إن هَدْي النبيِّ ﷺ في علاج السحر يكمن في أربعة أمور، هي:
١- تكرير الدعاء، وكثرة التضرُّع إلى الله ﷿ أن يكشف للمسحور سبب بلائه، وموضع عمل السحر وفيما عُمِل به السحر، بل وكشف الساحر أيضًا، ففي الصحيح عن عائشة ﵂: «سَحَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَهُودِيٌّ مِنْ يَهُودِ بَنِي زُرِيْقٍ، يُقَالُ لَهُ: لَبِيدُ بنُ الأَْعْصَمِ، قَالَتْ: حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُخَيَّلُ إُلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ، وَمَا يَفْعَلُهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ، أَوْ
[ ١٠٩ ]
ذَاتَ لَيْلَةٍ دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثُمَّ دَعَا، ثُمَّ دَعَا، ثُمَّ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، أَشَعَرْتِ (١٩٧) أَنَّ اللهَ أَفْتَانِي (١٩٨) فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ؟ جَاءَنِي رَجُلاَنِ (١٩٩)،
فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَالآْخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ، أَوِ الَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِي: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ (٢٠٠)، قَالَ: مَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بنُ الأَْعْصَمِ، قَالَ: فِي أَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ ومُشَاطةٍ (٢٠١)، قَالَ: وَجُفِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ (٢٠٢)، قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي
_________________
(١) «أَشَعَرْتِ؟» أي: أَعَلِمْتِ، كما جاء مُصرِّحًا به عند البخاري برقم (٥٧٦٥)، وفي مسند الحميدي، كلاهما من رواية سفيان بن عيينة ﵀.
(٢) «أَفْتَانِي»: أي: أجابني فيما دعوته، فأطلق على الدعاء استفتاء، لأن الداعي طالب والمجيب مفتٍ، أو المعنى: أجابني بما سألته عنه، لأن دعاء النبيِّ ﷺ كان أن يُطلِعه الله تعالى على حقيقة ما هو فيه لِما اشتبه عليه من الأمر. انظر: "الفتح" لابن حجر (١٠/٢٣٨) .
(٣) «رَجُلاَنِ»: أي ملكان بصورة رجلين، وهما جبريل وميكال _ث. قال ابن حجر ﵀: سمَّاهما ابن سعدٍ - في رواية منقطعة عن عمر مولى غُفْرة -: جبريل وميكائيل. انظر: "الفتح" (١٠/٢٣٩)، وطبقات ابن سعد (٢/١٥٢) ..
(٤) «مَطْبُوبٌ»: أي: مسحور، والطَّب - بالفتح -: السحر، وبالكسر: العلاج. انظر: هدي الساري - مقدمة "فتح الباري" - لابن حجر ص: ١٥٧.
(٥) «مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ»: أما المُشط، فهو الآلة المعروفة التي يُسرَّح بها شعر الرأس واللحية، وأما المشاطة، فهي: ما يَخرج من الشعر إذا مُشِطَ. انظر: "الفتح" لابن حجر (١٠/٢٣٩) .
(٦) «جُفِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ»: الجُفّ: جف الطلعة، وهو وعاؤها، أي: الغشاء الذي يكون على طلع النخل، ويطلق على الذكر والأنثى، فلهذا قيَّده في الحديث بقوله: «طلعةِ ذَكَر» . انظر: "معجم المقاييس" لابن فارس (١/٢١٣)، مادة: (جفّ)، و"النهاية" لابن الأثير (١/٢٦٩)، مادة (جفف) . وكذلك انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم للنووي (١٤/٣٩٨) . أما الطَّلْع: فهو ما يطلُع من النخلة، ثم يصير ثمرًا إن كانت أنثى، وإن كانت النخلة ذكرًا لم يصر ثمرًا، بل يؤكل طريًا ويترك على النخلة أيامًا معلومة حتى يصير فيه شيء أبيض مثل الدقيق وله رائحة زكية، فيلقّح به الأنثى. انظر: "المصباح المنير" للفيومي ص ١٤٢، مادة (طلع) .
[ ١١٠ ]
بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ» (٢٠٣) .
قَالَتْ: فَأَتَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، وَاللهِ لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ (٢٠٤)، وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ» . قَالَتْ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلاَ أَحْرَقْتَهُ؟ قَالَ: «لاَ، أَمَّا أَنَا، فَقَدْ عَافَانِيَ اللهُ، وَكَرِهْتُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا، فَأَمَرْتُ بِهَا فَدُفِنَتْ» (٢٠٥) .
٢- استخراج السحر، وتبطيلُه: وهذا العلاج - إن تيسَّر - هو من أبلغ ما يُعالج به المسحور، ويمكن معرفة موضع عمل السحر ابتداءً بتكرير الدعاء وصدق التوجُّه إلى الله تعالى
_________________
(١) «ذِي أَرْوَانَ»: هي بئر لبني زريق في المدينة. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٢/١٤٨)، مادة (ذرا) ..وقال النووي في المنهاج (١٤/٣٩٩): هكذا هو في جميع نسخ مسلم: «ذي أروان»، وكذا وقع في بعض روايات البخاري، وفي معظمها «ذروان»، وكلاهما صحيح، والأول أجود وأصحّ، وادعى ابن قتيبة أنه الصواب، وهو قول الأصمعي، وهي بئر بالمدينة في بستان بني زُرَيق. اهـ.
(٢) «نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ»: (نُقاعة كل شيء الماءُ الذي يَنتقع فيه) . (والمراد هنا: الماء الذي ينقع فيه الحنّاء)، (أي: أن لون ماء بئر ذي أروان كان مثل لون الماء الذي ينقع فيه الحناء) . انظر بالتتابع النقول الثلاثة: "المصباح المنير" للفيومي ص ٢٣٨، مادة (نقع) . والمنهاج شرح مسلم للنووي (١٤/٣٩٩)، و"الفتح" لابن حجر (١٠/٢٤١) . هذا، وقد نقل ابن حجر ﵀ روايات في تغيُّر لون الماء؛ الأول: بأن الماء قد احمرّ، والثاني: أنه قد اخضرّ، ثم قوّى القول الثاني، مستدلًا له، وأفاد ﵀ بأن تغيّر لون البئر لم يكن لرداءته بطول إقامة الماء فيه، إنما لما خالطه من الأشياء التي أُلقيت فيه.
(٣) متفق عليه من حديث السيدة عائشة ﵂: أخرجه البخاري؛ كتاب الطِبّ، باب: هل يستخرج السحر؟ برقم (٥٧٦٥)، ومسلم؛ كتاب: السلام، باب: السحر، برقم (٢١٨٩) .
[ ١١١ ]
بكشف الضر، [ثم إن لوليِّ الأمر إلزام الساحر بالدلالة على موضع السحر، وكذلك إلزامه بإزالة ما تسبّب به من ضرر؛ فإذا عُرف موضعه فإن هذا الشيء يُزال إما بحرق أو بإتلاف أو برمي في ماء جارٍ ونحو ذلك، فإذا عُرف واستخرج وأتلف بطل السحر، بإذن الله] (٢٠٦) .
تنبيه: لو نطق الجني المتلبِّس بالمريض، فدلَّ على المتسبِّب بالسحر أو أرشد إلى موضع السحر، فإن كلامه في ذلك ينبغي ألاّ يُغترَّ به وألاّ يُحمل على محمل الصدق ابتداءً؛ حيث إن
_________________
(١) انظر: حكم السحر والكَهانة، لسماحة العلاّمة ابن باز ﵀ ص ٦٦.
[ ١١٢ ]
كثيرًا من الجن المتلبِّس ينطق بذلك تلاعبًا، قاصدًا بذلك إيقاع العداوة والبغضاء فيما بين الناس، وبخاصة الأقارب منهم، والله أعلم.
مسألة (٢٠٧): هل استخرج النبيُّ ﷺ السحر الذي وضع له في بئر ذروان؟
إن المتتبع لروايات «حديث السحر»، يجد اختلافًا ظاهرًا في نصوصها فيما يتعلق بهذا الاستخراج، فقد ثبت ذلك في بعض الروايات، وانتفى حصولُه في بعضها! ولا يلزم من ذلك تناقض كما قد يُتوهم، فإن أهل الحديث أمكنهم الجمع بينها بطرق، منها: أن الاستخراج حصل
_________________
(١) قد بسطت الإجابة عن هذه المسألة في كتابي (الحِذْر من السِّحْر)، في الفصل الأول منه، فانظره إن شئت المزيد.
[ ١١٣ ]
فعلًا حتى رآه النبيُّ ﷺ وعَلِم أنه على صفته التي أُرِيها في منامه، وأن الاستخراج المنفيَّ الذي كرهه رسول الله ﷺ هو: استخراجه ثم إظهاره للناس حتى يعاينوه (٢٠٨) فيتسبَّب ذلك بإحداث فتنة وشر عظيم، ويُهراق بسببه دم كثير، ومعلوم أن إظهاره للناس - على ما فيه من مصلحة كشف الساحر، والحذر منه ومن قومه - إلا أن النبيَّ ﷺ كره ذلك درءًا للمفسدة المتوقعة من كشفه، حتى إنه ﷺ لم يذكر ذلك الأمر لِلَبِيدٍ الساحرِ، ولا أَشْعره بأثر غضبٍ في وجهه قَطّ. وكل ذلك كان مردُّه إلى بالغ حكمة النبيِّ ﷺ.
_________________
(١) كما أثبته ابن حجر في "الفتح" (١٠/٢٤٥)؛ ونصُّ قولِه ﵀: [وفي رواية وهيب: «قلت يا رسول الله فأخرجه للناس» . اهـ.
[ ١١٤ ]
ثم إن الرواية التي أثبتت الاستخراج قد رجَّحها أهل الحديث - من جهة اختصاصهم - على تلك التي نفت ذلك، لأمور، منها:
مزيد ضبط الراوي لها - وهو سفيان ابن عيينة - ورسوخ قدمه في إتقان جملة الرواية وتأديته لها، فضلًا عن أنه كرر ذكر ذلك الاستخراج في روايته (٢٠٩)، فيَبْعُد بذلك حصولُ وَهْمٍ في تأدية الرواية، ومن وجوه الجمع عند أهل الحديث أيضًا: أن سؤال أمِّ المؤمنين عائشة ﵂ عن الاستخراج - في الروايات التي نفت ذلك - كان قبل حصول ذلك الاستخراج، أو أنه كان
_________________
(١) هذه الرواية هي عند البخاريِّ برقم (٥٧٦٥)، وفيها: «فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ الْبِئْرَ حَتَّى اسْتَخْرَجَهُ، فَقَالَ: هَذِهِ الْبِئْرُ الَّتِي أُرِيتُهَا، وَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ، وَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُؤُوسُ الشَّيَاطِينَ»، قَالَ - أَيْ: سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ -: فَاسْتُخْرِجَ.
[ ١١٥ ]
بعد استخراج السحر جملةً، إلا أن ما حواه السحر مما بداخل الجُفِّ هو الذي لم يُخرج، والله أعلم (٢١٠) .
٣-[الاستفراغ في المحلِّ الذي يصل إليه أذى السحر، [فإن للسحر تأثيرًا في الطبيعة وهيجانِ أخلاطها وتشويشِ مِزاجها، فإذا ظهر أثر السحر في عضو، وأمكن استفراغُ المادة الرديئة من ذلك العضو نَفَع جدًا - وذلك الاستفراغ يكون غالبًا بالاحتجام، كما قد يكون بالقيء أو بالإسهال - فإذا عرف الموضع الذي انتهى السحر إليه، واستُعمِلت الحجامةُ على ذلك المكان الذي تضررت أفعاله بالسحر
_________________
(١) انظر: "فتح الباري"، لابن حجر (١٠/٢٤٥) .
[ ١١٦ ]
كان ذلك من أنفع المعالجة، إذا استعملت الحجامة على القانون الذي ينبغي] (٢١١) .
٤- تناول سبع تَمْرات صباحًا قبل تناول أي طعام أو شراب، وأنفع أنواع التمر لعلاج المسحور، صنف من تمر المدينة، هو العجوة؛ وهو: (ضرب من أجود تمر المدينة وألينه، وهو أكبر من الصَّيْحَاني، يضرب بلونه إلى السواد، وهو مما غرسه النبيُّ ﷺ بيده الشريفة في المدينة النبويَّة المنوَّرة) (٢١٢)، وبخاصة من هذا التمر ما كان من عجوة عوالي المدينة (٢١٣) . فقد صحَّ عن النبيِّ ﷺ
_________________
(١) انظر: "الطب النبوي" لابن القيم ص ١٢٥.
(٢) انظر: "فتح الباري" لابن حجر ﵀ (١٠/٢٤٩) . وانظر: "النهاية" لابن الأثير [عجا] (٣/١٨٨) .
(٣) عالية المدينة: القرى التي في الجهة العالية من المدينة، وهي جهة نجد. انظر: "فتح الباري" لابن حجر ﵀ (١٠/٢٤٩) .
[ ١١٧ ]
قولُه: «مَنْ تَصَبَّحَ سَبْعَ تَمْرَاتٍ عَجْوَةً مِنْ تَمْرِ الْعَالِيَةِ لَمْ يَضُرُّهُ ذَلِكَ الْيَوْمِ سُمٌّ وَلاَ سِحْرٌ» (٢١٤) .
فائدة: [إن نفع هذا العدد (سبعة) من هذا التمر (العجوة) من هذا البلد (المدينة) من هذه البقعة (عالية المدينة)، من السُّم والسحر؛ بحيث تمنع إصابته، هو من الخواص لهذا التمر التي لو قالها بقراط أو جالينوس (من أكابر أطباء اليونان)، وغيرهما من الأطباء، لتلقاها عنهم الأطباء بالقبول والإذعان والانقياد، مع أن القائل إنما معه الحَدْس والتخمين، فمَنْ كلامُه يقينٌ، وقطع وبرهان ووحي: أَوْلَى أن تُتلقّى
_________________
(١) متفق عليه من حديث سعدِ بن أبي وقَّاصٍ ﵁: أخرجه البخاري؛ كتاب: الطب، باب: الدواء العجوة للسحر، برقم (٥٧٦٩)، ومسلم؛ كتاب: الأشربة، باب: فضل تمر المدينة، برقم (٢٠٤٧) .
[ ١١٨ ]
أقوالُه بالقبول والتسليم وترك الاعتراض] (٢١٥) .
٥- [ومن أنفع علاجات السحر: الأدوية الإلهية، بل هي أدويته النافعة بالذات، فإنه - أي: السحر - من تأثيرات الأرواح الخبيثة السُّفْلية، ودفعُ تأثيرها إنما يكون بما يعارضها ويقاومها من الأذكار والآيات والدعوات التي تبطل فعلها وتأثيرها، وكلما كانت - هذه الأدوية الإلهية - أقوى وأشد، كانت أبلغ في النُّشْرة، أي: في إحداث شفاء المسحور؛ وذلك بمنزلة التقاء جيشين مع كل واحد منهما عدته
_________________
(١) أفاده الإمام ابن القيم ﵀، بعد أن بيّن أن للعدد (سبعة بنفسه خاصية عددية ليست لغيره، وأن العجوة يكثر نفعها - في دفع أثر السم وضُرِّ السحر - لأهل المدينة ومَن جاورهم، إذا اعتقد أحدهم جازمًا النفعَ بذلك. انظر: الطِبّ النبوي (ص ٩٨-١٠٠) .
[ ١١٩ ]
وسلاحه، فأيهما غلب الآخر قَهَره، وكان الحكم له] (٢١٦) .
هذا، وقد سبق في الفصل الأول المختصِّ بالرقى ثُلَّة مباركة من النصوص من الكتاب وصحيح السنّة مما يُرقى به المسحور، ويضاف إليه هنا أمور - مُحصِّنات - لا بدّ منها، هي:
أ- تحقيق الإخلاص في توحيد الله سبحانه، قال تعالى: [الحِجر: ٤٢] ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ *﴾، وقال ﵊ مبشرًا عمر ﵁: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ: مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا إِلاَّ سَلَكَ فَجًّا غَيْرَهُ» (٢١٧) .
_________________
(١) المرجع السابق ص ١٢٦.
(٢) متفق عليه من حديث سعدٍ ﵁: أخرجه البخاري، كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده، برقم (٣٢٩٤)، ومسلم؛ كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر ﵁، برقم (٢٣٩٦) .
[ ١٢٠ ]
ب- التحصُّن المستمرُّ بالأذكار المشروعة، وبخاصةٍ منها ما يُقال صباحًا ومساءً، وبعد الصلوات المفروضة، وعند النوم. [فالقلب إذا كان ممتلئًا من الله تعالى مغمورًا بذكره، وله من التوجُّهات والدعوات والأذكار والتعوُّذات وِرْد لا يُخِلُّ به، يطابق فيه قلبُه لسانَه، كان هذا من أعظم الاسباب التي تمنع إصابة السحر له، ومن أعظم العلاجات له بعدما يصيبه] (٢١٨) .
جـ- التحصُّن بالإكثار من الاستعاذة بالله تعالى من الشيطان الرجيم، قال تعالى: [فُصّلَت: ٣٦] ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ
_________________
(١) انظر: "الطب النبوي" لابن القيم ﵀، ص ١٢٧.
[ ١٢١ ]
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *﴾ . وقال سبحانه: [المؤمنون: ٩٧-٩٨] ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ *وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ *﴾، وقال ﵊ عن رجلٍ مُغضَب قد احمرَّ وجهُه وانتفخت أوداجُه: «إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» (٢١٩) .
د- التحصُّن بالاجتهاد في تحقيق حُسْن الاقتداء بالنبيِّ ﷺ، ومن ذلك:
- ذكر الله تعالى عند كل أمر ذي بال من قول أو عمل يريد الشروع به؛
_________________
(١) متفق عليه من حديث سليمان بن صُرَد ﵁. أخرجه البخاري؛ كتاب: الأدب، باب: الحذر من الغضب، برقم (٦١١٥) . ومسلم؛ كتاب: البِرِّ والصلة والآداب، باب: فضل من يملِك نفسه عند الغضب، برقم (٢٦١٠) .
[ ١٢٢ ]
كتلاوة القرآن، والوضوء، ودخول المسجد والخروج منه، ودخول البيت والخروج منه، وركوب الدابَّة، وعند البدء بطعام أو شراب، وعند ذبح مأكول اللحم، وعند إرادة الجماع، وذلك لقوله ﷺ: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ، لاَ يُفْتَحُ بِذِكْرِ اللهِ ﷿ فَهُوَ أَبْتَرُ» (٢٢٠) .
- قصد التيمُّنِ في جميع الشأن المُستحسَن، فقد: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» (٢٢١) .
هـ- من مُهِمَّات التحصُّن كذلك: أن يعمد المسلم إلى مخالفة الشيطان
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده (٢/٣٥٩)، من حديث أبي هريرة ﵁، وهو في مصنف عبد الرزاق بمعناه، برقم (١٠٤٥٥) وبرقم (٢٠٢٨٠)، وكذا هو عند البيهقي في «الكبرى» برقم (١٠٣٣١) . كل ذلك بلفظ: «فَهُوَ أَبْتَرُ»، وعند أبي داود؛ كتاب: الأدب، باب: الهدى في الكلام، برقم (٤٨٤٠)، عن أبي هريرة ﵁ أيضًا، بلفظ «فَهُوَ أَجْذَمُ» .
(٢) أخرجه البخاري - بلفظه -؛ كتاب: الوضوء، باب: التيمُّن في الوضوء والغُسل، برقم (١٦٨) عن عائشةَ ﵂، ومسلم؛ كتاب: الطهارة، باب: التيمُّن في الطُّهور وغيره، برقم (٢٦٨)، عنها أيضًا.
[ ١٢٣ ]
ومحبوبِه وما يميل إليه، ومن ذلك:
الكِبْر والاستعلاء، والعجَلة في إنجاز الأمور، والغضب لغير الله تعالى، والحَيْرة، وهي كثرة التردد عند إرادة أمرٍ ما، والتبذير ويكون بالإسراف في الإنفاق بغير وجه حق، وكثرة المراء وهو الجدال بالباطل، ومن أخطر أنواع التشبه بالشياطين العمد إلى تغيير خلق الله كما نشهد كثيرًا منه في عصرنا بمسمى (عمليات تجميل)، فإنك لا تكاد تميز وجهًا - أُجريت له مثل هذه العمليات الجراحية - عما كان عليه من قبل!!
[ ١٢٤ ]
.. وختامًا لهذه المُحصِّنات الضرورية، أذكر أمورًا صحَّ النَّهيُ عنها في السُّنَّة المطهَّرة، وقد يستصغر شأنَها المؤمنُ فلا يُلقي لها بالًا، لكنها أفعال تحبها الشياطين وتستهوي من يفعلها، ومن ذلك:
- الإكثار من التثاؤب، مع عدم كظمه - ما أمكن - بالشفتين، أو عدم وضع اليد اليمنى مقبوضة على الفم.
- ترك نوم القيلولة (وهو نومة يسيرة قبيل وقت الزوال) .
- الجلوس في مجلس شيطانٍ، وهو الموضع الذي يتخلله الظل والشمس.
- التصرف باليد الشمال، عند أكل وشرب، أو أخذٍ وإعطاءٍ.
[ ١٢٥ ]
- النوم الطويل، وترك قيام الليل مطلقًا.
- المكث على غير طهارة تامة.
- اقتناء كلب (لغير صيد أو حراسة أو زرع) .
- وضع الصور المجسمة لذوات أرواح في البيوت.
- العمد إلى الأكل منفردًا.
- الإكثار من المأكل والمشرب، لحدّ الشِّبَع والتُّخَمة.
أخي القارئ، إن أهمية تحصين نفسك بجميع ما ذكر آنفًا، من الضرورة بمنزلةٍ تفوق ضرورةَ الأكل والشرب، فهذه
[ ١٢٦ ]
الأخيرة قد تحصِّن الجسد من التهالك، أما التحصين للقلب فهو وقاية له من التعرض لسهام الأنفس الخبيثة الفتاكة، فإن التزمتَ بمجمل هذه التحصينات، فإن حصول ضُرٍّ - من أثر سحر أو عين ونحوه - هو أمر في غاية النُّدْرة في حقك، إن لم يكن ذلك معدومًا، أما لو أنك أهملت ذلك، مستخِفًّا بشأن هذه المحصِّنات، فإنك لا تأمن عندها كيدَ ساحر، أو عين عائن، أو حسد حاسد، عياذًا بالله تعالى.