وهو ضرب من البخور، وليس من مقصوده الطِّيب (١٢٧)، وهو نوعان: أسود، وهو المسمى: الهندي، وأبيض، وهو البحري، والهندي أشدهما حرارة (١٢٨) . أما البحريُّ الأبيض فهو أَلْينهما؛ ويُتداوى بكلا النوعين، ومنافعهما كثيرة جدًا (١٢٩) . وقد دلت السُّنّة على طريق التداوي بالقسط، قال ﵊: «عَلاَمَهْ تَدْغَرْنَ أَوْلاَدَكُنَّ بِهَذَا العِلاَقِ؟! عَلَيْكُنَّ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ، فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ؛ يُسْتَعَطُ بِهِ مِنَ العُذْرَةِ، وَيُلَدُّ بِهِ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ» (١٣٠) . [فإذا أصابت العُذْرة (١٣١)
_________________
(١) كما عنون الإمام مسلم، باب: التداوي بالعود الهندي، وهو: الكُسْت. انظر: كتاب السلام من صحيحه، باب: رقم (٢٨) . والقسط والكست لغتان؛ مثل: الكافور والقافور.
(٢) إن القسط ليس من صنوف ما يُتطيَّب به، لكنْ لقوة رائحته، فقد رُخِّص فيه للمرأة الحادّة عند طهرها من المحيض - بعد أن تغتسل من الحيض - أن تتبخر به وتتبع به أثر الدم لإزالة تلك الرائحة الكريهة، لا للتطيُّب. انظر: "الفتح" لابن حجر (٩/٤٠٢) .
(٣) انظر "الفتح" لابن حجر (١٠/١٥٦) .
(٤) انظر: "الطب النبوي" لابن القيم ص٣٥٣.
(٥) متفق عليه من حديث أم قيس بنتِ مِحْصَنٍ: أخرجه البخاري؛ كتاب: الطب، باب: السعوط بالقسط الهندي والبحري، وهو الكست. ومسلم؛ كتاب: السلام، باب: التداوي بالعود الهندي، وهو الكست، برقم (٢٢١٤) .
(٦) سمي هذا المرض بالعُذْرة لأنه يَعرِض غالبًا في وقت محدد من السنة؛ وذلك عند طلوع العذرة، وهي خمسة كواكب تحت الشعرى العبور، وتسمى: العذارى، وهي تطلع في شدة الحرّ. انظر: "المنهاج في شرح مسلم" للنووي (٤/٤٢١) ..
[ ٧١ ]
طفلًا - وهي دم رَطِب يغلب عليه البلغم، يجتمع في الحلق - فيأخذ الطفل عندئذٍ وجع في حلقه بسبب هذا التهيج بالدم، أو يصيبه بسببه وجع في الخُرْم الذي بين الأنف والحلق، وهو موضع سقوط اللَّهاة، أو تقرُّحٌ فيما بين أنفه وحلقه، وهذا المرض يعرض للصبيان غالبًا وسط شدة الحرّ، عندها يعالج الطفل بأن يُسعط، أي: يُصَبُّ الدواءُ من القُسط الهندي نقاطًا بقَدْرٍ في أنفه، فتعمل حرارة القسط على تجفيف تلك الرطوبات الدموية البلغمية. أما مرض ذات الجَنْب وهو ألمٌ يَعرِض في نواحي الجنب ناتج عن رياح غليظة تحتقن بين
[ ٧٢ ]
الصفاقات فتحدث ورمًا خطيرًا قلّما ينجو المصاب به، فإن من أدويته النافعة هذا القسط الهندي، حيث يُلَدُّ المريض؛ فيُسقى في أحد شِقَّي فمه مقدارًا من هذا القُسط، فيبرأ بإذن الله تعالى] (١٣٢) .
[وقد كانت النساء من عادتهن في معالجة العُذْرة أن تأخذ المرأة خِرْقة فتفتلَها فَتْلًا شديدًا، ثم تدخلها في أنف الصبيِّ وتطعن بها في الخُرْم الذي بين الحلق والأنف، فينفجر منه دم أسود، وربما أقرحته، وذلك الطعن يسمى دَغْرًا وغدرًا، أو كانت إحداهن تغمز حلق الولد بأصبعها فترفع ذلك الموضع وتكبسه، فتظن أنها بذلك قد أعلقت
_________________
(١) انظر: "اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان" لمحمد فؤاد عبد الباقي (٣/٦٦) .
[ ٧٣ ]
الولد، أي: عالجت عذرته ووجع حلقه] (١٣٣)، فنهى النبيُّ ﷺ النِّسْوة عن فعل ذلك؛ لما فيه من شدة إيلامٍ للولد، مع احتمال إحداث تقرُّح زائدٍ عن تهيُّج الدم، ثم أرشدهنَّ ﷺ إلى علاجهم بقطراتٍ من القُسط الذي حُكّ بالماء، فيُقطَر منه في الأنف، ليقوم بمادته الحارة بتجفيف رطوبة البلغم المختلط بالدم.