وهذه فرية بلا مرية، إذ فيها مضادّة للأحاديث النبوية الصحيحة الشهيرة، وقد تتابعت جهود الأعلام من العلماء على اختلاف أعصارهم وأمصارهم على كشف الباطل الذي فيها، وهذه شذرات من كلماتهم (١):
* الشيخ عبد الرحمن بن حسن، قال في «مجموعة الرسائل والمسائل» (٤/٢٦٤-٢٦٥):
«الذم إنما يقع في الحقيقة على الحال لا على المحل، والأحاديث التي وردت في ذم نجد كقوله ﷺ: «اللهم بارك لنا في يمننا، اللهم بارك لنا في شامنا» الحديث قيل أنه أراد نجد العراق؛ لأن في بعض ألفاظه: ذكر المشرق، والعراق شرقي المدينة، والواقع يشهد له، لا نجد الحجاز، ذكره العلماء في شرح هذا الحديث، فقد جرى على العراق من الملاحم والفتن، ما لم يجر في نجد الحجاز، يعرف ذلك من له اطلاع على السير والتاريخ؛ كخروج الخوارج بها، وكمقتل الحسين (٢)،
وفتنة ابن الأشعث، وفتنة المختار
_________________
(١) = «مذكرات همفر»، انظر الأعداد (٣١، ٣٢، ٣٣)، وللمحدث الشيخ مقبل بن هادي -﵀- مقالة بعنوان «حول كلمة وهابي» نشرناها في «الأصالة» -أيضًا- (العدد ٣٤/ص ٢٨-٣٣)؛ فلتنظر.
(٢) وفيها جميعًا ما يؤكّد أنّ المراد بـ (نجد): (العراق)، وهذا هو سبب إيراد هذه النقولات.
(٣) ورد في ذلك حديث صحيح بشواهده، أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٥/٩٨ رقم ١٩٢١٤)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (١/٣٠٨-٣٠٩ رقم ٤٢٧)، وأحمد (١/٨٥) والبزار (٨٨٤) وأبو يعلى (٣٦٣) في «مسانيدهم»، والطبراني (٢٨١١) من طريق عبد الله بن نُجيّ عن أبيه: أنه سار مع علي، وكان صاحبَ مطهرته، فلما حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفين، فنادى عليّ: اصبر أبا عبد الله، اصبر أبا عبد الله، بشط الفرات. قلت: وماذا؟ قال: دخلت على النبي - ﷺ - ذات يوم وعيناه تفيضان، قلت: يا نبيَّ الله! أغضبك أحد، ما شأن عينيك تفيضان؟ قال: «بل قام من عندي جبريل قبل، فحدثني أنّ الحسين يُقتل بشط الفرات»، قال: فقال: «هل لك إلى أن أُشِمَّكَ من تربته؟» قال: قلت: نعم. فمد يده، فقبض قبضة من تراب فأعطانيها، فلم أملك عَيْنَيَّ أن فاضتا. = -، وابن الأثير في «أسد الغابة» (١/١٤٦)، وعن الحسين نفسه ومعاذ وزينب بنت =
[ ٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وإسناده ضعيف، نجي والد عبد الله، لم يرو عنه غير ابنه، ولم يوثقه غير ابن حبان، وقال: «لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا انفرد» . وقال البزار: «وعبد الله بن نجي وأبوه سمعا من علي» . وله طرق أخرى عن علي، وبعضها موقوفة عليه، لكن لها حكم الرفع. انظر: «المعجم الكبير» للطبراني (٣/١١٧-١١٨ رقم ٢٨٢٣، ٢٨٢٤، ٢٨٢٥، ٢٨٢٦) . والحديث له شواهد عديدة، أشار إليها الهيثمي بقوله في «المجمع» (٩/١٨٧) على إثر هذا الحديث: «رجاله ثقات، ولم ينفرد نجي بهذا» . قلت: ورد نحوه من حديث أنس، أخرجه أحمد (٣/٢٤٢، ٢٦٥) والبزار (٢٦٤٢ - «زوائده») وأبو يعلى (٣٤٠٢) في «مسانيدهم»، وابن حبان (٦٧٤٢)، والطبراني (٢٨١٣)، وأبو نعيم في «الدلائل» (٢/٧٠٩ رقم ٤٩٢) من طريق عُمارة بن زاذان: حدثنا ثابت، عن أنس بنحوه، وفي آخره: «قال ثابت: بلغنا أنها كربلاء» . وعمارة يروي عن ثابت عن أنس مناكير، وتفرد بهذا الحديث. وورد من حديث أم الفضل بنت الحارث، أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٣/١٧٦-١٧٧)، والطبراني مختصرًا في «الكبير» (٢٥/رقم ٤٢) من طريق محمد بن مصعب عن الأوزاعي، عن أبي عمار شداد بن عبد الله، عن أم الفضل بنحوه. وأخرجه جمع من الطريق نفسه دون موطن الشاهد. وصححه الحاكم، وتعقبه الذهبي بقوله: «بل منقطع ضعيف، فإنّ شدادًا لم يدرك أم الفضل، ومحمد بن مصعب ضعيف» . وورد من حديث عائشة، أخرجه أحمد (٦/٢٩٤) في «الفضائل» (٢/٧٧٠ رقم ١٣٥٧)، والطبراني في «الكبير» (٣/٣/١١٣-١١٤ رقم ٢٨١٤، ٢٨١٥)، ووقع عند أحمد (عن عائشة أو أم سلمة) بالشك. وأما حديث أم سلمة، فأخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» (٤/٢٨٨)، والقطيعي في «زياداته على فضائل الصحابة» (٢/٧٨٢ رقم ١٣٩١)، والطبراني في «الكبير» (٣/١١٤، ١١٥ رقم ٢٨١٧، ٢٨١٨، ٢٨١٩، ٢٨٢٠، ٢٨٢١) . وفي الباب عن أنس بن الحارث رفعه: «إن ابني هذا يقتل بأرض العراق» . أخرجه أبو نعيم في «معرفة الصحابة» (١/٢٤٣ رقم ٩٧) و«الدلائل» (٢/٧١٠ رقم ٤٩٣)، والبغوي في «معجم الصحابة» (١/٦٣-٦٤ رقم ٤٦)، وابن السكن -كما في «الإصابة» (١/٦٨)
[ ٣٨ ]
وقد ادعى النبوة وما جرى في ولاية الحجاج بن يوسف من القتال، وسفك الدماء وغير ذلك مما يطول عده.
وعلى كل حال؛ فالذم إنما يكون في حال دون حال، ووقت دون وقت، بحسب حال الساكن؛ لأن الذم إنما يكون للحال دون المحل، وإن كانت الأماكن تتفاضل، وقد تقع المداولة فيها، فإن الله يداول بين خلقه، حتى في البقاع، فمحل المعصية في زمن قد يكون محل طاعة في زمن آخر، وبالعكس» .
ثم قال -﵀-: «فلو ذم نجد بمسيلمة بعد زواله، وزوال من يصدقه، لذم اليمن بخروج الأسود العنسي ودعواه النبوة ، وما ضرَّ المدينة سكنى اليهود بها، وقد صارت مُهاجَرَ رسول الله ﷺ وأصحابه، ومعقل الإسلام، وما ذُمَّتْ مكةُ بتكذيب أهلها لرسول الله ﷺ، وشدة عداوتهم له، بل هي أحب أرض الله إليه» .
* الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن (١):
_________________
(١) = جحش، أخرجها -بالترتيب-: الطبراني في «الكبير» (٣/١١٢ رقم ٢٨١٢ و٣/١٢٩ رقم ٢٨٦١ و٢٤/٥٤-٥٥، ٥٧ رقم ١٤١، ١٤٧) وفيه مجاهيل، وعن ابن عباس عند البزار، ورجاله ثقات، وفي بعضهم خلاف، وعن أبي الطفيل عند الطبراني، وإسناده حسن. قاله الهيثمي في «المجمع» (٩/١٩٠، ١٩١-١٩٢) . والخلاصة: الحديث صحيح بمجموع طرقه. انظر: «السلسلة الصحيحة» (رقم ١١٧١) وفاته ما ذكرناه بعد حديث أم سلمة. ومما ينبغي ذكره هنا: إن ابن أبي الدنيا أفرد «مقتل الحسين» بمصنف مفرد مطبوع في طهران، ونشر عن دار الأوراد في الكويت بتحقيق محمد شجاع ضيف الله: «مقتل الحسين» للطبراني، وهو قطعة من «المعجم الكبير» ! وألّف في هذا الباب غير واحد، وجلهم من الرافضة! وبيّن شيخ الإسلام ابن تيمية في «منهاج السنة النبوية» (٤/٥٥٦ وما بعد) أن الذين نقلوا مصرع الحسين زادوا أشياء من الكذب، ومثّل على ذلك، فانظر كلامه، إن أردت الاستزادة؛ فإنه مهم.
(٢) من أجوبته المسكتة: ما حكاه في «مصباح الظلام» (ص ٢٣٧)، وعنه صاحب «الضياء» الشارق في الرد على شبهات الماذق المارق» (ص ٤٥)، قال: «قد قال لي بعض =
[ ٣٩ ]
يقرر -﵀- في كتابه «منهاج التأسيس والتقديس في الرد على ابن جرجيس» (ص ٦٢) المراد بالمشرق ونجد الذي ورد ذمه في الأحاديث السابقة، فيقول: «إن المراد بالمشرق ونجد في هذا الحديث وأمثاله هو العراق؛ لأنه يحاذي المدينة من جهة المشرق، يوضحه أن في بعض طرق هذا الحديث: «وأشار إلى العراق»، قال الخطابي: نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة، كان نجده بادية الشام ونواحيها، فهي مشرق أهل المدينة، وأصل نجد: ما ارتفع من الأرض، وهو خلاف الغور؛ فإنه ما انخفض منها، وقال الداودي: أن نجدًا من ناحية العراق، ذكر هذا الحافظ ابن حجر، ويشهد له ما في «مسلم» عن ابن عمر، قال: يا أهل العراق! ما أسأَلَكم عن الصغيرة وأركَبَكم للكبيرة، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أن الفتنة تجيء من ها هنا»، وأومأ بيده إلى المشرق، فظهر أن هذا الحديث خاص لأهل العراق؛ لأن النبي ﷺ فسّر المراد بالإشارة الحسيّة، وقد جاء صريحًا في «المعجم الكبير» للطبراني النصُّ على أنها العراق، وقول ابن عمر وأهل اللغة وشهادة الحال، كل هذا يعين المراد » .
ويشير الشيخ عبد اللطيف إلى فضل بني تميم، فيقول (ص ٦١):
«وقد جاء في فضل بعض أهل نجد كتميم، ما رواه البخاري عن أبي هريرة -﵁- أنه قال: أُحِبُّ تميمًا لثلاث سمعتهن من رسول الله ﷺ: قوله لما جاءت صدقاتهم: «هذه صدقات قومي»، وقوله في الجارية التميمية: «اعتقها فإنها من ولد إسماعيل»، وقوله: «هم أشد أمتي على الدجال» هذا في المناقب الخاصة، وأما العامة للعرب، فلا شك في عمومها لأهل نجد؛ لأنهم من صميم العرب، وما ورد في تفضيل القبائل
_________________
(١) = الأزهريين: مسيلمة الكذاب من خير نجدكم. فقلت: وفرعون اللعين رئيس مصركم. فبهت، وأين كفر فرعون من كفر مسيلمة لو كانوا يعلمون» .
[ ٤٠ ]
والشعوب أدل وأصرح في الفضيلة مما ورد في البقاع والأماكن في الدلالة على فضل الساكن والقاطن.
ومعلوم أن رؤساء عباد الصور الداعين إلى دعائهم وعبادتها لهم حظ وافر مما يأتي به الدجال، وقد تصدى رجال من تميم، وأهل نجد للرد على دجاجلة عبّاد القبور الدعاة إلى تعظيمها مع الله، وهذا من أعلام نبوته ﷺ، إنْ قلنا أن «ال» في الدجال للجنس لا للعهد، وإن قلنا أنها للعهد -كما هو الظاهر-؛ فالرد على جنس الدجال توطئة وتمهيد لجهاده، ورد باطله، فتأمله فإنه نفيس جدًّا» .
* الشيخ محمود شكري الآلوسي العراقي (ت ١٣٤٢هـ):
قال في كتابه «غاية الأماني» (٢/١٨٠) مقررًا أن نجدًا بها يطلع قرن الشيطان في معرض كلامه على من تكلم على ابن تيمية من أهل العراق:
«ولا بدع فبلاد العراق معدن كل محنة وبلية، ولم يزل أهل الإسلام منها في رزية بعد رزيّة، فأهل حروراء وما جرى منهم على الإسلام لا يخفى، وفتنة الجهمية الذين أخرجهم كثير من السلف من الإسلام، إنما خرجت ونبغت بالعراق، والمعتزلة وما قالوه للحسن البصري، وتواتر النقل به واشتهر من أصولهم الخمسة، التي خالفوا بها أهل السنة، ومبتدعة الصوفية الذين يرون الفناء في توحيد الربوبية غايةً يسقط بها الأمر والنهي، إنما نبغوا وظهروا بالبصرة، ثم الرافضة والشيعة وما حصل فيهم من الغلو في أهل البيت، والقول الشنيع في الإمام علي، وسائر الأئمة ومسبة أكابر أصحاب رسول الله ﷺ، كل هذا معروف مستفيض» .
* الشيخ محمد بشير السهسواني الهندي (ت ١٣٢٦هـ):
أسهب في كتابه «صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان» في رد هذه الفرية، وعمل على تخريج الحديث، ودقق في ذكر مروياته وألفاظه، ومما أفاد وأجاد بهذا الصدد، قوله فيه (ص ٤٩٧) بعد كلام:
[ ٤١ ]
«قد عرفت من هنا أن زيادة لفظة (من) (١)، لا تعرف في شيء من طرق الحديث، ولعلها من أغلاط المؤلف (٢)، ولا يستبعد ذلك منه، فإنه كثيرًا ما يغلط في نقل الروايات؛ لأنه ليس من أهل هذا الشأن، وهذا الحديث لا شك في صحته، وقد وردت في هذا المعنى أحاديث صحيحة أخرى» .
وقال (ص ٤٩٦): «أقول: كون الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه مصداق تلك الأحاديث محل نظر» .
وذكر (ص ٤٩٨-٤٩٩) بعض كلام الشراح المتقدم؛ ككلام الخطابي والقسطلاني، وقال على إثره داحضًا الكذبة المذكورة: «ولا يخفى عليك أن لفظًا من ألفاظ هذا الحديث لا يقتضي أنّ كل من يولد في المشرق أو يسكن فيه، يكون مصداقًا لهذا الحديث، حتى يثبت ما ادّعاه المؤلف من كون الشيخ -يريد: الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب- مصداقًا له، والمؤلف لم يبيّن وجه الاستدلال به، حتى يتكلم فيه، ويجاب عليه. ومجرد وقوع الفتنة في موضع لا يستلزم ذم كل من يسكنه» .
ثم أورد أحاديث فيها وصول الفتنة إلى المدينة، ثم قال (ص ٥٠٠):
«وهذه الأحاديث وغيرها مما ورد في هذا الباب دالة على وقع الفتن في المدينة النبوية، فلو كان وقوع الفتن في موضع مستلزمًا لذم ساكنيه، لزم ذم سكان المدينة كلهم أجمعين، وهذا لا يقول به أحد، على أن مكة والمدينة كانتا في زمن موضع الشرك والكفر، وأي فتنة أكبر منهما، بل وما من بلد أو قرية إلا وقد كانت في زمن أو ستصير في زمان موضع الفتنة (٣)، فكيف
_________________
(١) يريد: دحلان (أحمد زيني) (ت ١٣٠٤هـ)، حيث أورد الحديث هكذا: «الفتنة من ههنا»، وصوابه -كما قدمناه-: «الفتنة ههنا، من حيث يطلع »، وفرق كبير في المعنى بينهما!
(٢) يريد: دحلان.
(٣) سيأتيك هذا مفصلًا (ص ٣٥٧) تحت عنوان (فصل في وصول الشر والفتن آخر الزمان كل مكان) .
[ ٤٢ ]
يجترئ مؤمن على ذم جميع مسلمي الدنيا؟ وإنما مناطُ ذم شخصٍ معينٍ كونُه مصدرًا للفتن من الكفر والشرك والبدع» .
* نكتة مهمة
وهنا نكتة مهمة، لا بد من بيانها والتركيز عليها؛ وهي:
«إنه لا يقول مسلم بذم علماء العراق؛ لما ورد فيها، وأكابر أهل الحديث وفقهاء الأمة، وأهل الجرح والتعديل أكثرهم من أهل العراق» (١) .
و«الفضل والتفضيل باعتبار الساكن يختلف وينتقل مع العلم والدين، فأفضل البلاد والقرى في كل وقت وزمان أكثرها علمًا، وأعرفها بالسنن، والآثار النبوية، وشر البلاد أقلها علمًا، وأكثرها جهلًا وبدعة وشركًا، وأقلها تمسّكًا بآثار النبوة، وما كان عليه السلف الصالح، فالفضل والتفضيل يعتبر بهذا في الأشخاص والسكان» (٢) .
فصل