«ثم لا يتصدى للجهاد، ويرتدي اسمه ووصفه؛ إلا مجموعات متناثرة، لا راية لهم، ولا منهج، ولا تربية، فإن أحسنوا؛ فمن عند الله، وإن أساؤوا؛ فبتفريطنا وتقصيرنا، مع تفريطهم وتقصيرهم» .
وقال في (عظم جنايتهم على الأمة):
«أمّا أنّه: لا يجوز لهذه الفئة، ولا لأي فئة أن تجلب على الأمة عداوة لا قبل لها بها، وتجرها إلى معركة غير متكافئة، لم تستعد لها الأمة، ولم تتوقعها؛ فهذا ما نرفع به الصوت، ولا نخافت، لكن إذا أبت تلك الفئة إلا الاستبداد بالرأي، وفعلت ما عنَّ لها؛ بلا مشورة، ولا مراعاة مصلحة؛ فإننا -حينئذٍ- سنكون نحن الأبرياء ونحن الضحايا لانتقام العدو الغاشم، وهذا ما سيقع للأفغان (١) وغيرهم، فهم الأبرياء، وليس من سقط من العدو» .
وقال في (بيان جهلهم واغترارهم):
«قد تكون هناك قرائن تدل على ضلوع بعض الشباب المنتمين إلى هذا البلد فيما حدث، ولكن لا قرينة ولا شبهة في أنّ الخطة وتداعيات الحدث أكبر مما تتصوره عقول هؤلاء الفتية الأحداث، الذين لم يغادر كثير منهم البلاد إلا منذ أشهر» .
وقال متممًا هذا الكلام، كاشفًا عن حقيقة خطيرة؛ وهي: أنهم (ضحايا تغرير):
«ومن هنا؛ فإنّ الخطب الرنانة، والمقالات والتحقيقات الواسعة في بلادنا عن الحادث التي توحي بأن التهم حقيقية وأن التبعات مقصودة، وتصور هؤلاء الفتية وكأنهم شياطين مردوا على الشر، لا غاية لهم إلا تدمير السلام
_________________
(١) وكان كما توقع الشيخ -حفظه الله-: وراح الشبان والنساء والشيوخ والأطفال في حرب سعرها عليهم (الأمريكان) بسبب مَنْ تحدث عنهم.
[ ١٥٢ ]
العالمي، والبطش بالأبرياء؛ هي مجافاة لمنطق العدل، ومنطق الدفاع عن البلد وأبنائه، وإساءة بالغة لمشاعر أهلهم وقبائلهم، وهي منافية بوضوح لتصريحات المسؤولين التي لم تزد على وصف هؤلاء بأنهم: ضحايا تغرير، فهكذا كان تصريح وزير الداخلية، وهو أكثر الناس متابعة لهؤلاء، وأعرفهم بدوافعهم» .
ثم تكلم عن (انحرافات هؤلاء الشباب العقدية) بما يؤكد صلة ما يقومون به بمبدأ (الخوارج) الذي ظهر من العراق، وهاج من هناك، وبقي يتعاقب في أحداث ونفسيات إلى وصوله إليهم، قال:
«وذهب بهم الغلو إلى تكفير غيرهم، ومن ذلك تكفير الجماعات الإسلامية نفسها» .
وقال: «وفي أفغانستان الْتَقَى المتطوعون القادمون من كل مكان -حتى من مصر نفسها-؛ بلا منهج، ولا تنظيم، بهؤلاء الذين يحملون منهجًا في التغيير، وفكرًا تنظيميًّا، ومعاناة طويلة، وهكذا تأثر بعض الشباب بهم على اختلاف فيما بينهم، وتفاوت في الغلو، أو الاقتناع باستخدام العنف» .
وتساءل بقوله: «كيف تسلل الغلو، وانتهاج العنف إلى بعضهم، وحوله إلى بلده ومجتمعه أحيانا؟» وأجاب بما أداه إليه رأيه واجتهاده، وهو لا يخرج عن التفسير التاريخي، الذي أخشى أنْ يكون من جنس الاحتجاج بالقدر الكوني، فأقول مستدركًا عليه -وفّقه الله-:
إنّ الجواب سهل ويسير، فيكفي أنْ يمد الدكتور يده إلى مكتبته، ليخرج كتابًا من كتب سيد قطب، ويقف بين صفحاته على النصوص الكثيرة التي (تسلل) من خلالها: (الغلو، وانتهاج العنف) إلى عقول وسلوك شباب الأمة الذين رُبُّوا على تلك الكتب.
يكفي أن يجدد الدكتور قراءاته في تلك النصوص بعين العدل والإنصاف، والتجرد للحق؛ ليكتشف أنّ الذي جرأهم على (الافتئات
[ ١٥٣ ]