[ ٨٨ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ فِرَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَرْوَزِيُّ الْأَعْرَجُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الطَّالْقَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَصْرِيُّ قَالَ: قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: " مَثَلُ قُرَّاءِ هَذَا الزَّمَانِ كَمَثَلِ رَجُلٍ نَصَبَ فَخًّا وَنَصَبَ فِيهِ بُرَّةً فَجَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ قَرِيبًا مِنْهُ فَقَالَ لَهُ: مَا غَيَّبَكَ فِي التُّرَابِ؟ فَقَالَ: التَّوَاضُعُ فَقَالَ: مِمَّا انْحَنَيْتَ؟ فَقَالَ: مِنْ طُولِ الْعِبَادَةِ فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْبُرَّةُ الْمَنْصُوبَةُ فِيكَ؟ قَالَ: أَعْدَدْتُهَا لِلصَّائِمِينَ. قَالَ: نِعْمَ الْجَارُ أَنْتَ قَالَ: فَلَمَّا أَمْسَى وَغَابَتِ الشَّمْسُ دَنَا الْعُصْفُورُ فَأَخَذَ الْبُرَّةَ فَخَنَقَهُ الْفَخُّ قَالَ الْعُصْفُورُ: إِنْ كَانَ كُلُّ الْعُبَّادِ يَخْنُقُونَ خَنْقَكَ فَلَا خَيْرَ فِي الْعُبَّادِ الْيَوْمَ "
[ ٨٨ ]
حَدَّثَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا الدُّورِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ قَالَ سَمِعْتُ مُغِيرَةَ، يَقُولُ: «وَاللَّهِ أَنَا مِنْكُمْ أَخْوَفُ مِنِّي مِنَ الْفُسَّاقِ»
[ ٨٨ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنِ الْخَلَّادِيِّ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَزْدِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الدِّمَشْقِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَاصِمٍ الْأَنْطَاكِيُّ قَالَ: " كَتَبَ يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ: اكْتَرِ لِي مَنْزِلًا وَلَا تَكْتَرِ بَيْنَ الْقُرَّاءِ، فَإِنِّي أَتَخَوَّفُ أَنْ أَقُولَ تُفَّاحَةً فَيَقُولُونَ لُفَّاحَةً فَإِذَا لَمْ أُجِبْهُمْ إِلَى تِلْكَ ذَهَبُوا فَهَيَّأُوا بَيْتًا وَهَيَّأُوا فِيهِ طُنْبُورًا وَغُلَامًا وَخَمْرًا وَدَعَوْنِي وَأَنَا لَا أَدْرِي وَدَعَوُا النَّاسَ فَقَالُوا: تَعَالَوُا انْظُرُوا مَا مَعَ يُوسُفَ "
[ ٨٨ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عُمَرَ الْحِيرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ دِينَارٍ، يَقُولُ: «أُجِيزُ شَهَادَةَ ⦗٨٩⦘ الْقُرَّاءِ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَجَدْتُهُمْ أَشَدَّ تَحَاسُدًا مِنَ التُّيُوسِ تُوثَقُ الشَّاةُ فَيُرْسَلُ عَلَيْهَا التَّيْسُ فَيَهُبُّ هَذَا وَيَهُبُّ هَذَا»
[ ٨٨ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّنْعَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْيَمَانِ قَالَ: قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: «لَأَنْ أَصْحَبَ فَتًى أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَصْحَبَ قَارِئًا»
[ ٨٩ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: " زَارَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ نَيْسَابُورَ، وَكَانَ يُنْسَبُ إِلَى الزُّهْدِ وَالتَّقَشُّفِ، فَلَمَّا دَخَلَ إِلَيْهِ لَمْ يُقْبِلْ عَلَيْهِ الرَّجُلُ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ أُخْبِرَ بِمَكَانِهِ وَأُعْلِمَ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ يَعْتَذِرُ وَيَتَنَصَّلُ وَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ اعْذُرْنِي وَعِظْنِي. قَالَ: نَعَمْ إِذَا خَرَجْتَ مِنْ مَنْزِلِكَ فَلَا يَقَعْ بَصَرُكَ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا أُرِيتَ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْكَ. وَذَلِكَ أَنَّهُ رَآهُ مُعْجَبًا بِنَفْسِهِ ثُمَّ سَأَلَ عَنْهُ فَإِذَا هُوَ حَائِكٌ "
[ ٨٩ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدُوسَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَحَدِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ، عَنِ ابْنِ يَمَانٍ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَتَفَتَّ لَمْ يُحْسِنْ يَتَقَرَّى» قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ إِنَّ مِنْ عَادَةِ الْفِتْيَانِ وَمَنْ أَخَذَ بِأَخْذِهِمْ بَشَاشَةَ الْوَجْهِ وَسَجَاحَةَ الْخُلُقِ وَلِينَ الْعَرِيكَةِ وَمِنْ شِيمَةِ الْأَكْثَرِينَ مِنَ الْقُرَّاءِ الْكَزَازَةُ وَسُوءُ الْخُلُقِ فَمَنِ انْتَقَلَ مِنَ الْفُتُوَّةِ إِلَى الْقِرَاءَةِ كَانَ جَدِيرًا أَنْ يَتَبَاقَى مَعَهُ تِلْكَ الذَّوْقَةَ وَالْهَشَاشَةَ وَمَنْ تَقَرَّأَ فِي صِبَاهُ لَمْ يَخْلُ مِنْ جَفْوَةٍ أَوْ غِلْظَةً. وَقَدْ يَتَوَجَّهُ قَوْلُ سُفْيَانَ إِلَى وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا انْتَقَلَ مِنَ الْفُتُوَّةِ إِلَى الْقِرَاءَةِ كَانَ مَعَهُ الْأَسَفُ عَلَى مَا مَضَى وَالنَّدَمُ عَلَى مَا فَرَطَ مِنْهُ فَكَانَ أَقْرَبَ لَهُ إِلَى أَنْ لَا يُعْجَبَ بِعَمَلٍ صَالِحٍ يَكُونُ مِنْهُ وَإِذَا كَانَ عَارِفًا بِالشَّرِّ كَانَ أَشَدَّ لِحَذَرِهِ وَأَبْعَدَ مِنَ الْوُقُوعِ فِيهِ
[ ٨٩ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ الزِّيبَقِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ زَكَرِيَّا التُّسْتَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الْأَعْمَشِ ⦗٩٠⦘، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: " كَانَ يُعْجِبُهُمْ أَنْ يَكُونَ لِلشَّابِّ صَبْوَةٌ قَالَ الْأَعْمَشُ: يَخَافُ وَيَحْذَرُ وَيَجْتَهِدُ "
[ ٨٩ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زَيْدٍ الْقَزَّازُ قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: قَالَ أَبُو حَازِمٍ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ السَّيِّئَةَ إِنْ عَمِلَ حَسَنَةً قَطُّ أَنْفَعَ لَهُ مِنْهَا وَإِنَّهُ لَيَعْمَلُ الْحَسَنَةَ إِنْ عَمِلَ سَيِّئَةً قَطُّ أَضَرَّ عَلَيْهِ مِنْهَا» قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: مَعْنَاهُ أَنْ يَعْمَلَ الذَّنْبَ فَلَا يَزَالُ مِنْهُ مُشْفِقًا حَذِرًا أَنْ يُعَاوِدَهُ فَيَنْفَعَهُ ذَلِكَ وَيَعْمَلَ الْحَسَنَةَ فَيَحْتَسِبَ بِهَا عَلَى رَبِّهِ تَعَالَى وَيُعْجَبَ بِهَا، وَيَتَّكِلَ عَلَيْهَا فَتُهْلِكَهُ. قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ إِنَّ فِتْنَةَ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُمْ مِنَ الْقُرَّاءِ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى النَّاسِ وَالْمَئُونَةَ فِي مُعَاشَرَتِهِمْ عَلَى الْخَاصَّةِ مَئُونَةٌ غَلِيظَةٌ وَذَلِكَ أَنَّ جَهْلَهُمْ يَحْمِلُهُمْ عَلَى الْإِعْجَابِ بِأَنْفُسِهِمْ وَسِيمَاهُمْ وَالظَّاهِرُ مِنْ شَمَائِلِهِمْ يَدْعُو الْجُهَّالَ مِنَ الْعَامَّةِ إِلَى تَعْظِيمِهِمْ وَالْمَيْلِ إِلَيْهِمْ وَالتَّعَصُّبِ لَهُمْ. فَمَنْ رَامَ مِنَ الْخَاصَّةِ إِرْشَادَهُمْ وَتَعْلِيمَهُمْ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِمُلَامِهِمْ وَاسْتُهْدِفَ لِسِهَامِهِمْ فَمُدَارَاتِهِمْ غُصَّةٌ وَهُجْنَةٌ وَمُكَاشَفَتُهُمْ شُهْرَةٌ وَفِتْنَةٌ وَشَرٌّ هُمْ طَوَائِفُ مِنْ أَصْحَابِ الْعُزْلَةِ وَالتَّبَتُّلِ وَأَهْلِ التَّصَوُّفِ وَالتَّبَطُّلِ فَإِنَّهُمْ جُهَّالٌ لَا يَتَعَلَّمُونَ وَمَرَدَةٌ لَا يَنْقَادُونَ قَدْ مَلَكَ الشَّيْطَانُ قِيَادَهُمْ فَهُمْ وَالْعِلْمُ عَلَى تَضَادٍّ وَخِلَافٍ
[ ٩٠ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآبُرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى الْوَرَّاقُ: " كَانَ الشَّافِعِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ رَجُلًا عَطِرًا وَكَانَ يَجِيءُ غُلَامُهُ كُلَّ غَدَاةٍ بِغَالِيَةٍ فَيَمْسَحُ بِهَا الْإِسْطِوَانَةَ الَّتِي يَجْلِسُ إِلَيْهَا وَكَانَ إِلَى جَنْبِهِ إِنْسَانٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ وَكَانَ يُسَمِّي الشَّافِعِيَّ الْبَطَّالَ يَقُولُ: هَذَا الْبَطَّالُ وَهَذَا الْبَطَّالُ قَالَ: فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ عَمَدَ إِلَى شَارِبِهِ فَوَضَعَ فِيهِ قَذَرًا ثُمَّ جَاءَ إِلَى حَلْقَةِ الشَّافِعِيِّ فَلَمَّا شَمَّ الشَّافِعِيُّ الرَّائِحَةَ أَنْكَرَهَا وَقَالَ: فَتِّشُوا نِعَالَكُمْ فَقَالُوا: مَا نَرَى شَيْئًا يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ
[ ٩٠ ]
: فَلْيُفَتِّشْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَوَجَدُوا ذَلِكَ الرَّجُلَ فَقَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ هَذَا. فَقَالَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: رَأَيْتُ تَجَبُّرَكَ فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَوَاضَعَ لِلَّهِ ﷿ قَالَ: خُذُوهُ فَاذْهَبُوا بِهِ إِلَى عَبْدِ الْوَاحِدِ، وَكَانَ عَلَى الشُّرْطَةِ، فَقُولُوا لَهُ: قَالَ لَكَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ اعْتَقِلْ هَذَا إِلَى وَقْتِ نَنْصَرِفُ. قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ الشَّافِعِيُّ دَخَلَ إِلَيْهِ فَدَعَا بِهِ فَضَرَبَهُ ثَلَاثِينَ دِرَّةً أَوْ أَرْبَعِينَ دِرَّةً قَالَ: هَذَا إِنَّمَا تَخَطَّيْتَ الْمَسْجِدَ بِالْقَذَرَةِ وَصَلَّيْتَ عَلَى غَيْرِ الطَّهَارَةِ "
[ ٩١ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوَيْهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ: " كَانَ يَخْتَلِفُ مَعَنَا رَجُلٌ إِلَى أَبِي ثَوْرٍ وَكَانَ ذَا سَمْتٍ وَخُشُوعٍ فَكَانَ أَبُو ثَوْرٍ إِذَا رَآهُ جَمَعَ نَفْسَهُ وَضَمَّ أَطْرَافَهُ وَقَيَّدَ كَلَامَهُ فَغَابَ عَنْ مَجْلِسِهِ مُدَّةً فَتَعَرَّفَ خَبَرَهُ فَلَمْ يُوقَفْ لَهُ عَلَى أَثَرٍ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمَجْلِسِ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ وَقَدْ نَحَلَ جِسْمُهُ وَشَحَبَ لَوْنُهُ وَعَلَى إِحْدَى عَيْنَيْهِ قِطْعَةُ شَمْعٍ قَدْ أَلْصَقَهَا بِهَا فَمَا كَادَ يَتَبَيَّنَهُ أَبُو ثَوْرٍ ثُمَّ تَأَمَّلَهُ فَقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ صَاحِبَنَا الَّذِي كُنْتَ تَأْتِينَا؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَمَا الَّذِي قَطَعَكَ عَنَّا؟ فَقَالَ: قَدْ رَزَقَنِي اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْإِنَابَةَ إِلَيْهِ وَحَبَّبَ إِلَيَّ الْخَلْوَةَ وَأَنَسْتُ بِالْوَحْدَةِ وَاشْتَغَلْتُ بِالْعِبَادَةِ. قَالَ لَهُ: فَمَا بَالُ عَيْنِكَ هَذِهِ؟ قَالَ: نَظَرْتُ إِلَى الدُّنْيَا فَإِذَا هِيَ دَارُ فِتْنَةٍ وَبَلَاءٍ قَدْ ذَمَّهَا اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْنَا وَعَابَهَا وَذَمَّ مَا فِيهَا فَلَمْ يُمْكِنِّي تَغْمِيضُ عَيْنِي كِلْتَيْهِمَا عَنْهَا وَرَأَيْتُنِي وَأَنَا أُبْصِرُ بِإِحْدَيْهِمَا نَحْوًا مِمَّا أُبْصِرُ بِهِمَا جَمِيعًا فَغَمَّضْتُ وَاحِدَةً وَتَرَكْتُ الْأُخْرَى. فَقَالَ لَهُ أَبُو ثَوْرٍ: وَمُنْذُ كَمْ هَذِهِ الشَّمْعَةُ عَلَى عَيْنِكَ قَالَ: مُنْذُ شَهْرَيْنِ أَوْ نَحْوَهُمَا. قَالَ أَبُو ثَوْرٍ: يَا هَذَا أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ لِلَّهَ عَلَيْكَ صَلَاةَ شَهْرَيْنِ وَطَهَارَةَ شَهْرَيْنِ. انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْبَائِسِ قَدْ خَدَعَهُ الشَّيْطَانُ فَاخْتَلَسَهُ مِنْ بَيْنِ أَهْلِ الْعِلْمِ. ثُمَّ وَكَّلَ بِهِ مَنْ يَحْفَظُهُ وَيَتَعَهَّدُهُ وَيُلَقِّنُهُ الْعِلْمَ " قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فَالْعُزْلَةُ إِنَّمَا تَنْفَعُ الْعُلَمَاءَ الْعُقَلَاءَ وَهِيَ مِنْ أَضَرِّ شَيْءٍ عَلَى الْجُهَّالِ وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّهُ قَالَ لِمُغِيرَةَ: تَفَقَّهْ ثُمَّ اعْتَزِلْ
[ ٩١ ]