خطَّ النَّبِيُّ ﷺ خطًّا مُرَبَّعًا، وَخَطَّ خَطًّا فِي الْوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ، وَخَطَّ خُطَطًا صِغَارًا إِلَى هَذَا الذِي فِي الْوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الْوَسَطِ، وَقَالَ: «هَذَا الإِنْسَانُ، وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ - أَوْ: قَدْ أَحَاطَ بِهِ - وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ، وَهَذِهِ الْخُطَطُ الصِّغَارُ: الأَْعْرَاضُ؛ فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا» (١٩٢) .
_________________
(١) أخرجه البخاري؛ كتاب: الرِّقاق، باب: في الأمل وطولِه، برقم (٦٤١٧)، عن عبد الله بن مسعود ﵁.
[ ١٠١ ]
انظر: فتح الباري لابن حجر (١١/٢٤١) . وقال ﵀: والأول المعتمد، وسياق الحديث يتنزّل عليه. اهـ.
هذا التمثيل البياني النبويُّ دلَّ - يقينًا - على عظم رأفة النبيِّ ﷺ ورحمتِه بأمته، فلولا جلالة المعنى المشار إليه بهذا الرسم، وعظيم خطر التغافل عنه، لما خطّ ﵊ ذلك رسمًا؛ فالأجل قريب متحقق الوقوع لا محالة، والأمل عظيم يكاد ألا ينحصر، فليس
[ ١٠٢ ]
من شيء من المنافع إلا ويحرص ابن آدم على حيازته والتمتع به، وهو يغضُّ طَرْفًا عما يحيط به من كل جانب، ثم هو -مع ذلك - يتطلع إلى ما لا يدركه بصره لبُعده، فلا يكلّ من التحديق به ولا يملّ، أما الأعراض والآفات الحادثة التي تصيبه مرارًا وتكرارًا فتنهشه كما تنشهه ذوات السموم؛ إنْ سَلِمَ من هذه أصابته أختُها، هذه الأعراض المحيطة به ليست آلامًا أو أسقامًا حسية وحسب، بل إن جُلّها أخطار محدقة؛ هي أدواء روحية معنوية تكون - غالبًا - أسرع فتكًا وأعظم ضررًا من الأمراض الحسية، لذا، فقد أكدت الشريعة
[ ١٠٣ ]
المطهرة عظيم خطرها، وتنزّلت الآيات تأمر بالتعوُّذ من شرها، وأتحفتنا سُنَّة المصطفى ﷺ بدعوات وعُوَذ لا يعرف عظيم نفعها وشدةَ الحاجة إليها إلا الحصيف من المؤمنين، المدرك لخطورة تلك الأدواء.
فانظر - عافاك الله - إلى المعوِّذتين: [فإن فيهما الاستعاذة من كل مكروه جملة وتفصيلًا؛ فإن الاستعاذة من شرِّ ما خلق تعمُّ كلَّ شرٍّ يُستعاذ منه، سواء كان في الأجسام أو الأرواح، ثم التفصيل بعدها من شرور معنوية، فالاستعاذة من شر الغاسق وهو الليل وآيته وهو القمر إذا غسق - أي: غاب - تتضمن الاستعاذة من شر ما ينتشر بالليل
[ ١٠٤ ]
عند اشتداد ظلمته من الأرواح الخبيثة التي كان نور النهار يحول بينها وبين الانتشار، فلما أظلم الليل عليها، وغاب نور القمر، انتشرت وعاثت، والاستعاذة من شر النفَّاثات في العقد تتضمن الاستعاذة من شر السواحر وسحرهن، والاستعاذة من شر الحاسد تتضمن الاستعاذة من النفوس الخبيثة المؤذية بحسدها ونظرِها. أما سورة الناس فهي تتضمن الاستعاذة من شر شياطين الإنس والجن؛ فقد جمعت السورتان الاستعاذةَ من كل شر، ولهما شأن عظيم في الاحتراس والتحصُّن من الشرور قبل وقوعها] (١٩٣)، ومما يُلحظ هنا أن
_________________
(١) انظر: "الطب النبوي" لابن القيم ص ١٨١.
[ ١٠٥ ]
[المطلوب في سورة الناس: تحصيل سلامة الدِّين من كيد هؤلاء الشياطين وشرهم، أما المطلوب في سورة الفلق فسلامة النفس والبدن من ضر هؤلاء الشياطين وجندهم من السحرة، ومن ضر النفوس الحاسدة الخبيثة؛ ولما كانت سلامة الدِّين مطلبًا عظيم الأهمية جاء ذكر المستعاذ به وهو الله ﷿ بثلاث صفات: الرب والملك والإله، وفي السورة الأولى مذكور بصفة واحدة (رب الفلق)، وفي ذلك تنبيه على أن مضرة الدين - وإن قلَّت - هي أعظم من مضارِّ الدنيا وإن عَظُمت] (١٩٤) .
وتأسيسًا عليه: فإن العاقل لا يقتصر باستشفائه على
_________________
(١) انظر: أحكام السحر والسحرة، للرازي. ص١٥٧.
[ ١٠٦ ]
أمراض الجسد وإن عظم خطرها، لكنه يتعداها إلى ما هو أعظم منها خطرًا، وأشد فتكًا: أمراض الروح المتأتِّية من تأثير النفوس الخبيثة؛ من نحو ضر ساحر، أو عين عائن، أو شر حاسد؛، أو وسوسة شيطان يبغي هلاك دين المرء، فإن سلم المؤمن من هذا الخطر الداهم كانت سلامته من غير ذلك أقرب وأَوْلَى؛ [فإن الأدوية الإلهية تنفع من الداء بعد حصوله، وتمنع من وقوعه، وإن وقع لم يقع وقوعًا مُضرًا - وإن كان مؤذيًا - والأدوية الطبيعية إنما تنفع بعد حصول الداء؛ فالتعوُّذات والأذكار إما أن تمنع وقوع هذه الأسباب، وإما أن تحول بينها وبين كمال تأثيرها، وذلك
[ ١٠٧ ]
بحسب كمال التعوُّذ وقوته وضعفه، فالرُّقى والعُوَذ تُستعمل: لحفظ الصحة، ولإزالة المرض] (١٩٥) . وقد قال النبيُّ ﷺ لعبد الله بن خُبيبٍ ﵁: «قُلْ: ﴿قُل هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ وَالمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبِحُ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيءٍ (١٩٦)، وقال ﵊ لعقبةَ بن عامرٍ ﵁: «يَا عُقْبَةُ تَعَوَّذْ بِهِمَا، فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهِمَا» .
إن السنَّة المطهَّرة قد دلت على علاج عامة تلك الأمراض المعنوية، لكني - في هذا المقام - سأختص بيان علاج مرضين هما من أكثر ما يبتلى به كثير من الناس، عنيت: السحرَ والعين.
_________________
(١) انظر: "الطب النبوي" لابن القيم ص ١٨٢.
(٢) تقدم تخريج هذا الحديث والذي يليه بالهامش ذي الرقم (٥) .
[ ١٠٨ ]