قد ثبت في السُّنَّة المُطهَّرة مشروعيةُ التداوي بألبان الإبل وأبوالها، وإن ذلك لهو من عظيم الإعجاز النبوي في مسائل التطبيب، فإن المرء - ابتداءً - قد يجد للتداوي بألبان الإبل مسوِّغًا، لكنْ بأبوالها؟! فإن ذلك قد لا يخطر
_________________
(١) انظر: "الطب النبوي" لابن القيم ص٧٣.
[ ٩٧ ]
ابتداءً ببال ولا ينقدح في ذهن، حتى لو طال التفكر بتوقُّعه. لكنّ الواقع يشهد بأن رهطًا قد تداوَوا بذلك لما أشار عليهم رسول الله ﷺ بفعل ذلك. ففي الصحيحين من حديث أنسٍ ﵁: «أن نفرًا من عُكْلٍ (١٨٣)، ثمانيةً، قَدِموا على رسول الله ﷺ، فبايعوه على الإسلام، فاستَوْخَموا الأرض (١٨٤) فسَقِمَتْ أجسامُهم، فشكَوْا ذلك إلى رسول الله ﷺ؛ فقال لهم: «أَفَلاَ تَخْرُجُوَن مَعَ رَاعِيَنا فِي إِبِلِهِ فَتُصِيبُونَ مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا؟»، قالوا: بلى، فخرجوا فشربوا من ألبانها وأبوالها، فصحُّوا » الحديث (١٨٥) . وقال عليه الصلاة
_________________
(١) نسبة إلى عُكْل، وهي امرأةٌ جاهلية، يقال: إنها من الإماء. وفي رواية - في الصحيح أيضًا - أن هؤلاء النفر كانوا عُرَنِيِّين وهم ينسبون إلى عُرَيْنَةَ ابن نذير، من القحطانية جدٌ حاهل، النسبة إليه «عُرَنِي» .
(٢) أي: أرض المدينة، فلم توافقهم وكرهوها لسقم أجسادهم بها.
(٣) جزء من حديث متفق عليه - من حديث أنس ﵁ -: أخرجه البخاري؛ كتاب: الديات، باب: القسامة، برقم (٦٨٩٩)، ومسلم؛ كتاب: القسامة، باب: حكم المحاربين والمرتدين، برقم (١٦٧١) .
[ ٩٨ ]
والسلام: «إِنَّ فِي أَبْوَالِ الإِْبِلِ وَأَلْبَانِهَا شِفَاءٌ لِلذَّرِبَةِ (١٨٦)
بُطُونُهُمْ» (١٨٧) .
هذا، وقد كان الداء الذي اشتكى منه هؤلاء: داء الاستسقاء (١٨٨)، حيث اصفرّت ألوانهم، وعظمت بطونهم (١٨٩)، (ولما كانت الأدوية المحتاجُ إليها في علاج هذا الداء هي الأدوية الجالبة، التي فيها إطلاق معتدل، وإدرارٌ بحسب الحاجة، وهذه الأمور موجودة في أبوال الإبل وألبانها، فقد أمرهم النبيُّ ﷺ بشربها، فإن في لبن اللِّقاح جلاءً وتليينًا، وإدرارًا وتلطيفًا، وتفتيحًا للسُّدَد، إذ كان أكثر رعيها الشِّيْح (١٩٠)، وهذا المرض - الاستسقاء - لا يكون
_________________
(١) الذَّرْبُ: هو الداء الذي يصيب المعدة فلا تهضم الطعام، ويَفْسد فيها فلا تُمسِكه، ويقال لمن أصيب بهذا الداء: ذَرِبٌ بطنُه انظر "النهاية" لابن الأثير (٢/١٥٦) ..
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (١/٢٩٣)، من حديث ابن عباسٍ ﵄. والحديث رجال إسناده ثقات ما عدا ابن لهيعةَ، وقد توبع، ويشهد له حديث أنس السابق.
(٣) داء الاستسقاء أو «الأوديما»: زيادة حجم السائل بين الخلايا وتراكمه في الأنسجة أو تجاويف الجسم، وغالبًا ما يسبِّب ذلك ورمًا، ومن أسبابه حدوث هبوط في القلب، وأمراض الكلى، وانسداد الأوردة أو الأوعية اللمفاوية، أو غير ذلك. انظر: شرح "الطب النبوي" تحقيق محمد البلتاجي (١/٧٧) .
(٤) كما عند النَّسائي في سننه برقم (٣٠٦)، وبرقم (٤٠٣٥) .
(٥) الشيح عشب معمر أوراقه رمادية فضية اللون، وأزهاره صغيرة صفراء اللون، ورائحتها طيبة قوية، وهو نبات من أنواع العطارة الشائعة الاستعمال، وتنسب له فائدة ترياقية ضد السموم. انظر: شرح "الطب النبوي" بتحقيق محمد البلتاجي (١/٧٨) .
[ ٩٩ ]
إلا مع آفةٍ في الكبد خاصة، أو مع مشاركة، وأكثرها عن السَّدَد فيها، ولبن اللِّقاح العربية نافع من السدد، لما فيه من التفتيح والمنافع المذكورة (١٩١) .
_________________
(١) انظر: "الطب النبوي" لابن القيم ص٤٧.
[ ١٠٠ ]