العين: هي النظر باستحسان مَشُوب - أي: مختلط - بحسد، من خبيث الطبع،
[ ١٢٧ ]
يحصل بسببه للمنظور ضرر (٢٢٢)؛ [فإذا نظر خبيث الطبع المتشهِّي لزوال النعمة عن غيره، الكارهِ لتوجُّهِها إليه، إذا نظر إلى مُنعَم عليه خرج من نفسه سهام، تصيب المعيون تارة، وتخطئة تارة، فإن صادفت تلك السهام نفسَ المعيون مكشوفة، غير متحصِّنة، ولا وقاية عليها بذكر الله والتبريك، أثرت فيه تلك النظرة ولا بد، وإن صادفته حَذِرًا شاكي السلاح متخذًا وقاية، لم تنفذ فيه، ولم تؤثر، بل ربما رُدَّت السهام على صاحبها] (٢٢٣) .
قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ *﴾ [القَلَم: ٥١] .
_________________
(١) التعريف للإمام ابن حجر ﵀. انظر: "الفتح" (١٠/٢١٠) .
(٢) الكلام بمعناه للإمام ابن القيم ﵀. انظر: الطِبّ النبوي ص١٦٧.
[ ١٢٨ ]
قال الحافظ ابن كثير ﵀: (قال ابن عباس، ومجاهد، وغيرُهما: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾: ليَنْفُذونك بأبصارهم، أي: ليَعِينُونك بأبصارهم، بمعنى: يحسدونك لبغضهم إياك، لولا وقاية الله لك، وحمايته إياك منهم. وفي هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرَها حق، وذلك بأمر الله الكوني القدري، كما وردت بذلك الأحاديث المَرْوِيَّة من طرق متعددة كثيرة) (٢٢٤) . ثم إنه ﵀ ساق نحوًا من عشرين رواية في ذلك؛ منها: قول رسول الله ﷺ: «الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، وَإِذَا استُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا» (٢٢٥) .
_________________
(١) انظر: "تفسير القرآن العظيم" (٤/٤٨٢) .
(٢) أخرجه البخاري - بالاقتصار على أوله: «العَيْنُ حَقٌّ»؛ كتاب: الطب، باب: العين حق، برقم (٥٧٤٠)، عن أبي هريرة ﵁، ومسلم - بتمامه -؛ كتاب: السلام، باب: الطب والمرض والرقى، برقم (٢١٨٨)، عنه أيضًا. فائدة ذكر الإمام البخاري ﵀ في ختام هذا الحديث قولَ أبي هريرة ﵁: (ونَهَى ﷺ عَنِ الْوَشْمِ)، وقد استنبط ابن حجر ﵀ مناسبة لطيفة بين هاتين الجملتين: «العَيْنُ حَقٌّ»؛ و«نَهَى عَنِ الْوَشْمِ»، فقال: وقد ظهرت لي مناسبة بين هاتين الجملتين لم ار من سبق إليها، وهي: أن من جملة الباعث على عمل الوشم تغيُّرَ صفة الموشوم لئلا تصيبه العين، فنهى عن الوشم مع إثبات العين، وأن التحيُّلَ بالوشم وغيره - مما لا يستند إلى تعليم الشارع - لا يفيد شيئًا، وأن الذي قدّره الله تعالى سيقع. اهـ. انظر "الفتح" (١٠/٢١٤) .
[ ١٢٩ ]
ولنشرع بعد بيان معنى العين، وأن تأثيرها حق، وأن نفوذها بالإصابة - لقوته - يكاد يسبق القدر، لولا أن القدر لا يردُّه شيء، وأن النبيَّ ﷺ لما حذَّر أمَّتَه من أثر العين أعظمَ تحذير، لم يَدَعْهم عُرْضةً لسهام الأعين تنهشهم وتهلكهم، لكنه وصف لهم دواءً شافيًا - بإذن الله - يحصِّنهم ابتداءً، وينجيهم بعدها إذا ما وقعت سهام عين عليهم.
ومن هديه الكريم في ذلك:
١- إذنه ﷺ بالاسترقاء من النظر، قال ﷺ - لما رأى في بيت أم سلمةَ ﵂ جارية في وجهها سَفْعة (٢٢٦): «اسْتَرْقُوا لَهَا، فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ» (٢٢٧) .
_________________
(١) يعني: بوجهها صُفرة، كما بيَّنه مسلم بعد روايته هذا الحديث. وقال ابن الأثير في "النهاية" (٢/٣٧٤): السَّفْعة: أي علامة من الشيطان، وقيل ضربة واحدة منه، وهي المرة من السَّفْع، وهو: الأخذ، يقال: سفع بناصية الفرس ليركبه، والمعنى: أن السَّفْعة أدركت تلك الجاريةَ من قِبَل النظرةِ فاطلبوا لها الرقية. اهـ.
(٢) متفق عليه من حديث أم سلمة ﵂: أخرجه البخاري، كتاب الطب، باب: رقية العين: برقم (٥٧٣٩)، ومسلم؛ كتاب: السلام، باب: استحباب الرقية من العين، برقم (٢١٩٧) .
[ ١٣٠ ]
٢- أمرُه ﷺ مَن عَلِم من نفسه ضررَ عينه، أن يبرِّك إذا رأى شيئًا أو إنسانًا أعجبه، كما قال ﵊ لعامر بن ربيعة لما عان سهلَ بن حُنيف ﵄: «أَلاَ بَرَّكْتَ» (٢٢٨)، أي: هلاّ قلتَ: اللهم بارك عليه، ليندفع بذلك شرُّ النظرة عن أخيك.
٣- في حال عُرف العائن - يقينًا - فإن للمعيون أن يأمره بالاغتسال، وليس للعائن الامتناع عن ذلك، فقد أمر النبيُّ ﷺ عامرًا لما عان سهلًا أن يغتسل له، وطريقة ذلك أن يؤتى بقدح فيه ماء كافٍ، ثم يغسل العائن
_________________
(١) جزء من حديث أخرجه مالك في موطئه (٢/٩٣٨)، والحاكم في مستدركه (٣/٤١٠)، وابن حِبَّان في صحيحه (٦١٠٥) . وتمام الحديث: أن النبيَّ ﷺ خرج، وساروا معه نحو ماء، حتى كانوا بشِعْب الخَرَّار من الجُحْفة (مَنْزِل بين مكة والمدينة)، فاغتسل سهل بن حنيف، وكان أبيض حسن الجسم والجِلد، فنظر إليه عامر ابن ربيعة فقال: ما رأيت كاليوم، ولا جِلْدَ مخبَّأةٍ، (أي: بياضه كبياض عذراء في خِدْرها مكنونة، لا تراها العيون)، فلُبِطَ (أي: صُرِعَ) سهل، فأتى رسولُ الله ﷺ، فقال: «هَلْ تَتَّهِمُونَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ؟ قالوا: عامر بن ربيعة، فَدَعَا عَامِرًا فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: عَلاَمَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟! هَلاَّ إِذَا رَأَيْتَ مَا يُعْجِبُكَ بَرَّكْتَ؟ ثُمَّ قَالَ: اغْتَسِلْ لَهُ»، فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلةَ إزاره في قدح (إناء)، ثم صَبَّ ذلك الماء عليه (أي: صبة واحدة) رجلٌ من خلفه على رأسه وظهره، ثم كفأ القدح (أي: قلبه وراءه على الأرض بعد أن صب عليه، ولا يوضع على الأرض قبل ذلك)، ولما أن فعل ذلك راح سهلٌ مع الناس ليس به بأس. والحديث إسناده صحيح ورجاله ثقات، كما في شرح السنة للبغوي (١٢/١٦٤) . وتفسير الألفاظ بين معقوفتين مستفاد من "أوجز المسالك": (١٤/٣٦٥-٣٦٧) .
[ ١٣١ ]
وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه، وداخلة إزاره - أي طرف إزاره الداخل الذي يلي جسده من الجانب الأيمن (٢٢٩) -، ثم يَصُبُّ ذلك الماء الذي في القدح (قبل أن يوضع على الأرض) رجلٌ على المعيون من خلفه صبةً واحدة بغتة، ثم يكفأ القدح.
هذا وقد ذكر الإمام ابن شهاب الزُّهْري ﵀ كيفيةً مُفصَّلة لهذا الغُسل، فقال:
١- [الغُسْل الذي أدرَكْنا علماءنا يصِفُونه: أن يؤتى الرجلُ العائنُ بالقدح فيه الماء، فيُمسَك له مرفوعًا من الأرض، فيُدخِل العائن يدَه اليمنى في الماء
_________________
(١) هذا إن حُمل - لفظ الحديث الدالِّ على ذلك - على ظاهره، فيكون الغسل لطرف الإزار الذي يلي جسد المؤتزر، لكن يحتمل أيضًا، أنه أراد أن يغسل العائن موضع داخلة إزاره من جسده، لا إزاره بعينه، فيكون المقصود عندها: غسل الوَرِك، أو الفرج (المذاكير)، فكنّى بالداخلة عنها، كما كني عن الفرج بالسراويل. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٢/١٠٨) .
[ ١٣٢ ]
فيصب على وجهه صبة واحدة في القدح.
٢- ثم يدخل يده فيمضمض، ثم يَمُجُّه في القدح.
٣- ثم يدخل يده اليسرى فيغترف من الماء فيغسل يده اليمنى إلى المِرْفق بيده اليسرى صبة واحدة في القدح.
٤- ثم يدخل يديه جميعًا في الماء صبة واحدة في القدح.
٥- ثم يدخل يده فيمضمض، ثم يَمُجُّه في القدح.
٦- ثم يدخل يده اليسرى فيغترف من الماء، فيصبه على ظهر كفه اليمنى صبة واحدة في القدح.
[ ١٣٣ ]
٧- ثم يدخل يده اليسرى فيصب على مرفق يده اليمنى صبة واحدة في القدح، وهو ثانٍ يده إلى عنقه.
٨- ثم يفعل مثل ذلك في مرفق يده اليسرى.
٩- ثم يفعل مثل ذلك في ظهر قدمه اليمنى من عند الأصابع.
١٠- واليسرى كذلك.
١١- ثم يدخل يده اليسرى فيصب على ركبته اليمنى.
١٢- ثم يفعل باليسرى مثل ذلك.
١٣- ثم يغمس داخلة إزاره اليمنى في الماء.
١٤- ثم يقوم الذي في يده القدح بالقدح فيصبه على رأس المعيون من ورائه.
[ ١٣٤ ]
١٥- ثم يكفأ القدح على وجه الأرض من ورائه.
وعن الزهري أيضًا: زاد يحيى بن سعيد:
١٦- ثم يُعطى ذلك الرجلُ الذي أصابته العين القدحَ - قبل أن يضعه على الأرض - فيحسو منه ويتمضمض، ويهريق منه على وجهه، ثم يصب على وجهه، ثم يكفى القدح على ظهره] (٢٣٠) .
فائدة: هذا، ويستحسن للتحرُّز من وقوع أثر العين، بعد التحصُّن بالأذكار والدعوات والتعوُّذات (٢٣١)، أن تُستر محاسنُ من يُخاف عليه العين بما يَرُدُّها
_________________
(١) ذكر هذه الهيئة المفصّلة البيهقيُّ في «الكبرى»؛ كتاب: الضحايا، باب: الاستغسال للعين (٩/٣٥٢) . وذلك عَقِب روايته حديثَ سهلٍ ﵁.
(٢) إن من أحسن ما يُرقى به المعين - بعد الفاتحة والمعوّذات - رقية جبريل للنبيِّ ﷺ: «بِسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللهُ يَشْفِيكَ، بِسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ»، «بِسْمِ اللهِ يُبْرِيكَ، وَمِنْ كُلِّ دَاءٍ يَشْفِيكَ، وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ، وَشَرِّ كُلِّ ذِي عَيْنٍ»، وكذلك تعويذ النبيِّ ﷺ لسبطَيْهِ الحسن والحسين _ث: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لاَمَّةٍ» .
[ ١٣٥ ]
عنه، ومن ذلك قول عثمان ﵁ لما رأى صبيًا مليحًا: (دسِّموا نونته - النقرة التي تكون في ذقن الصبي الصغير - لِتَرُدَّ العينَ عنه) (٢٣٢) .
قال الإمام ابن القيم ﵀: وهذا - أي: العلاج للعين باغتسال العائن وصبِّ الغَسول على المعين - مما لا يناله علاج الأطباء، ولا ينتفع به من أنكره، أو سَخِر منه، أو شكّ فيه، أو فعله مجرِّبًا لا يعتقد أن ذلك ينفعه. اهـ. ثم فصَّل ﵀ في مناسبة ذلك العلاج لدفع شر العائن، ومناسبته لانتفاع المعين، تفصيلًا مفيدًا للغاية (٢٣٣) .
_________________
(١) دسِّموا نونته، أي: سوِّدوا تلك النقرة التي في ذقنه، لترد العين عنه. وفي الحديث: «أنه ﷺ خطب الناسَ ذات يومٍ وعليه عِمامة دَسْماء»، أي: سوداء. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٢/١١٧) .
(٢) انظر: "الطب النبوي" لابن القيم ﵀ ص ١٧١ وما بعدها.
[ ١٣٦ ]