[ ٥٣ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ، عَنْ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ، عَنْ قَسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ ﵇ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ: مِنْهُمُ الْأَحْمَرُ وَالْأَسْوَدُ وَالْأَبْيَضُ وَالسَّهْلُ وَالْحَزَنُ وَبَيْنَ ذَلِكَ الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ " قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ قَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ النَّاسَ أَصْنَافٌ وَطَبَقَاتٌ وَأَنَّهُمْ إِلَى تَفَاوُتٍ فِي الطِّبَاعِ وَالْأَخْلَاقِ: فَمِنْهُمُ الْخَيِّرُ الْفَاضِلُ وَالَّذِي يُنْتَفَعُ بِصُحْبَتِهِ وَمِنْهُمُ الرَّدِيءُ النَّاقِصُ الَّذِي يَتَضَرَّرُ بِقُرْبِهِ وَعِشْرَتِهِ. كَمَا أَنَّ الْأَرْضَ مُخْتَلِفَةُ الْأَجْزَاءِ وَالتُّرَابِ: فَمِنْهَا الْعَذَاةُ الطَّيِّبَةُ الَّتِي يَطِيِبُ نَبَاتُهَا وَيَزْكُو وَمِنْهَا السِّبَاخُ الْخَبِيثَةُ الَّتِي يَضِيعُ بِزْرُهَا وَيَبِيدُ زَرْعُهَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ عَلَى حَسْبِ مَا يُوجَدُ مِنْهَا حِسًّا وَيُشَاهَدُ عِيَانًا
[ ٥٣ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ ⦗٥٤⦘ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «النَّاسُ مَعَادِنُ» قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ وَفِي هَذَا الْقَوْلِ أَيْضًا بَيَانُ أَنَّ اخْتِلَافَ النَّاسِ غَرَائِزُ فِيهِمْ كَمَا أَنَّ الْمَعَادِنَ وَدَائِعُ مَرْكُوزَةٌ فِي الْأَرْضِ: فَمِنْهَا الْجَوْهَرُ النَّفِيسُ وَمِنْهَا الْفِلِزُّ الْخَسِيسُ وَكَذَلِكَ جَوَاهِرُ النَّاسِ وَطَبَائِعُهُمْ: مِنْهَا الزَّكِيُّ الرَّضِيُّ وَمِنْهَا النَّاقِصُ الدَّنِيءُ. وَإِذَا كَانُوا كَذَلِكَ وَكَانَ الْأَمْرُ عَلَى الْعِيَانِ مِنْهُمْ مُشْكِلًا وَاسْتِبْرَاءُ الْعَيْبِ فِيهِمْ مُتَعَذَّرًا فَالْحَزْمُ إِذًا الْإِمْسَاكُ عَنْهُمْ وَالتَّوَقُّفُ عَنْ مُدَاخَلَتِهِمْ إِلَى أَنْ تُكْشَفَ الْمِحْنَةُ عَنْ أَسْرَارِهِمْ، وَبَوَاطِنِ أَمْرِهِمْ، فَيَكُونَ عِنْدَ ذَلِكَ إِقْدَامٌ عَلَى خِبْرَةٍ أَوْ إِحْجَامٍ عَنْ بَصِيرَةٍ. وَلَعَلَّكَ أَسْعَدَكَ اللَّهُ إِذَا خَبَرْتَهُمْ قَلَيْتَهُمْ وَإِذَا عَرَفْتَهُمْ أَنْكَرْتَهُمْ إِلَّا مَنْ يَخُصُّهُمُ الثُّنْيَا وَقَلِيلٌ مَا هُمْ
[ ٥٣ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي الدَّقِّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَرَّانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، رَفَعَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُخْبُرْ تَقْلُهْ وَثِقَ بِالنَّاسِ رُوَيْدًا»
[ ٥٤ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ شَيْخَنَا أَبَا بَكْرٍ الْقَفَّالَ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقُولُ: بَلَغَنِي عَنِ الْمَأْمُونِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «لَوْلَا أَنَّهُ قَدْ قِيلَ» اخْبُرْ تَقْلُهْ " لَقُلْتُ أَنَا: اقْلُهْ تَخْبُرْ "
[ ٥٤ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى بْنِ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ أَبُو أَيُّوبَ الْحَوْرَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سُلَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ⦗٥٥⦘: «النَّاسُ كَأَسْنَانِ الْمُشْطِ» قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ هَذَا يُتَأَوَّلُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّهُمْ مُتَسَاوُونَ فِي الْأَحْكَامِ لَا يُفَضَّلُ شَرِيفٌ لِشَرَفِهِ عَلَى وَضِيعٍ كَأَسْنَانِ الْمُشْطِ مُتَسَاوِيَةٍ لَا فَضْلَ لِسِنٍّ مِنْهَا عَلَى أُخْرَى وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمَعْنَى الْمَذَمَّةِ لَهُمْ وَأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِمُ النَّقْصُ كَقَوْلِهِمْ إِذَا ذَمُّوا قَبِيلَةً: هُمْ كَأَسْنَانِ الْحِمَارِ قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الوافر]
سَوَاسِيَةٌ كَأَسْنَانِ الْحِمَارِ
وَشَبِيهٌ بِهَذَا قَوْلُهُ ﷺ: «النَّاسُ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً» وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْكِتَابِ
[ ٥٤ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الزِّيبَقِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ زَكَرِيَّا التُّسْتَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْعُتْبِيُّ قَالَ: " كُنَّا عِنْدَ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] وَقَالَ: مَا فِي الْأَرْضِ آدَمَيٌّ إِلَّا وَفِيهِ شَبَهٌ مِنْ شَبَهِ الْبَهَائِمِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَهْتَصِرُ اهْتِصَارَ الْأَسَدِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْدُو عَدْوَ الذِّئْبِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْبَحُ نُبَاحَ الْكَلْبِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَطَوَّسُ كَفِعْلِ الطَّاوُسِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُشْبِهُ الْخَنَازِيرَ الَّتِي لَوْ أُلْقِيَ لَهَا الطَّعَامُ الطَّيِّبُ عَافَتْهُ فَإِذَا قَامَ الرَّجُلُ عَنْ رَجِيعِهِ، وَلَغَتْ فِيهِ فَكَذَلِكَ تَجِدُ مِنَ الْآدَمَيِّينَ مَنْ لَوْ سَمِعَ خَمْسِينَ حِكْمَةً لَمْ يَحْفَظْ وَاحِدَةً مِنْهَا وَإِنْ أَخْطَأَ رَجُلٌ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ حَكَى خَطَأَ غَيْرِهِ تَرَوَّاهُ وَحَفِظَهُ " قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ مَا أَحْسَنَ مَا تَأَوَّلَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ وَاسْتَنْبَطَ مِنْهَا هَذِهِ الْحِكْمَةَ وَذَلِكَ أَنَّ الْكَلَامَ إِذَا لَمْ يَكُنْ حُكْمُهُ مُطَاوِعًا لِظَاهِرِهِ وَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَى بَاطِنِهِ وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ وُجُودِ الْمُمَاثَلَةِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ كُلِّ دَابَّةٍ وَطَائِرٍ وَكَانَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا مِنْ جِهَةِ الْخِلْقَةِ وَالصُّورَةِ وَعَدَمًا مِنْ جِهَةِ النُّطْقِ وَالْمَعْرِفَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَصْرُوفًا إِلَى الْمُمَاثَلَةِ فِي الطِّبَاعِ وَالْأَخْلَاقِ. وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَاعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّكَ إِنَّمَا تُعَاشِرُ الْبَهَائِمَ وَالسِّبَاعَ فَلْيَكُنْ حَذَرُكَ مِنْهُمْ وَمُبَاعَدَتُكَ إِيَّاهُمْ عَلَى حَسْبِ ذَلِكَ وَمِصْدَاقُ قَوْلِ سُفْيَانَ ﵀
[ ٥٥ ]
فِي كِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ حِينَ يَقُولُ فِي تَمْثِيلِ مَنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ بِالْكَلْبِ فَقَالَ عَزَّ وَعَلَا: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: ١٧٦] وَقَالَ ﷾ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] وَقَالَ ﷿ ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] فَجَعَلَهُمْ أَسْوَأَ حَالًا مِنْهَا وَأَبْعَدَ مَذْهَبًا فِي الضَّلَالِ حَتَّى قَامَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ فَلَمْ يُذْعِنُوا لَهَا. وَلِأَجْلِ ذَلِكَ رَأَى الْحُكَمَاءُ أَنَّ السَّلَامَةَ مِنْ آفَاتِ السِّبَاعِ الضَّارِيَةِ أَمْكَنُ وَالْخَلَاصَ مِنْهَا أَسْهَلُ مِنَ السَّلَامَةِ مِنْ شَرِّ النَّاسِ
[ ٥٦ ]
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يُنْشِدُ:
[البحر البسيط]
لَيْتَ الْكِلَابَ لَنَا كَانَتْ مُجَاوِرَةً وَأَنَّنَا لَا نَرَى مِمَّنْ نَرَى أَحَدَا
إِنَّ الْكِلَابَ لَتَهْدَا فِي مَوَاطِنِهَا وَالنَّاسُ لَيْسَ بِهَادٍ شَرُّهُمْ أَبَدَا
فَاحْفَلْ لِنَفْسِكَ فِي تَفْرِيدِهَا أَبَدًا تَعِشْ حَمِيدًا إِذَا مَا كُنْتَ مُنْفَرِدَا"
وَفِي نَحْوِ هَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ زَمَانِنَا وَهُوَ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ:
[البحر البسيط]
شَرُّ السِّبَاعِ الضَّوَارِي دُونَهُ وِزْرٌ وَالنَّاسُ شَرُّهُمْ مَا دُونَهُ وِزْرُ
كَمْ مَعْشَرٍ سَلِمُوا لَمْ يُؤْذِهِمْ سَبْعٌ وَمَا نَرَى بَشَرًا لَمْ يُؤْذِهِ بَشَرُ
وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ قَبِيصَةَ، قَالَ: قَالَ الْفُضَيْلُ: إِذَا رَأَيْتَ السَّبُعَ فَلَا يَعْلِنْكَ وَإِذَا رَأَيْتَ ابْنَ آدَمَ فَحَذِّرْ ثَوْبَكَ ثُمَّ فِرَّ، ثُمَّ وَرُوِّينَا عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَشْبَهَ هَذَا الزَّمَانَ إِلَّا بِمَا قَالَ تَأَبَّطَ شَرًّا:
[البحر الطويل]
عَوَى الذِّئْبُ فَاسْتَأْنَسْتُ بِالذِّئْبِ إِذْ عَوَى وَصَوَّتَ إِنْسَانٌ فَكِدْتُ أَطِيرُ
وَفِي نَحْوٍ مِنْهُ قَوْلُ عُبَيْدِ بْنِ أَيُّوبَ الْعَنْبَرِيُّ وَقَدْ كَانَ جَنَى جِنَايَةً عَظِيمَةً فَطَلَبَهُ السُّلْطَانُ فَأَمْعَنَ فِي الْهَرَبِ حَتَّى وَقَعَ فِي مَجَاهِلِ الْأَرْضِ:
[البحر الطويل]
لَقَدْ خِفْتُ حَتَّى لَوْ تَمُرُّ حَمَامَةٌ لَقُلْتُ عَدُوٌّ أَوْ طَلِيعَةُ مَعْشَرٍ
فَإِنْ قِيلَ خَيْرٌ قُلْتُ هَذَا خَدِيعَةٌ وَإِنْ قِيلَ شَرٌّ قُلْتُ حَقٌّ فَشَمِّرِ
⦗٥٧⦘
أَنْشَدَنِي بَرَابُرِيٌّ لِمَنْصُورِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ:
[البحر المجتث]
النَّاسُ بَحْرٌ عَمِيقٌ وَالْبُعْدُ عَنْهُمْ سَفِينَهْ
وَقَدْ نَصَحْتُكَ فَانْظُرْ لِنَفْسِكَ الْمِسْكِينَهْ
وَأَنْشَدُونَا لَهُ:
[البحر الرمل]
كُلِّ مَنْ أَصْبَحَ فِي دَهْـ ـرِكْ مِمَّنْ قَدْ تَرَاهْ
هُوَ مِنْ خَلْفِكَ مِقْرَا ضٌ وَفِي الْوَجْهِ مِرْآةْ
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ وَسَأُفِيدُكَ فَائِدَةً يَا أَخِي يَجِلُّ نَفْعُهَا وَتَعْظُمُ عَائِدَتُهَا وَمَا أَقُولُهَا إِلَّا عَنْ وُدٍّ لَكَ وَشَفَقَةٍ عَلَيْكَ فَإِنَّ الْبَلْوَى فِي مُعَاشَرَةِ أَهْلِ زَمَانِكَ عَظِيمَةٌ فَاسْتَعِنْ بِهَا عَلَى مَا يَلْقَاكَ مِنْ أَذَاهُمْ فَإِنَّكَ لَا تَخْلُوَ مِنْ قَلِيلِةِ وَإِنْ سَلِمْتَ مِنْ كَثِيرِةِ وَذَلِكَ أَنَّكَ قَدْ تَرَى الْوَاحِدَ بَعْدَ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ يَتَكَالَبُ عَلَى النَّاسِ وَيَتَسَفَّهُ عَلَى أَعْرَاضِهِمْ وَيَنْبَحُ فِيهَا نُبَاحَ الْكَلْبِ فَيَهُمُّكَ مِنْ شَأْنِهِ مَا يَهُمُّكَ وَيَسُوءُكَ مِنْهُ مَا يَسُوءُكَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلًا فَاضِلًا يُرْجَى خَيْرُهُ وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ فَيَطُولُ فِي أَمْرِهِ فِكْرُكَ وَيَدُومُ بِهِ شُغْلُ قَلْبِكَ فَأَزِحْ هَذَا الْعَارِضَ عَنْ نَفْسِكَ بِأَنْ تَعُدَّهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ كَلْبًا خِلْقَةً وَزِدْ بِهِ فِي عَدَدِ الْكِلَابِ وَاحِدًا وَلَعَلَّكَ قَدْ مَرَرْتَ مَرَّةً مِنَ الْمِرَارِ بِكَلْبٍ مِنَ الْكِلَابِ يَنْبَحُ وَيَعْوِي وَرُبَّمَا كَانَ أَيْضًا قَدْ يُسَاوِرُ وَيَعَضُّ فَلَمْ تُحَدِّثْ نَفْسَكَ فِي أَمْرِهِ بِأَنْ يَعُودَ إِنْسَانًا يَنْطِقُ وَيُسَبِّحُ فَلَا تَتَأَسَّفْ لَهُ أَلَّا يَكُونَ دَابَّةً تُرْكَبُ أَوْ شَاةً تُحْلَبُ فَاجْعَلْ أَيْضًا هَذَا الْمُتَكَلِّبَ كَلْبًا مِثْلَهُ وَاسْتَرِحْ مِنْ شُغْلِهِ وَأرْبَحْ مَؤُونَةَ الْفِكْرِ فِيهِ وَكَذَلِكَ فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ مَنْزِلَةَ مَنْ جَهِلَ حَقَّكَ وَكَفَرَ مَعْرُوفَكَ فَاحْسِبْهُ حِمَارًا أَوْ زِدْ بِهِ فِي عَدَدِ الْعَانَةِ وَاحِدًا فَبِمِثْلِ هَذَا تَخْلُصُ مِنْ آَفَةِ هَذَا الْبَابِ وَغَائِلَتِهِ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ
[ ٥٦ ]