلائل» (٦/٣٣٠) وفي «الخلافيات» (٢/ق١٣٢/أ) من طريق محمد بن إسحاق بن خزيمة، قال:
_________________
(١) سمع من الجريري قبل الاختلاط، فيما ذكر الأبناسي في «الشذا الفياح» (٢/٧٥٣)، وعنه ابن الكيال في «الكواكب النيرات» (ص ١٨٣)، ومن شيوخ عبد الوهاب: (أيوب السختياني)، وروايته عنه عند الجماعة، كما في «تهذيب الكمال» (١٨/٥٠٣)، وتقدم كلام أبي داود السجستاني أن كل من أدرك أيوب، فسماعه من الجريري جيد.
(٢) أرى من الأهمية بمكان إخراجُ ألفاظ الروايات التي أبهمها مسلم ولم يسُقْ ألفاظها، من الكتب الحديثية، ولا سيما باستخدام نظام (الحاسوب) العصري، وإبراز منهجه في ذلك على وجه تفصيلي تأصيلي.
[ ٢٤٢ ]
حدثنا محمد بن بشار (١) وأبو موسى (٢)، قالا: حدثنا عبد الوهاب، أخبرنا سعيد -قال بندار: ابن (٣) إياس- الجُرَيري، وقالا: عن أبي نضرة، عن جابر بن عبد الله، قال: يوشك أهل العراق لا يُجبى إليهم درهم ولا قفيز، قالوا: مما (٤) ذاك يا أبا عبد الله؟ قال: من العجم.
وقال بُندار: من قِبل العجم.
وقالا: يمنعون ذاك، ثم سكت هنيهة وقال هنيّة (٥) .
[وقالا] (٦): ثم قال: يوشك أهل الشام أن لا يُجبَى إليهم دينار ولا مُدْي. قال: مما (٧) ذاك؟ قال: من قبل الروم يمنعون ذاك.
ثم قال رسول الله ﷺ: «يكون في أمتي خليفة يحثي المال [حثيًا] (٨)، لا يعده عدًّا» .
ثم قال: والذي نفسي بيده ليعودن الأمر كما بدأ، ليعودن كل إيمان إلى المدينة كما بدأ بها (٩)، حتى يكون كل إيمان بالمدينة. ثم قال رسول الله ﷺ (١٠):
_________________
(١) لقبه (بُندار) . وسيأتي التصريح باللقب.
(٢) هو محمد بن المثنى.
(٣) في الأصل: «بن» دون ألف، وهذا خطأ، لا يعين على فهم المراد، إذ انفرد بندار عن أبي موسى بذكر اسم والد الجريري، فقال: «ابن إياس» .
(٤) في «الخلافيات»: «بم» .
(٥) في «الخلافيات»: «هنيئة» .
(٦) سقط من «الخلافيات» .
(٧) في «الخلافيات»: «قالوا: بم » .
(٨) سقط من «الخلافيات» .
(٩) في مطبوع «الدلائل»: «بهما» ! والمثبت من «الخلافيات» .
(١٠) بعدها في مطبوع «الدلائل»: «لا يخرج رجل من المدينة، ثم قال رسول الله - ﷺ -» وهذه الجملة مكررة فحذفتُها.
[ ٢٤٣ ]
«لا يخرج رجل من المدينة رَغبة عنها إلا أبدلها الله خيرًا منه، وليسمعن ناس برخْصٍ من أسعارٍ ورزقٍ فيتَّبِعونه، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» وإسناده صحيح.
وعلقه أبو عوانة في «مسنده» -كما في «إتحاف المهرة» (٣/٥٧٦ رقم ٣٧٨٢ و٥/٤٤٠ رقم ٥٧٢٨) - من طريق ابن عليّة وعبد الوهاب، عن الجريري، به.
وأخرجه نعيم بن حماد في «الفتن» (١/٣٦٢ رقم ١٠٥٥): حدثنا عبد الوهاب الثقفي، به مختصرًا مقتصرًا على قوله ﷺ: «يكون في أمتي خليفة يحثي المال حثيًا، ولا يعده عدًّا» .
وأخرجه نعيم في «الفتن» (٢/٦٨٤ رقم ١٩٣١) -أيضًا-: حدثنا عبد الوهاب، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن جابر بن عبد الله، قال: قال حذيفة: «يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم درهم ولا قفيز، يمنعهم من ذلك العجم، ويوشك أهل الشام أن لا يجبى إليهم دينار ولا مُدي، يمنعهم من ذلك الروم» .
كذا فيه زيادة: «قال: قال حذيفة»، وهي مثبتة في الطبعة الأخرى منه (٢/١٨٤) وفي النسخة الخطية (ج١٠/ق٧/ب)، ولعلها من تخاليط (نعيم ابن حماد)، فقد رواها من هو أوثق منه، وأكثر عددًا دونها. ونعيم بن حماد «في قوة روايته نزاع» . قاله الذهبي (١)، وقال مسلمة بن القاسم: «كان صدوقًا، وهو كثير الخطأ، وله أحاديث منكرة في (الملاحم) انفرد بها» (٢) .
ثالثًا: عبد الوهاب بن عطاء الخفاف (٣) .
_________________
(١) في «سير أعلام النبلاء» (١٠/٥٩٦) .
(٢) «تهذيب التهذيب» (١٠/٤١٢) .
(٣) لم يصرح الأبناسي ولا ابن الكيال؛ هل روايته عن الجريري كانت قبل أو بعد، ولم يخرج أصحاب الكتب «الستة» شيئًا من روايته عنه، ولم يَرْوِ فيها شيئًا عن أيوب السختياني. =
[ ٢٤٤ ]
أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٤/٤٥٤): أخبرنا الحسن بن يعقوب ابن يوسف العدل، وأحمد بن مروان الدينوري في «المجالسة» (٥/٣٩٨-٤٠٠ رقم ٢٢٦٣ - بتحقيقي) -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢/٢١٣-٢١٤) -، قالا: ثنا يحيى بن أبي طالب، ثنا عبد الوهاب بن (١) عطاء، به. ولفظه:
«يوشك أهل العراق أن لا يجبى (٢) إليهم » وساقه (٣) مثل رواية عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي.
وأخرجه الدينوري في «المجالسة» (٧/٥٢ رقم ٢٩٠٤) من طريق يحيى بن أبي طالب، به مقتصرًا على قوله ﷺ:
«والذي نفسي بيده، ما يخرج أحد من المدينة رغبةً عنها إلا أبدلها الله خيرًا منه أو مثله» .
وقال الحاكم عقبه: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذه السياقة (٤)، إنما أخرج مسلم حديث داود بن أبي هند عن أبي نضرة، عن
_________________
(١) = وعليه، فهو ممن سمع منه بعد الاختلاط. انظر: «تهذيب الكمال» (١٨/٥٠٩) . ثم وجدت في «تقدمة الجرح والتعديل» (ص ٣٢٤) عن ابن نمير قوله: «عبد الوهاب بن عطاء قد حدّث عن أصحابنا، وكان أصحاب الحديث يقولون: إنه سمع من سعيد بأخرة، كان شبه المتروك» . قلت: فصحّ ما استَظْهَرتُه، ولله الحمد والمنة. ولكن روايته المطوّلة هذه؛ تابعه عليها من سمع من الجريري قبل اختلاطه، ولم يتفرد بها، فهي صحيحة، والحمد لله.
(٢) في مطبوع «المستدرك»: «عن»، وهو خطأ، والتصويب من «إتحاف المهرة» (٣/٥٧٦ رقم ٣٧٨٢)، وكتب الرجال.
(٣) في مطبوع «المستدرك»: «يجيء» !
(٤) في مطبوعه «أسعار وريف» بدل «وأسعار ورزق» .
(٥) ذكر مسلم إسناد هذه السياقة دون لفظها، وقد ساق طرقًا لبعض الأحاديث في =
[ ٢٤٥ ]
أبي سعيد، عن النبي ﷺ: «يكون في آخر الزمان خليفة يعطي (١) المال، لا يعدّه عدًّا» . قال: «وهذا له علة»، قال:
«فقد حدثناه علي بن عيسى، ثنا الحسين بن محمد بن زياد، ثنا أبو موسى ومحمد بن بشار، قالا: ثنا عبد الوهاب بن عبد الحميد (٢)، ثنا داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن جابر أو أبي سعيد، أن النبي ﷺ قال: «يكون في آخر هذه الأمة خليفة يقسم المال، لا يعده عدًّا» .
قال شيخنا الألباني (٣) -رحمه الله تعالى- بعد كلام الحاكم السابق:
«وأقول: لي على هذا الكلام ملاحظات:
الأولى: أنه أوهم أن مسلمًا لم يخرج حديث الجُريري مطلقًا، وليس كذلك كما ترى.
الثانية: أن العلة التي أشار إليها ليست قادحة؛ لأن مسلمًا قد أخرج الحديث من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث: حدثنا أبي، حدثنا داود، به. إلا أنه قال:
«عن أبي سعيد وجابر بن عبد الله، قالا: » هكذا بدون شك، وكذلك أخرجه أحمد (٣/٣٣٣) .
وهذا أصح؛ لأن عبد الوارث والد عبد الصمد ثقة ثبت، بخلاف عبد الوهاب بن عبد المجيد (وفي الأصل: عبد الحميد، وهو خطأ مطبعي)؛ ففيه
_________________
(١) = متونها عللٌ نبّه هو عليها في كتابه «التمييز» . وانظر: كتابي «الإمام مسلم ومنهجه في الصحيح» (٢/٥٤٠-٥٤٨) .
(٢) كذا في مطبوع «المستدرك» ! وصوابه: «يحثي» .
(٣) كذا في الأصل؛ وهو تحريف، وصوابه «عبد المجيد» .
(٤) في «السلسلة الصحيحة» (٧/القسم الأول/١٩٧-١٩٨) .
[ ٢٤٦ ]
ما يأتي.
الثالثة: أن عبد الوهاب هذا -وإن كان ثقة من رجال الشيخين فإنه- مذكور فيمن كان اختلط، فلا يُعل بروايته ما رواه الثقة الثبت عبد الوارث.
ثم إن الحديث قد أورده السيوطي في «الجامع الكبير» مفرقًا من حديث جابر دون جملة الشام، وعزا الجملة الأولى المتعلقة بالعراق لأحمد وأبي عوانة وابن عساكر، وعزا حديث الترجمة لأحمد ومسلم فقط، وفي ذكره للجملة الأولى فيه -مع كونها موقوفة- إشارة منه إلى أنها في حكم المرفوع؛ وذلك لأنها من الأمور الغيبية التي لا تقال بالرأي والاجتهاد.
وأيضًا؛ فإنه يشهد له حديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: «منعت العراق » وساقه وعزاه لمسلم وأبي داود والبيهقي وابن عبد البر» انتهى كلام شيخنا -رحمه الله تعالى-.
قال الذهبي في «التلخيص»: «رواه مسلم، فقال: عن أبي سعيد، ولم يشك» .
قلت: أخرجه أحمد (٣/٣٣٣): حدثنا عبد الصمد (١)، حدثنا أبي، حدثنا داود، به، وفيه: «عن أبي سعيد وجابر» بالجمع لا بالشك (٢)، ولفظه: «يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعُدُّه» . وإسناده صحيح.
وفي هذا متابعة للجريري على أصل الحديث، وليس فيه قول جابر (موطن الشاهد الذي سقناه من أجله) .
قال أبو عبيدة: وأخرجه مسلم -أيضًا- (٢٩١٤، ٢٩١٣) بعد (٦٩)،
_________________
(١) هو ابن عبد الوارث، كما صرح به أحمد في موطن آخر من «المسند» (٣/٣٨) .
(٢) قال ابن حجر في «إتحاف المهرة» (٥/٤٤٠ رقم ٥٧٢٨) بعد رواية الحاكم «عن جابر أو أبي سعيد»: «كذا قال، وهو في «مسلم» من حديث جابر وأبي سعيد جميعًا» .
[ ٢٤٧ ]
وأبو يعلى (١٢١٦) من طريق عبد الصمد، وفيه: «عن أبي سعيد وجابر» .
وأما حديث أبي سعيد؛ فقد أخرجه مسلم (٢٩١٤) بعد (٦٨) من طريق بشر -يعني (١): ابن الفضل- وإسماعيل -يعني (٢): ابن عليّة-؛ كلاهما عن سعيد بن يزيد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد (٣)
رفعه: «مِن خلفائكم خليفة يحثو المال حثيًا (٤)، لا يعده عدًّا» .
قال مسلم: «وفي رواية ابن حُجر (٥): يحثي المال» .
وأخرج حديث أبي سعيد وحده: أحمد (٣/٥، ٣٧، ٤٨، ٤٩، ٦٠، ٨٠، ٩٦، ٩٨)، وأبو عوانة -كما في «إتحاف المهرة» (٥/٤٤٠ رقم ٥٧٢٨) -، وليس فيه ذكر لـ (العراق) و(الشام)، وستأتي بعض ألفاظه (٦) .
_________________
(١) هذه من زيادات مسلم، أَشعَرَ بها قارئَ «صحيحِه» أنها من كيسه، وليست من قول الرواة، وهذا من دقته -﵀-.
(٢) هذه من زيادات مسلم، أشعَرَ بها قارئَ «صحيحه» أنها من كيسه، وليست من قول الرواة، وهذا من دقته -﵀-.
(٣) انظر: «تحفة الأشراف» (٢/٣٨١ رقم ٣١٠٧ و٣/٤٥٦-٤٥٧ رقم ٤٣٢١) . والملاحظ أن الحديث عند مسلم «عن أبي سعيد» وحده، و«عن جابر» وحده، وعنهما معًا، فكلمة الذهبي: «عن أبي سعيد»، وكلمة ابن حجر: «من حديث جابر وأبي سعيد جميعًا» صحيحتان.
(٤) يقال: حثى يحثي ويحثو حَثْوًا وحَثْيًا، وقد وقع الفعلان والمصدر في الأصل، وضبطه الأسدي: «حِثيًّا» بكسر الثاء وتشديد الياء. و«الحثو» هو الحفن باليدين، الذي يفعله هذا الخليفة يكون لكثرة الأموال والغنائم. انظر: «إكمال المعلم» (٨/٤٥٧)، «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٨/٥٣-٥٤)، «مشارق الأنوار» (١/١٨٠)، «الديباج» (٦/٢٣٤)، وهو -على التحقيق- المهدي، وسيأتي بيان ذلك بالتفصيل فيما يأتي (ص ٤٤٠) .
(٥) هو شيخه علي، واللفظ السابق لشيخه نصر بن علي الجهضمي، وهذه الممايزة من دقة مسلم -أيضًا-.
(٦) انظر: (ص ٤٤٠) .
[ ٢٤٨ ]
فصل