إن مما يُثلِج صدر المريض ويفرح قلبه أن يرى القريب والبعيد قد اهتم بأمره؛ يرجو له الشفاء العاجل والعافية التامة، وقد رغّب النبيُّ ﷺ بعيادة المريض، بل أمر بذلك (٢٤٣)، فقال: «عَائِدُ الْمَرِيضِ فِي مَخْرَفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ» (٢٤٤)، وقال ﵊: «أَطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا الْمرَيضَ، وَفُكُّوا الْعَانِي» (٢٤٥) [ومما يلتحق بعيادة المريض: تعهُّدُه وتفقُّد أحواله والتلطُّفُ به، وربما كان ذلك - في العادة - سببًا لوجود نشاطه وانتعاش قوته] (٢٤٦) .
_________________
(١) الأمر بعيادة المريض، قد فهم منها البخاري ﵀ الوجوبَ، وذلك على ظاهر الأمر بالعيادة، والجمهور على أنها في الأصل نَدْب (مستحبة)، وقد تصل إلى الوجوب في حق بعض دون بعض. انظر: "الفتح" لابن حجر (١٠/١١٧) .
(٢) أخرجه مسلم؛ كتاب: البرّ والصلة والآداب، باب: فضل عيادة المريض، برقم (٢٥٦٨)، عن ثوبانَ ﵁ (مولى رسول الله ﷺ) . ومَخْرفة الجنة أو خُرْفتها: «جَنَاهَا»، كما بيّنها النبيُّ ﷺ في آخر هذا الحديث.
(٣) أخرجه البخاري؛ كتاب: المرضى، باب: وجوب عيادة المريض، برقم (٥٦٤٩)، عن أبي موسى الأشعري ﵁. و«الْعَانِي» هو: الأسير.
(٤) أفاده ابن حجر في "الفتح" (١٠/١١٨) .
[ ١٤٥ ]
ومن أحبِّ ما تطيب به نفس المريض: تبشيره بالشفاء، مع تكفير ذنوبه، حتى وإن كانت حاله على شفير الهلاك، فقد دخل رسول الله ﷺ على رجل أعرابيٍ يعودُه من حُمّى أصابته؛ فقال: «لاَ بَأْسَ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللهُ» فقال الرجل، قلتَ: طُهور؟ كلا، بل حُمّى تفور، على شيخ كبير، كيما تُزِيرَه القبور!! فقال ﵊: «فَنَعَمْ إِذًا» (٢٤٧) . تأمّل - رحمك الله - إلى الفأل بالكلمة الطيبة التي بشره بها رسول الله ﷺ، ثم انظر إلى اليأس الذي تملَّك نفسَ هذا الرجل فأورده التهلكة، ما يدل دلالة يقين على أن الحال النفسية للمريض مؤثرة عادة على صحة أعضائه.
_________________
(١) سبق تخريجه بالهامش ذي الرقم (٣١) .
[ ١٤٦ ]
ومن حُسن الإشفاق على المريض، والتلطُّفِ البالغ به: العمدُ إلى رقيته بالمشروع، والدعاء له. فقد رقى جبريلُ رسولَ ﷺ - حين اشتكى - فقال _ج: «بِسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ اللهُ يَشْفِيكَ، بِسْمِ اللهِ أَرْقِيك» (٢٤٨) .
وقالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى منا إنسان، مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ ﷺ، ثم قال: «أَذْهِبِ الْبَاس، رَبَّ النَّاس، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لا شِفَاءَ إِلا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا» (٢٤٩) .
وكان ﵊ إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ، نَفَثَ عَلَيْهِ بِالْمُعوِّذَاتِ» (٢٥٠) .
_________________
(١) سبق تخريجه بالهامش ذي الرقم (١٤) .
(٢) سبق تخريجه بالهامش ذي الرقم (١٧) .
(٣) أخرجه مسلم؛ كتاب: السلام، باب: رقية المريض بالمعوذات والنفث، برقم (٢١٩٢)، عن عائشة ﵂.
[ ١٤٧ ]
وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ يَنْفُثُ عَلَى نَفْسِهِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ» (٢٥١) .
هذا، وإن مما يُفرِح قلبَ المريض للغاية: أن يجهر العائد بالدعاء له - مكررًا ذكر اسمه - ماسحًا بيده موضع ألمه، وقد صحّ في السُّنة فعلُ النبيِّ ﷺ ذلك، حين جاء سعدَ بنَ أبي وقّاص ﵁ يعوده، لمّا تشكّى بمكة شكوى شديدة، فوضع النبيُّ ﷺ يده على جبهته ثم مسح يده على وجه سعدٍ وبطنه، ثم دعا له قائلًا: «اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا، اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا، اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا، وَأَتْمِمْ لَهُ هِجْرَتَهُ»، قال سعدٌ: فما زلت أجد
_________________
(١) أخرجه البخاري؛ كتاب: الطب، باب: في المرأة ترقي الرجل، برقم (٥٧٥١)، عن عائشة ﵂.
[ ١٤٨ ]
بَرْده على كبدي - فيما يُخال إليَّ - حتى الساعةِ (٢٥٢) .
ومما يُريح فؤاد المريض كذلك تغذيتُه بألطف ما اعتاده من الأغذية حالَ صحَّتِه؛ وذلك بأن يُخصَّص بنوع غذاءٍ كان يُفضِّله، وهو محبَّب إليه، مُفرح لقلبه، ومما أرشدت إليه السُّنة في ذلك: التلبينة، وهي حساء نضيج يُعمل من دقيق أو نخالة يجعل فيه عسل (٢٥٣)، فقد قال ﷺ: «التَّلْبِينَةُ مَجَمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ تَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ» (٢٥٤)، فهذا الطعام شبّهه النبيُّ ﷺ بمكان الاستراحة للمريض، يخرج به من صعوبة ما يعانيه من مرض، إلى تذكُّر حال صحته
_________________
(١) أخرجه البخاري - بلفظه - كتاب: المرضى، باب: وضع اليد على المريض، برقم (٥٦٥٩)، ومسلم كتاب: الوصية، باب: الوصية بالثلث، برقم (١٦٢٨) عن سعد ﵁.
(٢) انظر: "الفتح" لابن حجر (١٠/١٥٣) .
(٣) سبق تخريجه بالهامش ذي الرقم (١٤٧) .
[ ١٤٩ ]
واجتماعِه مع أحبابه على ذلك الطعام المحبَّب، فيريح ذلك فؤاده، ويُذهب إعياءه، ويقوّي روحه، ويكشف عنه حزنه؛ وهذه أسباب لها تأثير عجيب في شفاء علته وخفَّتها، فهي تعمل وكأن طبيبًا بارعًا قد قام فعلًا بمعالجته!!
ولنختم هذه الإرشادات النبوية بإذنٍ نبويٍّ ووصية؛ أما الإذن فهو بترخيص النبيِّ ﷺ للمريض أن يعبِّر عن شكواه إذا اشتد وجعه، بما ينفِّس به من كربته، فقد سأل النبيُّ ﷺ كعبَ بنَ عُجْرةٍ ﵁ - وكان كعبٌ مُحرِمًا - فقال: «لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ»؟ قال كعبٌ: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: «اِحْلِقْ
[ ١٥٠ ]
رَأْسَكَ، وَصُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوِ انْسِكْ بِشَاةٍ» (٢٥٥) .
كذلك فقد اشتكى سعدٌ - حين اشتد وَجَعُه - وذلك في حضرة النبيِّ ﷺ حين جاءه يعوده، فقال: (يا رسول الله، إني قد بلغ بي من الوجع) (٢٥٦)، بل إن النبيَّ ﷺ قال في مرض وفاته: «بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهُ» (٢٥٧) .
وأما الوصيَّة النبويَّة، فهي متوجِّهة للمريض الذي اشتد عليه مرضه - نسأل الله العافية - فقد نهاه ﵊ عن تمني الموت وأمره بالصبر على ما ابتلي به، فقال ﷺ: «لاَ يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ
_________________
(١) متفق عليه من حديث كعب بن عُجْرَةَ ﵁: أخرجه البخاري؛ كتاب: المُحصَر، باب قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البَقَرَة: ١٩٦]، برقم (١٨١٤)، ومسلم؛ كتاب: الحجِّ، باب: جواز حلق الرأس للمُحرِم إذا كان به أذى، برقم (١٢٠١) .
(٢) أثر سعدٍ ﵁ هو جزء من استفتائه النبيَّ ﷺ بقَدْر الوصية المشروع، والحديث سبق تخريجه بالهامش ذي الرقم (٢٥٢) .
(٣) جزء من حديث أخرجه البخاري؛ كتاب: المرضى، باب: ما رُخص للمريض أن يقول: إني وَجِع، برقم (٥٦٦٦)، عن عائشة ﵂. والحديث أخرجه مسلم - مختصرًا - كتاب: فضائل الصحابة ﵃، باب: من فضائل أبي بكر الصديق ﵁، برقم (٢٣٨٧) .
[ ١٥١ ]
لاَ بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيْرًا لِي» (٢٥٨) . بل إن النبيَّ ﷺ قد رغَّب المؤمنَ - إذا غلب على ظنه أنه في مرض الوفاة - أن يُغِلِّب جانب الرجاء بواسع رحمة الله تعالى، وأن يزداد شوقًا إلى لقاء مولاه سبحانه، فقال ﷺ: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ - أو بعضُ أزواج النبيِّ ﷺ (٢٥٩)
- إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللهِ وَكَرَامَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ
_________________
(١) متفق عليه من حديث أنسٍ ﵁: أخرجه البخاري؛ كتاب: الدعوات، باب: الدعاء بالموت والحياة، برقم (٦٣٥١)، ومسلم؛ كتاب: الذِّكر والدعاء، باب: كراهة تمني الموت لضُرٍّ نزل به، برقم (٢٦٨٠) .
(٢) قال ابن حجر ﵀: كذا في هذه الرواية بالشك، وجزم سعد بن هشام في روايته عن عائشة بأنها هي التي قالت ذلك، ولم يتردد. اهـ. انظر: "الفتح" (١١/٣٦٦) ..
[ ١٥٢ ]
وَأَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللهِ وَعُقُوبَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهُ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ وَكَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ» (٢٦٠) .
هذا - جميعه - غيضٌ من فيض الهَدْي النبويِّ في علاج أدواء النفس، فلقد كان من صفة النبيِّ ﷺ أنه يَعِزُّ عليه الشيءُ الذي يعنَتُ أُمَّتَه ويَشُقُّ عليها، فيا أيها المريض المؤمن: أبشرْ وأمِّلْ وارجُ رحمةَ الله، واتَّبِعْ في الاسترقاء والاستشفاء سبيلَ رسولِ الله ﷺ، يُكتَبْ لك الأجرُ والشفاء والمعافاة التامة، بإذن الله تعالى.
_________________
(١) متفق عليه من حديث عبادة بن الصامت؛ أخرجه البخاري؛ كتاب: الرِّقاق، باب: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، برقم (٦٥٠٧)، ومسلم؛ كتاب: الذَّكر والدعاء، باب: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، برقم (٢٦٨٣) .
[ ١٥٣ ]
(الله أكبر، الله أكبر، سُنَّةُ أبي القاسم ﷺ) (٢٦١)، (اللهم إنا نحب أن نستنَّ بسنَّة نبيك ﷺ) (٢٦٢) «اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ» (٢٦٣)، «اللَّهُمَّ عَافِنَا فِي أَبْدَانِنَا، اللَّهُمَّ عَافِنَا فِي أَسْمَاعِنَا، اللَّهُمَّ عَافِنَا فِي أَبْصَارِنَا، لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ» (٢٦٤)، (اللَّهم إنا نسألك علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وعملًا مُتقبَّلًا، وشفاءً من كل داء) (٢٦٥)، آمين.
_________________
(١) هذا من قول ابن عباسٍ ﵄؛ أخرجه البخاري؛ كتاب: الحجّ، باب: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ﴾ [البَقَرَة: ١٩٦]، برقم (١٦٨٨)، ومسلم - بتكرار التكبير -؛ كتاب: الحج، باب: جواز العمرة في أشهر الحج، برقم (١٢٤٢) .
(٢) مستفاد من كلام أبي بكرةَ (نُفَيْعِ بن الحارث) ﵁، لولده عبد الرحمن، ومثل ذلك من كلام العباس ﵁. أخرجه أبو داود؛ كتاب: الأدب، باب: ما يقول إذا أصبح، برقم (٥٠٩٠) .
(٣) جزء من حديث سبق تخريجه بالهامش ذي الرقم (٢٢) .
(٤) سبق تخريجه بالهامش ذي الرقم (١٨) .
(٥) هذا دعاء عبد الله بن عباس ﵄ عند شربه لماء زمزم؛ كما في مستدرك الحاكم (١/٤٧٣)، ومُصنَّفِ عبد الرزاق (٥/١١٣)، والدارقطنيِّ في السنن (٢/٢٨٨) .
[ ١٥٤ ]