كانت الحجامة على سبيل الاحتياط والتحرُّز من الأذى، وحفظًا للصحة، أما في مداواة الأمراض، فحيثما وُجد الاحتياجُ إليها وجب استعمالُها] (٦١) .
ثانيًا: العسل: قال الله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النّحل: ٦٩] .
[قال بعض من تكلم على الطِب النبويِّ: لو قال: فيه الشفاء للناس، لكان دواءً لكل داء، ولكن قال: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾، أي يصلح لكل أحد من أدواءٍ باردة، فإنه حارٌّ، والشيء يداوى بضِدِّه] (٦٢) .
_________________
(١) انظر: "الطب النبوي" لابن القيم ص٥٩.
(٢) "تفسير القرآن العظيم"، لابن كثير ص٩٧٠، ط- بيت الأفكار.
[ ٣٩ ]
أما السُّنَّة الكريمة، فقد صحّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُعْجِبُهُ الْحَلْوَاءُ وَالْعَسَلُ» (٦٣)، وقد سبق قوله ﷺ: «إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ، فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ عَسَلٍ، أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ» (٦٤)، وقد أتى رجلٌ النبيَّ ﷺ، فقال: أخي يشتكي بطنه، فقال: «اِسقِهِ عَسَلًا»، ثم أتاه الثانية، فقال: «اِسْقِهِ عَسَلًا»، ثم أتاه الثالثة، فقال: «اِسْقِهِ عَسَلًا»، ثم أتاه فقال: قد فعلتُ، فقال ﷺ: «صَدَقَ اللهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ، اِسْقِهِ عَسَلًا»، فسقاه، فبرأ (٦٥) .
[والعسل فيه منافع عظيمة، فإنه جِلاء للأوساخ التي في العروق والأمعاء
_________________
(١) متفق عليه من حديث السيدة عائشة ﵂: أخرجه البخاري؛ كتاب: الأشربة، باب: شراب الحلوى والعسل، برقم (٥٦١٤)، ومسلم - مطوّلًا - كتاب: الطلاق، باب: وجوب الكفَّارة على من حرَّم امرأته ولم ينوِ الطلاق، برقم (١٤٧٤) . واللفظ للبخاري ﵀.
(٢) سبق تخريجه بالهامش ذي الرقم (٥٠) .
(٣) متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أخرجه البخاري، كتاب: الطب، باب الدواء بالعسل، برقم (٥٦٨٤)، ومسلم؛ كتاب: السلام، باب: التداوي بسقي العسل، برقم (٢٢١٧) .
[ ٤٠ ]
وغيرِها، محلِّلٌ للرطوبات، أكلًا وطِلاءً، نافع للمشايخ - أي: للمُسِنِّين - وأصحابِ البلغم، ومن كان مزاجه باردًا رطبًا، (حيث إنه من الأغذية الحارّة)، وهو مغذٍّ مليّن للطبيعة (مسهِّل)، منقٍّ للكبد والصدر، مُدِرٌّ للبول، موافق للسعال الكائن عن البلغم، وإن اسْتُنَّ به - أي: دُلِكت به الأسنان - بيَّضَ الأسنان وصقلها وحفظ صحتها، وصحة اللثة، ثم إنَّ لَعْقَه على الريق يُذهِب البلغم، ويغسل خَمْل المعدة، ويدفع الفضلات عنها، ويسخِّنها تسخينًا معتدلًا، ويفتح سُدَدَها، ويفعل ذلك بالكبد والكلى والمثانة، وهو أقلُّ ضررًا
[ ٤١ ]
لسُدَد الكبد والطِّحال من كل حلو. وهو - مع هذا كلِّه - مأمون الغائلة، قليل المضارِّ.
والعسل غذاء مع الأغذية، ودواء مع الأدوية، وشراب مع الأشربة، وحلو مع الحلوى، وطِلاء مع الأطلية، ومُفَرِّحٌ مع المفرِّحات، فما خُلِق لنا شيءٌ في معناه أفضلَ منه، ولا مثلَه، ولا قريبًا منه] (٦٦) .
[وأما هدي النبيِّ ﷺ في الشراب، فهو أكملُ هديٍ تُحفَظ به الصحة، فإنه كان يشرب العسل الممزوج بالماء البارد، وفي هذا من حفظ الصحة ما لا يهتدي
_________________
(١) انظر: "الطب النبوي" لابن القيم ص٣٣، وما بعدها.
[ ٤٢ ]
إلى معرفته إلا أفاضل الأطباء، فإن الشراب إذا جَمع وَصْفَيِ الحلاوةِ والبرودة، كان من أنفعِ شيءٍ للبدن، ومن أكثر أسباب حفظ الصحة، ويكون عندها للأرواح والقوى والكبد والقلب عشق شديد له، واستمداد منه، وإذا كان فيه الوصفان حصلت به التغذية، وتنفيذ الطعام إلى الأعضاء، وإيصاله إليها أتمَّ تنفيذٍ] (٦٧) .
هذا، ومما خصَّه هديُ النبيِّ ﷺ من العلاج بالعسل، داء استطلاق البطن (الإسهال) وقد [قال بعض العلماء بالطب: كان هذا الرجل - الذي استطلق بطنه كما مرّ في الحديث آنفًا - عنده
_________________
(١) المرجع السابق ص٢٢٤، وما بعدها.
[ ٤٣ ]
فضلات، فلما سقاه عسلًا، وهو حارٌّ، تحلَّلَتْ، فأسرعت في الاندفاع، فزاد إسهالُه، فاعتقد الأعرابيُّ أن هذا يضرُّه، وهو - في حقيقته - مصلحةٌ لأخيه، ثم سقاه فازداد التحلل والدفع، ثم سقاه فكذلك، فلما اندفعت الفضلات الفاسدة المُضِرَّة بالبدن استمسك بطنُه، وصَلَح مِزاجه، واندفعت الأسقام والآلام ببركة إشارته، عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام] (٦٨) .
[وفي تكرار أمر النبيِّ ﷺ سقيَه العسل معنى طِبي بديع، وهو: أن الدواء يجب أن يكون له مقدار وكمية، بحسب حال الداء، إنْ قَصُر عنه لم يُزِلْه بالكلية، وإن
_________________
(١) انظر: "تفسير ابن كثير" ص٩٧٠، ط- بيت الأفكار.
[ ٤٤ ]
جاوزه أوهى القُوى، فأحدث ضررًا آخر، واعتبار مقادير الأدوية، وكيفياتها ومقدار قوة المرض والمريض من أكبر قواعد الطب] (٦٩) .
[والغريب حقًا أن الأطباء في الأزمنة الغابرة كانوا يَرَوْن أن العسل يسبِّب تليين البطن، لذا فإنه لا يصلح لمعالجة الإسهال، وقد استنكر ابنُ خلدون في مقدمته مداواةَ المبطون بالعسل، واعتبر أن حدوث الشفاء هو من التأثير النفسي لإيمان الصحابي ﵁، وليس راجعًا لخصائص العسل! إلا أن الطب الحديث قد أثبت فائدة العسل في معالجة التهاب المعدة والأمعاء (النزلات المعوية)،
_________________
(١) انظر: "الطب النبوي"، لابن القيم ص٣٥.
[ ٤٥ ]
عند الأطفال، وقد تبين من خلال دراسة نشرتها «المجلة الطبية البريطانية» عام ١٩٨٥م، فائدة العسل في علاج الإسهال الناتج عن غزو بكتيري، وكانت النتائج جيدة في هذا الصدد، وقد سبق ذلك دراسةٌ نُشرت في «أعمال مؤتمر الطب الإسلامي» عام ١٩٨٢م، حول معالجة الإسهال المزمن بالعسل، وقد أكدت الدراسة فائدة العسل في علاج المبطون] (٧٠) .
هذا؛ وإن العسل ليس مداويًا لما ذكر وحسب، لكن ثبتت أيضًا فعاليته في معالجة صنوف عديدة من الأمراض، منها: الزكام والوقاية منه، ومعالجة
_________________
(١) انظر: "الرسالة الذهبية في الطب النبوي"، لعلي الرضا ﵀. بتحقيق د. محمد علي البار. ص: ١٧٠ - ١٧١.
[ ٤٦ ]
أمراض الجهاز التنفسي، والتهاب الأنف التحسُّسي، وقد صُنِّف في تفصيل الاستدواء بالعسل مصنفات عديدة؛ من كتب وأبحاث ومقالات (٧١) .
وفي بيان أنواع العسل وبعض منافعه، يرشد الإمام الزُّهري ﵀ فيقول: [عليك بالعسل، فإنه جيد للحفظ، وأجوده أصفاه وأبيضُه، وألينُه حِدَّة، وأصدقه حلاوة، وما يؤخذ من الجبال، والشجر، له فضل على ما يؤخذ من الخلايا، وهو بحسب مرعى نحله] (٧٢) .
وإن شئت، أخي القارئ، فإن لك أن تتأمَّل - في ترتيب تفاضل أنواع العسل-
_________________
(١) من أهمها حداثة وتوسعًا: "الاستشفاء بالعسل والغذاء الملكي - حقائق وبراهين" لمؤلِّفه د. حسان شمسي باشا. فإن رُمْت المزيد فطالِعْه، لتيقَّنَ تمامَ الحكمة النبوية في هذا الإرشاد الطبي.
(٢) انظر: "الطب النبوي" لابن القيم ﵀ ص: ٣٤٠.
[ ٤٧ ]