[ ٩٢ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الدَّبَرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ لِلَّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: «أَعَاذَكَ اللَّهُ يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ مِنْ إِمَارَةِ السُّفَهَاءِ» قَالَ: وَمَا إِمَارَةُ السُّفَهَاءِ؟ قَالَ: " أُمَرَاءُ يَكُونُونَ بَعْدِي لَا يَهْدُونَ بِهَدْيِي وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي فَمَنْ صَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ فَأُولَئِكَ لَيْسُوا مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُمْ وَلَا يَرِدُونَ عَلَى حَوْضِي وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ فَأُولَئِكَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ وَسَيَرِدُونَ عَلَى حَوْضِي، يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ أَبَدًا النَّارُ أَوْلَى بِهِ، يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ النَّاسُ غَادِيَانِ: فَمُبْتَاعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ بَائِعُهَا فَمُوبِقُهَا "
[ ٩٢ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ، وَالصَّفَّارُ قَالَا حَدَّثَنَا الدَّقِيقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ» قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ إِنَّمَا كَانَ هَذَا أَفْضَلَ الْجِهَادِ لِأَنَّ مَنْ جَاهَدَ الْعَدُوَّ كَانَ عَلَى أَمَلٍ مِنَ الظَّفَرِ بِعَدُوِّهِ وَلَا يَتَيَقَّنُ الْعَجْزَ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّهُ مَغْلُوبٌ وَهَذَا يَعْلَمُ أَنَّ يَدَ سُلْطَانِهِ أَقْوَى مِنْ يَدِهِ فَصَارَتِ الْمَثُوبَةُ فِيهِ عَلَى قَدْرٍ عِظَمِ الْمَئُونَةِ. قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ لَيْتَ شِعْرِي مَنِ الَّذِي يَدْخُلُ إِلَيْهِمُ الْيَوْمَ فَلَا يُصَدِّقُهُمْ عَلَى كَذِبَهِمْ وَمَنِ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِالْعَدْلِ إِذَا شَهِدَ مَجَالِسَهُمْ وَمَنِ الَّذِي يَنْصَحُ وَمَنِ الَّذِي يَنْتَصِحُ مِنْهُمْ إِنَّهُ أَسْلَمُ لَكَ يَا أَخِي فِي هَذَا الزَّمَانِ وَأَحْوَطُ لِدِينِكَ أَنْ تُقِلَّ مِنْ مُخَالَطَتِهِمْ وَغَشَيَانِ أَبْوَابِهِمْ وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْغِنَى عَنْهُمْ وَالتَّوْفِيقَ لَهُمْ
[ ٩٢ ]
قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي الدَّبَرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ عُمَرَ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: «إِنَّ عَلَى أَبْوَابِ السُّلْطَانِ فِتَنًا كَمَبَارِكِ الْإِبِلِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تُصِيبُونَ مِنْ دُنْيَاهُمْ شَيْئًا إِلَّا أَصَابُوا مِنْ دِينِكُمْ مِثْلَهُ»
[ ٩٣ ]
قَال أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: وَأَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ، عَمَّنْ سَمِعَ الْحَسَنَ، يَقُولُ: «لَا تَجِيئَنَّ أَمِيرًا وَإِنْ دَعَاكَ لِتَقْرَأَ عِنْدَهُ سُورَةً مِنَ الْقُرْآنَ فَإِنَّكَ لَا تَخْرُجُ مِنْ عِنْدِهِ إِلَّا شَرًّا مِمَّا دَخَلْتَ»
[ ٩٣ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدَوَيْهِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْجُنَيْدِ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثِ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، وَقَالَ، لَهُ رَجُلٌ: " أَوْصِنِي يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ قَالَ: «إِيَّاكَ وَالْأَهْوَاءَ إِيَّاكَ وَالسُّلْطَانَ»
[ ٩٣ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُوصَا قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَنِيقٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ سُفْيَانُ: " إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَنْجُوَ فَاجْتَنِبْ ثَلَاثًا: لَا تَدْخُلَنَّ عَلَى السُلْطَانِ، وَلَا تَدْخُلْ فِي وَصِيَّةٍ، وَلَا تَحُجَّ عَنْ مَيِّتٍ "
[ ٩٣ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْكَرَّانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْمِنْقَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ الزِّيَادِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: قَالَ زِيَادٌ لِجُلَسَائِهِ: " مَنْ أَغْبَطُ النَّاسِ عَيْشًا قَالُوا: الْأَمِيرُ وَجُلَسَاؤُهُ. فَقَالَ: مَا صَنَعْتُمْ شَيْئًا إِنَّ لِأَعْوَادِ الْمِنْبَرِ هَيْبَةً. وَإِنَّ لِقَرْعِ لِجَامِ الْبَرِيدِ لَفَزْعَةً وَلَكِنَّ أَغْبَطَ النَّاسِ عِنْدِي رَجُلٌ لَهُ دَارٌ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ كِرَاهَا وَزَوْجَةٌ صَالِحَةٌ قَدْ رَضِيَتْهُ وَرَضِيَهَا فَهُمَا رَاضِيَانِ بِعَيْشِهِمَا لَا يَعْرِفُنَا وَلَا نَعْرِفُهُ فَلِأَنَّهُ إِنْ عَرَفَنَا وَعَرَفْنَاهُ أَتْعَبْنَا لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ وَأَذْهَبْنَا دِينَهُ وَدُنْيَاهُ" وَأَنْشَدَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ أَنْشَدَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدَوَيْهِ قَالَ: أَنْشَدَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَشَكٍ قَالَ: أَنْشَدَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ لِلْعَتَّابِيِّ:
[البحر الطويل]
[ ٩٣ ]
تَلُومُ عَلَى تَرْكِ الْغِنَى بَاهِلِيَّةٌ زَوَى الدَّهْرُ عَنْهَا كُلَّ طَرْفٍ وَتَالِدِ
تَرَى حَوْلَهَا النِّسْوَانَ يَرْفُلْنَ فِي الْكِسَاءِ مُقَلَّدَةً أَجْيَادُهَا بِالْقَلَائِدِ
وَأَفْضَلُ عَيْشٍ فِي الشِّتَاءِ تَنَالُهُ هَبِيدٌ يُنَادِي أَصْلُهُ بِالثَّرَائِدِ
يَسُرُّكِ أَنِّي نِلْتُ مَا نَالَ جَعْفَرٌ مِنَ الْمُلْكِ أَوْ مَا نَالَ يَحْيَى بْنُ خَالِدِ
وَأَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَغَصَّنِي مَغَصَّهُمَا بِالْمُرْهَفَاتِ الْبَوَارِدِ
دَعِينِي تَجِئْنِي مِيتَتِي مُطْمَئِنَّةً وَلَمْ أَتَجَشَّمْ هَوْلَ تِلْكَ الْمَوَارِدِ
فَإِنَّ جَسِيمَاتِ الْأُمُورِ مَشُوبَةٌ بِمُسْتَوْدَعَاتٍ فِي رُءُوسِ الْأَسَاوِدِ
قَالَ أَنْشَدَنَا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ:
[البحر الخفيف]
كَيْفَ عَيْشُ امْرِئٍ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ عَلَمٌ دُونَ بَلْدَةٍ مَنْشُورُ
وَإِذَا الرِّيحُ حَرَّكَتْ صَوْتَ طَبْلٍ مِنْ بَعِيدٍ فَقَلِبُهُ مَذْعُورُ
يَا غَنِيًّا عَنِ الْعَسَاكِرِ وَالْبَعْثِ هَنِيئًا لَكَ الْمَقِيلُ الْوَثِيرُ
مَنْ لَهُ كِسْرَةٌ يَعِيشُ عَنِ النَّا سِ غَنِيًّا بِهَا فَذَاكَ الْأَمِيرُ
قَالَ أَنْشَدَنِي بَعْضُهُمْ:
[البحر الوافر]
أَنِسْتُ بِوَحْدَتِي وَلَزَمْتُ بَيْتِي فَدَامَ الْأُنْسِ لِي وَنَمَى السُّرُورُ
وَأَدَّبَنِي الزَّمَانُ فَلَا أُبَالِي هُجِرْتُ فَلَا أُزَارُ وَلَا أَزُورُ
فَلَسْتُ بِسَائِلٍ مَا دُمْتُ حَيًّا أَسَارَ الْجُنْدُ أَمْ رَكِبَ الْأَمِيرُ
قَالَ وَأَنْشَدَنِي آخَرُ:
[البحر الكامل]
ضَنَّ الْأَمِيرُ بِإِذْنِهِ فَقَعَدْتُ فِي بَيْتِي أَمِيرَا
وَتَرَكْتُ إِمْرَتَهُ لَهُ وَاللَّهُ مَحْمُودٌ كَثِيرَا
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: وَأَنْشَدَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَسَدٍ قَالَ: أَنْشَدَنِي مُحَمَّدُ بْنُ شُعْبَةَ:
[البحر البسيط]
بَابُ الْأَمِيرِ عَرَاءٌ مَا بِهِ أَحَدٌ إِلَّا امْرُؤٌ وَاضِعٌ كَفًّا عَلَى ذَقَنِ
كَفَيْتُكَ الْأَمْرَ لَا تَلْقَى أَخَا أَمَلٍ بِبَابِ دَارِكَ يَسْتَعْدِي عَلَى الزَّمَنِ
[ ٩٤ ]
إِنَّ الرَّجَاءَ الَّذِي قَدْ كُنْتُ آمُلُهُ جَعَلْتُهُ وَرَجَاءَ النَّاسِ فِي كَفَنِ
قَالَ وَرُوِيَ لِذِي النُّونِ الْمِصْرِيِّ:
[البحر البسيط]
مَلَكْتُ نَفْسِي وَذَاكَ مُلْكٌ مَا مِثْلُهُ لِلْمُلُوكِ مُلْكُ
فَصِرْتُ حُرًّا بِمِلْكِ نَفْسِي فَمَا لِخَلْقٍ عَلَيَّ مُلْكُ
قَالَ أَنْشَدَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْمُؤَدِّبُ قَالَ: أَنْشَدَنِي الْحَدَّادِيُّ فِي الْإِقْلَالِ مِنْ صُحْبَةِ السُّلْطَانِ:
[البحر البسيط]
إِنَّ الْمُلُوكَ بَلَاءٌ حَيْثُ مَا حَلُّوا فَلَا يَكُنْ لَكَ فِي أَكْنَافِهِمْ ظِلُّ
مَاذَا تُؤَمِّلُ مِنْ قَوْمٍ إِذَا غَضِبُوا جَارُوا عَلَيْكَ وَإِنْ رَضِيتَهُمْ مَلُّوا
وَإِنْ نَصَحْتَهُمْ ظَنُّوكَ تَخْدَعُهُمْ وَاسْتَثْقَلُوكَ كَمَا يُسْتَثْقَلُ الْكَلُّ
فَاسْتَغْنِ بِاللَّهِ عَنْ أَبْوَابِهِمْ كَرَمًا إِنَّ الْوُقُوفَ عَلَى أَبْوَابِهِمْ ذُلُّ
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ وَكَانَ الْعَتَّابِيُّ لَا يَقْرَبُ السُّلْطَانَ وَلَا يَسْتَمِيحُهُ فَقِيلَ لَهُ: هَذَا مُحَمَّدٌ الْأَمِينُ يَهَبُ مَا بَيْنَ الْعَشْرَةِ الْآلَافِ وَالْمِائَةِ أَلْفٍ وَأَنْتَ رُبَّمَا تَحْتَاجُ إِلَى عَشْرَةِ دَرَاهِمَ فَكَيْفَ لَا تَقْصِدُهُ؟ فَقَالَ: لِأَنِّي رَأَيْتُهُ يَهَبُ الْعَشْرَةَ الْآلَافَ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ وَيُرْدِي الرَّجُلَ مِنَ السُّورِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ فَلَسْتُ أَدْرِي أَيُّ الرَّجُلَيْنِ أَكُونُ عِنْدَهُ وَلَيْسَ الَّذِي أُغَرَّرُ بِهِ كَالَّذِي آمُلُهُ مِنْهُ. قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ بَعَثَ بَعْضُ الْعُمَّالِ إِلَى أَبِي عُمَرَ صَاحِبِ أَبِي الْعَبَّاسِ رَسُولًا يَقُولُ لَهُ: أَخْبِرْنِي بِمِقْدَارِ مَا يَمُرُّ لَكَ فِي النَّفَقَةِ فِي سَنَةٍ حَتَّى أُجْرِيَهُ لَكَ فَقَالَ لِلرَّسُولِ: قُلْ لَهُ عَافَاكَ اللَّهُ أَنَا فِي جِرَايَةٍ مَنْ إِذَا سَخَطَ عَلَيَّ لَمْ يُسْقِطْ جِرَايَتِي. قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: إِنَّ الَّذِي يُحْدِثُ لِلسُّلْطَانِ التِّيهَ فِي أَنْفُسِهِمْ وَالْإِعْجَابَ بِآرَائِهِمْ كَثْرَةُ مَا يَسْمَعُونَهُ مِنْ ثَنَاءِ النَّاسِ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ أَنَّهُمْ أَنْصَفُوهُمْ فَصَدَقُوهُمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ لَأَبْصَرُوا الْحَقَّ وَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنْ أُمُورِهِمْ
[ ٩٥ ]
قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: خَيْرُ السُّلْطَانِ زِيَادَةٌ فِي الْحَالِ وَشَرُّهُ هَلَاكٌ وَاسْتِئْصَالٌ
[ ٩٦ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو رَجَاءٍ الْغَنَوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ عَائِشَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: " قِيلَ لِيَحْيَى بْنِ الْحَكَمِ: عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَوْلِدُهُ مَوْلِدُهُ وَمَنْشَؤُهُ مَنْشَؤُهُ جَاءَ كَمَا رَأَيْتَ، يَعْنِي فِي الْكَمَالِ. قَالَ: إِنَّ أَبَاهُ كَانَ أَرْسَلَهُ إِلَى الْحِجَازِ شَابًّا سُوقَةً يُغْضِبُ النَّاسَ وَيُغْضِبُونَهُ وَيَمْخُضُ النَّاسَ وَيَمْخُضُونَهُ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَلِيَ الْحَجَّاجُ وَمَا عُدَّ لِي أَحْسَنَ أَدَبًا مِنْهُ فَطَالَتْ وِلَايَتُهُ فَكَانَ لَا يَسْمَعُ إِلَّا مَا يُحِبُّ فَمَاتَ وَإِنَّهُ لَأَحْمَقُ سَيِّئُ الْأَدَبِ "
[ ٩٦ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الزِّيبَقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ عَمْرٍو وَقَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ الْجُمَحِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ بَعْضَ أَصْحَابِنَا قَالُوا: " أَرْسَلَ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ، وَهُوَ عَلَى الْعِرَاقِ، إِلَى فُقَهَاءَ مِنْ فُقَهَاءِ الْبَصْرَةِ وَفُقَهَاءَ مِنْ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ وَكَانَ مِمَّنْ أَتَاهُ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ الْحَسَنُ وَمِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ الشَّعْبِيُّ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَزِيدُ يَكْتُبُ إِلَيَّ فِي أُمُورٍ أَعْمَلُ بِهَا فَمَا تَرَيَانِ؟ قَالَ: فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ أَنْتَ مَأْمُورٌ وَالتَّبِعَةُ عَلَى مَنْ أَمَرَكَ فَأَقْبَلَ عَلَى الْحَسَنِ فَقَالَ: مَا تَقُولُ قَدْ قَالَ هَذَا قُلْ أَنْتَ. قَالَ: اتَّقِ اللَّهَ يَا عُمَرُ فَكَأَنَّكَ بِمَلَكٍ قَدْ أَتَاكَ فَاسْتَنْزَلَكَ عَنْ سَرِيرِكَ هَذَا، وَأَخْرَجَكَ مِنْ سَعَةِ قَصْرِكَ إِلَى ضِيقِ قَبْرِكَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنْجِيكَ مِنْ يَزِيدَ وَإِنَّ يَزِيدَ لَا يُنْجِيَكَ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَإِيَّاكَ أَنْ تَعْرِضَ لِلَّهِ تَعَالَى بِالْمَعَاصِي فَإِنَّهُ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ. ثُمَّ قَامَ فَتَبِعَهُ الْآذِنُ فَقَالَ: أَيُّهَا الشَّيْخُ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا اسْتَقْبَلْتَ بِهِ الْأَمِيرَ؟ قَالَ: حَمَلَنِي عَلَيْهِ مَا أَخَذَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْعُلَمَاءِ فِي عِلْمِهِمْ ثُمَّ تَلَا ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧] " قَالَ: فَأَخْرَجَ أُعْطِيَاتِهِمْ، وَفَضَّلَ الْحَسَنَ قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فَمَنْ لَنَا الْيَوْمَ بِمِثْلِ الْحَسَنِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِخْلَاصِ
[ ٩٦ ]
نَصِيحَتِهِ وَبَلِيغِ مَوْعِظَتِهِ وَلَوْ صَلَحَتْ مِنَّا الضَّمَائِرُ وَصَفَتِ السَّرَائِرُ لَوَقَعَتِ النَّصِيحَةُ مَوْقِعَهَا وَاللَّهُ يُصْلِحُنَا وَيُصْلِحُ أَئِمَّتَنَا فَإِنَّ فَسَادَهُمْ بِذُنُوبِنَا. قَالَ أَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ:
[البحر الكامل]
بِذُنُوبِنَا دَامَتْ بَلِيَّتُنَا وَاللَّهُ يَكْشِفُهَا إِذَا تُبْنَا
[ ٩٧ ]