أصول الشفاء الثلاثة (٤٨):
أولًا: الحِجامة (٤٩): وهي تفرُّقٌ اتصالي إرادي، يتبعه استفراغ كُلِّي من العروق، وأصل معناها: المداواة بالحَجْم، أي: بالشَّرْط؛ وطريقة ذلك أن يعمد الحجّام إلى إخراج الدم المتبيِّغ (أخلاط الدم الزائد الفاسد) من العروق، وذلك بإفراغ كأس من الهواء، ثم وضعه على الجلد ليُحدث فيه تهيُّجًا فينجذب الدم إلى الجلد بقوة، ومن ثَمَّ باستخدام مِشْرطٍ، يستخرج به الحجَّام ذلك الدم.
قال ﵊: «إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ، فَفِي شَرْطَةِ
_________________
(١) تنبيه مهم: من الضرورة للغاية مراعاةُ كلِّ متطبِّبٍ بهذه الأدوية حالتَه الخاصة، وذلك بإجراء كلِّ بدنٍ على عادته في استعمال الأغذية والأدوية، وكذلك مراعاة أوقات المعالجة بها، مع مراعاة البلد الذي يتم فيه العلاج، [فإن للأمكنة اختصاصًا بنفع كثير من الأدوية في ذلك المكان دون غيره، فرُبَّ أدوية لقوم هي أغذية لآخرين، وأدوية لقوم من أمراض هي بعينها أدوية لآخرين في أمراض سواها، ورُبّ أدوية لأهل بلد لا تناسب غيرهم، ولا تنفعهم] . "الطب النبوي" لابن القيم ص٩٨. وحاصل ذلك أن هذه الأدوية لا يَعمد كلُّ أحدٍ إلى التطبب بها من عند نفسه، إلا إذا علم كيفية ذلك، ووقته المناسب، ومقداره المطلوب، وموضعه الأمثل، فلو عمد إلى الاحتجام مثلًا في بلد شديد البرودة في أول الشهر القمري أو في آخره، أو استعمل الحِجامة على شِبَع بطنٍ، ولم يكن ثمة حاجة إليها - أي: لم يكن الداء سببه غلبة أخلاط الدم - لم تكن الحجامة عندها نافعة النفعَ المطلوب، فلا يُحتجُّ بعدها بأن السُّنَّة - حاشَ لها - قد أرشدت إلى ما لا نفع فيه!! فقد أرشد النبيُّ ﷺ أهل الحجاز، وهي بلاد حارة، ودماء أهلها رقيقة تميل إلى ظاهر أبدانهم إلى فضل الحجامة، فقال ﵊: «إِنْ أَفْضَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ» أخرجه البخاري برقم (٥٦٩٦)، ومسلم برقم (١٥٧٧) . وفيه إشارة إلى أن أهل الحجاز ومَن شَاكَلهم في الخِلْقة ومناخ البلد يكون الحَجْم في حقهم أكثر نفعًا، وأقرب إلى الشفاء. كما حدّدت السُّنَّة وقتها المناسب، ففي الحديث: «مَنِ احْتَجَمَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ وَتِسْعَ عَشْرَةَ وَإِحْدى وَعِشْرِينَ كَانَ شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ» . أخرجه أبو داود بسند حسن، وذلك لكون الدم في هذه الأيام منجذبًا إلى الجلد، فتكون الحجامة عندها من أنفع الدواء. انظر: "الطب النبوي" لابن القيم ص٥٢، وما بعدها.
(٢) انظر - في معناها - "الطب النبوي" لابن القيم ص٥٥، وانظر: "النهاية" لابن الأثير (١/٣٤٧) . مادة (حجم) .
[ ٣٥ ]
مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ عَسَلٍ، أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ» (٥٠) . هذا، وقد «احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ مُحرِمٌ فِي رَأْسِهِ، مِنْ شَقِيقَةٍ (٥١) كَانَتْ بِهِ» (٥٢) .
وللحجامة منافعُ جمَّة، [فهي تُنْقِي سطح البدن، والحجامة على الكاهل (٥٣): تنفع من وجع المَنْكِب والحلق، كما أن الحجامة على الأخدعين (٥٤): تنفع من أمراض الرأس وأجزائه؛ كالوجه، والأسنان، والأذنين، والعينين، والأنف، والحلق إذا كان حدوث ذلك عن كثرة الدم أو فساده، أو عنهما جميعًا، والحجامة تحت الذقن تنفع من وجع الأسنان والوجه
_________________
(١) متفق عليه من حديث جابر بن عبد الله ﵄: أخرجه البخاري؛ كتاب: الطب، باب: الدواء بالعسل، برقم (٥٦٨٣)، ومسلم؛ كتاب: السلام، باب: لكل داء دواء واستحباب التداوي، برقم (٢٢٠٥) .
(٢) الشَّقِيقَةُ: نوع خاص من الصداع، وهو: وجع يأخذ في أحد جانبَيِ الرأس، أو في مُقدَّمه. وهي تكون في شرايين الرأس وحدها، وتختص بالموضع الأضعف من الرأس، وعلاجها - غالبًا - يكون بشدِّ العِصابة. انظر: "فتح الباري" لابن حجر (١٠/١٦٢)، و"الطب النبوي" لابن القيم ص٨٧.
(٣) أخرجه البخاري؛ كتاب: الطب، باب: الحِجم من الشقيقة والصداع، برقم (٥٧٠١)، عن ابن عباس ﵄. ومسلم - مختصرًا - كتاب: الحجّ، باب: جواز الحِجامة للمُحرِم، برقم (١٢٠٢)، عنه أيضًا.
(٤) موضع الكاهل: هو مُقدَّم أعلى الظهر. "النهاية" لابن الأثير (٤/٢١٤) . مادة (كهل) .
(٥) الأخدعان: عِرْقان في جانبَيِ العُنُق. "النهاية" لابن الأثير (٢/١٤) . مادة (خدع) .
[ ٣٦ ]
والحلقوم، إذا استُعمِلت في وقتها، وتنقي الرأس والفكَّين، والحِجامة على ظهر القدم تنوب عن فصد (٥٥) الصافن - وهو عرق عظيم عند الكعب - وتنفع أيضًا من قروح الفخذين والساقين، وانقطاع الطَّمْث، والحِكَّة العارضة في الأُنْثَيَيْن (الخِصْيتين)، والحجامة في أسفل الصدر نافعة من دماميل الفَخِد، وجَرَبِه وبُثُورِه، ومن داء النِّقْرِس (٥٦)، والبواسيرِ، وداءِ الفيل (٥٧)،
وحِكَّة الظهر] (٥٨) .
والحجامة - فضلًا عما سبق - هي من أنفع الطرق المشروعة لإبطال أثر السحر، (وتكون باستفراغ الدم في
_________________
(١) الفصد: قطع العِرْق حتى يسيل، ويقولون: تفصَّد الشيءُ: سال. انظر: "معجم المقاييس" لابن فارس (٢/٣٥٦)، [فَصَد] .
(٢) النِّقْرِس - بكسر النون والراء -: مرض معروف، وهو وَرَم يحدث في مفاصل القدم، وفي إبهامها أكثر، ومن خاصية هذا المرض أنه لا يجمع مِدَّة -أي: قيحًا غثيثًا غليظًا - ولا ينضح؛ لأنه في عضو لحميٍّ، ومن داء النِّقْرِس كذلك: وجع المفاصل وعِرْق النَّسا، لكن خولف بين الأسماء لاختلاف المحالِّ. "المصباح المنير" للفَيُّومي ص٢٣٧، مادة (نقر) .
(٣) داء الفيل: مرض يحدث من غِلَظٍ كثيف بالقدم والساق، تتخلله عُجَرٌ صغيرة ناتئة. [والفائل: هو اللحم الذي على خُرْبة الوَرِك، وقال أبو عبيد: كان بعضهم يجعل الفائلَ عِرْقًا] ..انظر: "معجم المقاييس" لابن فارس (٢/٣٣٧) [فَيَل] .
(٤) انظر: "الطب النبوي" لابن القيم ص٥٣ وما بعدها.
[ ٣٧ ]
المحل الذي يصل إليه السحر، فإن للسحر تأثيرًا في الطبيعة، وهيجانِ أخلاطِها، وتشويشِ مِزاجها، فإذا ظهر أثرُه في عضوٍ، وأمكن استفراغ المادة الرديئة من ذلك العضو، نَفَع جدًا) (٥٩) .
أما الأوقات المثلى للحجامة، فهي يوم سابعَ عشر، أو تاسعَ عشر، ويوم إحدى وعشرين، من الشهر القمري، فعن أنس ﵁، قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحْتَجِمُ فِي الأَْخْدَعَيْنِ وَالْكَاهِلِ، وَكَانَ يَحْتَجِمُ لِسْبِعَ عَشْرَةَ وَتِسْعَ عَشْرَةَ وَإِحْدى وَعِشْرِينَ» (٦٠) .
تنبيه: [إن اختيار هذه الأوقات - المستحبة للحجامة - هو فيما إذا
_________________
(١) المرجع السابق ص١٢٥.
(٢) أخرجه الترمذي - بلفظه، وحسّنه - كتاب: الطِبّ، باب: ما جاء في الحجامة، برقم (٢٠٥١) . وأبو داود مفرّقًا في بابين، الجزء الأول من الحديث، في كتاب الطب؛ باب: في موضع الحجامة، برقم (٣٨٥٩)، عن أنس ﵁، والثاني بلفظ: «مَنِ احْتَجَمَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ وَتِسْعَ عَشْرَةَ وَإِحْدى وَعِشْرِينَ كَانَ شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ»؛ باب: متى تُستحب الحجامة؟ برقم (٣٨٦١)، عن أبي هريرة ﵁. حسَّنه الألباني. انظر: صحيح أبي داود، برقم (٣٢٦٨) وبرقم (٣٢٧١) .
[ ٣٨ ]