إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بعثه الله تعالى بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فبلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، ووفق الله من شاء من عباده فاستجاب لدعوته، واهتدى بهديه، وخذل الله بحكمته من شاء من عباده فاستكبر عن طاعته، وكذب خبره، وعاند أمره، فباء بالخسران والضلال البعيد.
أيها الإخوة: يطيب لي أن أتحدث إليكم عن الخلق الحسن، والخلق كما يقول أهل العلم هو: صورة الإنسان الباطنة؛ لأن للإنسان صورتين: صورة ظاهرة، وهي خِلقته التي جعل الله البدن عليه. وكما نعلم جميعًا أن هذه الصورة الظاهرة منها ما هو جميل حسن، ومنها ما هو قبيح سيئ، ومنها ما بين ذلك. وصورة باطنة، منها صورة حسنة ومنها صورة سيئة، ومنها ما بين ذلك. وهذا ما يعبر عنه بالخلق.
فالخُلُق إذن هو: "الصورة الباطنة التي طُبعَ الإنسان عليها"، وكما يكون الخُلُق طبيعة فإنه يكون كسبًا. بمعنى أن الإنسان كما يكون مطبوعًا على الخُلُق الحسن الجميل قد يحصل على الخُلُق الحسن الجميل عن طريق الكسب والمرونة، ولذلك قال النبي ﷺ لأشج عبد القيس: "إن فيك خصلتين يحبهما الله، الحلم والأناة" قال يا رسول الله أهما خُلُقان تخلقت بهما أم جبلني الله عليهما؟ قال: "بل جبلك الله عليهما" ١.
فهذا دليل على أن الأخلاق الفاضلة تكون طبعًا وتكون تطبُّعًا، ولكن الطبع بلا
_________________
(١) ١ صحيح رواه مسلم ١٧. والبخاري في الأدب المفرد ٥٨٦. وأبو داود ٥٢٢٥. والترمذي ٢٠١١. وأحمد ٣/٢٢.
[ ١٧٥ ]
شك أحسن من التطبع؛ لأن الخلق إذا كان طبيعيًّا صار سجية للإنسان وطبيعة له لا يحتاج في ممارسته إلى تكلف، ولا يحتاج في ممارسته إلى تصنع، ولكن هذا فضل الله يؤتيه من يشاء. ومن حُرم هذا أي: من حرم الخُلق على سبيل الطبع فإنه يمكنه أن يناله على سبيل التطبع، وذلك بالمرونة والممارسة كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وكثير من الناس يذهب فهمه إلى أن حسن الخلق لا يكون إلا في معاملة الخلق، دون معاملة الخالق. ولكن هذا الفهم قاصر فإن حسن الخلق كما يكون في معاملة الخلق يكون في معاملة الخالق. فموضوع حسن الخلق إذن معاملة الخالق جل وعلا، ومعاملة الخلق أيضًا.
فما هو حسن الخلق في معاملة الخالق؟
حسن الخلق في معاملة الخالق يجمع ثلاث أمور:
١ـ تلقِّي أخبار الله تعالى بالتصديق.
٢ـ وتلقِّي أحكامه بالتنفيذ والتطبيق.
٣ـ وتلقِّي أقداره بالصبر والرضا.
فهذه ثلاث أشياء عليها مدار حسن الخلق مع الله ﷿
أولا: تلقي أخباره بالتصديق:
بحيث لا يقع عند الإنسان شك أو تردد في تصديق خبر الله تعالى؛ لأن خبر الله ﷾ صادر عن علم وهو أصدق القائلين كما قال تعالى عن نفسه: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧] . ولازم تصديق أخبار الله أن يكون الإنسان واثقًا بها مدافعًا عنها مجاهدًا بها، بحيث لا يدخله شك، أو تشكيك في أخبار الله ﷾ وأخبار رسوله ﷺ، وإذا تخلق بهذا الخلق أمكنه أن يدفع كل شبهة يوردها المغرضون على أخبار رسوله ﷺ، سواء أكانوا من المسلمين الذين ابتدعوا في دين الله ما ليس منه أم كانوا من غير المسلمين الذين يلقون الشبهة في قلوب
[ ١٧٦ ]
المسلمين، ولنضرب لذلك مثلا: ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في إحدى جناحيه داء والأخرى شفاء" ١.
هذا خبر رسوله الله ﷺ، وهو ﷺ في أمور الغيب لا ينطق بما أوحى الله إليه؛ لأنه بشر، والبشر لا يعلم الغيب بل قد قال الله له: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام، الآية:٥٠] .
هذا الخبر يجب علينا أن نقابله بحسن الخلق، وحسن الخلق نحو هذا الخبر أن نتلقى هذا الخبر بالقبول، وأن نجزم بأن ما قال النبي ﷺ في هذا الحديث فهو حق وصدق وإن اعترض عليه من يعترض. ونعلم علم اليقين أن ما خالف ما صح عن رسول الله ﷺ فإنه باطل؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢] .
ومثال آخر:
من أخبار يوم القيامة، أخبر النبي ﷺ: "أن الشمس تدنو من الخلائق يوم القيامة بقدر ميل" ٢.
سواء كان ميل المكحلة أو ميل المسافة، هذه المسافة بين الشمس ورؤوس الخلائق قليلة، ومع ذلك فإن الناس لا يحترقون بحرّها مع أن الشمس لو تدنو الآن في الدنيا مقدار أنملة لاحترقت الدنيا، فقد يقول قائل كيف تدنو من رؤوس الخلائق يوم القيامة بهذه المسافة ثم يبقى الناس؟ فما هو حسن الخلق نحو هذا الحديث؟ حسن الخلق نحو هذا الحديث أن نقبله ونصدق به، وأن لا يكون في صدورنا حرج منه، ولا ضيق، ولا تردد، وأن نعلم أن ما أخبر به الرسول ﷺ في هذا
_________________
(١) ١ صحيح رواه البخاري ٣٣٢٠. وأبو داود ٣٨٤٤. وابن ماجة ٣٥٠٥. وأحمد ٢/٢٦٣، ٣٥٥، ٣٨٨، ٣٩٨، ٣/ ٢٤٦. وابن حبان ١٢٤٣، ٥٢٢٦. ٢ صحيح: رواه مسلم ٢٨٦٤. والترمذي ٢٤٢٣. وأحمد ٦/٤٠٣. وابن حبان ٧٣٣٠.
[ ١٧٧ ]
فهو حق، ولا يمكن أن نقيس أحوال الآخرة على أحوال الدنيا لوجود الفارق العظيم. فإذا كان كذلك فإن المؤمن يقبل مثل هذا الخبر بانشراح وطمأنينة ويتسع فهمه له.
ثانيًا: تلقي أحكامه بالتنفيذ والتطبيق:
إن حسن الخلق في معاملة الله بالنسبة للأحكام أن يتلقاها الإنسان بالقبول والتنفيذ والتطبيق فلا يرد شيئًا من أحكام الله، فإذا ردّ شيئًا من أحكام الله، فهذا سوء خلق مع الله سواء ردها منكرًا حكمها، أو ردها مستكبرًا عن العمل بها، أو ردها متهاونًا بالعمل بها، فإن ذلك مناف لحسن الخلق مع الله ﷿.
ولنضرب لذلك مثلا: الصوم لا شك أنه شاقّ على الإنسان؛ لأن الإنسان يترك فيه المألوف من طعام وشراب ونكاح، وهذا أمر شاقّ، ولكن المؤمن حسن الخلق مع ربه -﷿- يقبل هذا التكليف بانشراح صدر وطمأنينة، وتتسع له نفسه فتجده يصوم الأيام الحارة الطويلة وهو بذلك راضٍ منشرح الصدر؛ لأنه يحسن الخلق مع ربه. أما سيئ الخُلُق مع الله فيقابل مثل هذه العبادة بالضجر والكراهية ولولا أنه يخشى من أمر لا تُحمد عقباه لكان لا يلتزم بالصيام. ومثال آخر: الصلاة لا شك أنها ثقيلة على بعض الناس، وهي ثقيلة على المنافقين، كما قال النبي ﵊: "أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر" ١. لكن الصلاة بالنسبة للمؤمن قرة عينه وراحة نفسه، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] .
﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٦] .
فهي على هؤلاء غير كبيرة بل إنها سهلة يسيرة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه سلم: "وجُعلت قرة عيني في الصلاة" *.
فحسن الخلق مع الله ﷿ بالنسبة للصلاة، أن تؤديها وقلبك منشرح مطمئن وعيناك قريرتان، تفرح إذا كنت متلبسًا بها وتنتظرها إذا أقبل وقتها، فإذا
_________________
(١) ١ متفق عليه: رواه البخاري ٦٥٧. ومسلم ٦٥١. * صحيح رواه النسائي ٣٨٧٩، ٣٩٤٠. وصححه الألباني في الصحيحة ١٨٠٩.
[ ١٧٨ ]
صليت الفجر كنت في شوق إلى صلاة الظهر، وإذا صليت الظهر كنت في شوق إلى صلاة العصر، وإذا صليت العصر كنت في شوق إلى صلاة المغرب، وإذا صليت المغرب كنت في شوق إلى صلاة العشاء، وإذا صليت العشاء كنت في شوق إلى صلاة الفجر، وهكذا دائمًا قلبك معلق بهذه الصلوات.
ونضرب مثالا ثالثًا في المعاملات:
في المعاملات حرم الله علينا الربا، حرَّمه تحريمًا صريحًا في القرآن كما قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] .
وقال فيه: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] . فتوعد من عاد إلى الربا بعد أن جاءته الموعظة وعلم الحكم توعده بالخلود في النار والعياذ بالله. المؤمن يقبل هذا الحكم بانشراح ورضا وتسليم. وأما غير المؤمن؛ فإنه لا يقبله ويضيق صدره به، يتحيل عليه بأنواع الحيل لأننا نعلم أن في الربا كسبًا متيقنًا وليس فيه مخاطرة، لكنه في الحقيقة كسب لشخص وظلم لآخر. ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩] .
أما الأمر الثالث من موضوع حسن الخلق مع الله فهو تلقي أقداره بالصبر والرضا، وكلنا يعلم أن أقدار الله -﷿- التي ينفذها في خلقه بعضها ملائم وبعضها غير ملائم.
هل المرض يلائم الإنسان؟ أبدًا الإنسان يحب أن يكون صحيحًا. وهل الفقر يلائم الإنسان؟ لا. فالإنسان يحب أن يكون غنيًّا. وهل الجهل يلائم الإنسان؟ لا. فالإنسان يحب أن يكون عالمًا.
لكن أقدار الله ﷿ بحكمته تتنوع منها ما يلائم الإنسان ويستريح له بمقتضى طبيعته، ومنها ما لا يكون كذلك.
[ ١٧٩ ]
فما هو حسن الخلق مع الله -﷿- نحو أقدار الله؟
حسن الخلق مع الله نحو أقداره أن ترضى بما قدر الله لك، وأن تطمئن إليه.
وأن تعلم أن الله ﷾ ما قدره لك إلا لحكمة وغاية محمودة يستحق عليها الشكر، وعلى هذا فإن حسن الخلق مع الله نحو أقداره هو أن الإنسان يرضى ويستسلم ويطمئن. ولهذا امتدح الله تعالى الصابرين: ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ . [البقرة: ١٥٦] . وقال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ . [البقرة: ١٥٥] .
ونوجز ما سبق:
نقول: إن حسن الخلق كما يكون في معاملة الخلق يكون في معاملة الخالق، وإن حسن الخلق في معاملة الخالق هو تلقي أخباره بالتصديق وتلقي أحكامه بالقبول والتطبيق. وتلقي أقداره بالصبر والرضا. هذا حسن الخلق مع الله.
أما حسن الخلق مع المخلوق فعرفه بعضهم. ويذكر عن الحسن البصري أنه "كف الأذى، وبذل الندى، وطلاقة الوجه".
ثلاثة أمور:
١ـ كف الأذى.
٢ـ بذل الندى.
٣ـ طلاقة الوجه.
الأول: كف الأذى: ومعنى كف الأذى: أن الإنسان يكف أذاه عن غيره سواء كان هذا الأذى يتعلق بالمال، أو يتعلق بالنفس، أو يتعلق بالعرض. فمن لم يكف أذاه عن الخلق فليس من حسن الخُلق، بل هو سيئ الخُلق.
وقد أعلن الرسول ﷺ في أعظم مجمع اجتمع به في أمته. قال: "إن دماءكم،
[ ١٨٠ ]
وأموالكم، وأعراضكم، عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا" ١.
إذا كان رجل يعتدي على الناس بالخيانة، أو يعتدي على الناس بالضرب والجناية، أو يعتدي على الناس في العرض، أو بالسب والغيبة. فهذا ليس بحسن الخلق مع الناس؛ لأنه لم يكف أذاه عنهم، ويعظم إثم ذلك كلما كان موجهًا إلى من له حق عليك أكبر.
فالإساءة إلى الوالدين مثلا أعظم من الإساءة إلى غيرهما، والإساءة إلى الأقارب أعظم من الإساءة إلى الأباعد، والإساءة إلى الجيران أعظم من الإساءة إلى من ليسوا من جيرانًا لك. ولهذا قال النبي ﵊: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: مَن يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه" ٢.
وفي رواية لمسلم: "لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه" ٣ والبوائق هي: الشرور.
الثاني: بذل الندى:
الندى هو الكرم والجود. يعني أن تبذل الكرم والجود، والكرم ليس كما يظنه بعض الناس هو أن تبذل المال، بل الكرم يكون في بذل النفس، وفي بذل الجاه، وفي بذل المال، إذا رأينا شخصًا يقضي حوائج الناس يساعدهم يتوجه في شئونهم إلى من لا يستطيعون الوصول إليه، ينشر علمه بين الناس، يبذل ماله بين الناس، فإنا نصفه بحسن الخلق؛ لأنه بذل الندى، ولهذا قال النبي ﷺ: "اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن" ٤. ومعنى ذلك أنك إذا ظُلمت أو أسيء إليك فإنك تعفو وتصفح، وقد امتدح الله العافين عن
_________________
(١) ١ صحيح: رواه مسلم ١٢١٨. وأبو داود ١٠٥. والنسائي ٥/١٤٣- ١٤٤. وابن ماجة ٣٠٧٤٠. ٢ صحيح: رواه البخاري ٦٠١٦. وأحمد ٦/٣٨٥. ٣ صحيح رواه مسلم ٤٦. والبخاري في الأدب المفرد ١٢١. ٤ حسن: رواه الترمذي ١٩٨٧. وأحمد ٥/٢٢٨. وأبو نعيم ٤/٣٧٦. وحسنه الألباني في المشكاة ٥٠٨٣. والروض النقير ٨٥٥.
[ ١٨١ ]
الناس فقال في الجنة ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] .
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ . [البقرة: ٢٣٧] .
وقال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ . النور، الآية: ٢٢. وكل إنسان يتصل بالناس فلا بد أن يجد من الناس شيئًا من الإساءة، فموقفه من هذه الإساءة أن يعفو ويصفح، وليعلم علم اليقين أنه بعفوه وصفحه ومجازاته بالحسنى سوف تنقلب العداوة بينه وبين أخيه إلى ولاية وصداقة. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] .
فما هو الأحسن، السيئة أم الحسنة؟ الحسنة. وتأملوا أيها العارفون باللغة العربية كيف جاءت النتيجة بـ إذا الفجائية تدل على الحدث الفوري في نتيجتها: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ ولكن هل كل أحد يوفق إلى ذلك؟ قال: لا ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥]
وهاهنا مسألة: هل نفهم من هذا أن العفو عن الجاني مطلقًا محمود ومأمور به؟
قد نفهم من هذا الكلام أن العفو مطلقًا محمود ومأمور به. ولكن ليكن معلومًا لديكم أن العفو إنما يُحمد إذا كان العفو أحمد، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠] فجعل العفو مقرونًا بالإصلاح، وهل يمكن أن يكون العفو غير إصلاح؟
الجواب: نعم. قد يكون هذا الذي اجترأ عليك وجنى عليك رجلٌ شرير، معروف بالشر والفساد، فلو عفوت عنه لتمادى في شره، وفساده، فما هو الأفضل حينئذ، أن نعفو أو نأخذ بالجريمة؟ الأفضل أن نأخذ بالجريمة؛ لأن في ذلك إصلاحًا.
[ ١٨٢ ]
قال شيخ الإسلام: الإصلاح واجب، والعفو مندوب. فإذا كان في العفو فوات الإصلاح فمعنى ذلك أننا قدمنا مندوبًا على واجب. وهذا لا تأتي به الشريعة. وصدق ﵀.
وإنني بهذه المناسبة أودّ أن أنبه على مسألة يفعلها كثير من الناس بقصد الإحسان، وهي أن تقع حادثة من شخص فيهلك بسببها شخص آخر، فيأتي أولياء المقتول فيسقطون الدية عن هذا الجاني الذي فعل الحادث، فهل إسقاطهم محمود ويعتبر من حسن الخلق أو في ذلك تفصيل؟ في ذلك تفصيل.
لا بد أن نتأمل ونفكر في حال هذا الجاني الذي وقع منه الحادث هل هو من الناس المعروفين بالتهور وعدم المبالاة؟ هل هو من الطراز الذي يقول: أنا لا أبالي أن أصدم شخصًا لأن ديته في الدرج. والعياذ بالله؟ أم أنه رجل حصلت منه الجناية مع كمال التحفظ وكمال الاتزان ولكن الله تعالى قد جعل كل شيء بمقدار؟
فالجواب: إن كان من الطراز الثاني فالعفو بحقه أولى، ولكن قبل العفو حتى في الطراز الثاني يجب أن نلاحظ هل على الميت دين؟ إذا كان عليه دين فإنه لا يمكن أن نعفو.
ولو عفونا فإن عفونا لا يعتبر، وهذه مسألة ربما يغفل عنها كثير من الناس. لماذا نقول: إنه قبل العفو يجب أن نلاحظ هل على الميت دين أم لا؟ لماذا نقول ذلك؟
لأن الورثة يتلقون الاستحقاق لهذه الدية من الميت الذي أصيب بالحادث ولا يرد استحقاقهم إلا بعد الدين ولهذا لما ذكر الله الميراث قال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١١] هذه مسألة تخفى على كثير من الناس وعلى هذا فنقول: إذا حصلت حادث على شخص ما فمات فإنه قبل أن يقدم ورثته على العفو ننظر في حال المجني عليه فإن كان عليه دين لا وفاء له إلا من الدية فلا عفو؛ لأن الدين مقدم على الميراث، وإن لم يكن عليه دين نظرنا في حال الجاني فإن كان من المتهورين فترك العفو عنه أولى، وإن لم يكن منهم نظرنا في ورثة المجني عليه فإن كان غير مرشدين فلا يملك أحد إسقاط حقهم عن المجني عليه، وإن كانوا مرشدين فالعفو في هذه الحال أفضل.
والحاصل: أن من حسن الخلق العفو عن الناس، وهو بذل الندى؛ لأن
[ ١٨٣ ]
بذل الندى: إما إعطاء، وإما إسقاط، والعفو من الإسقاط.
الثالث: طلاقة الوجه.
وأما طلاقة الوجه فهي أن يكون الإنسان طليق الوجه، وضد طليق الوجه عبوس الوجه، ولهذا قال النبي ﵊: " لا تحقرنّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق" ١.
طلاقة الوجه تُدخل السرور على من قابلك. وعلى من اتجه لك، وتجلب المودة والمحبة، وتوجب انشراح القلب، بل توجب انشراح الصدر منك وممن يقابلك - وجرب تجد - لكن إذا كنت عبوسًا فإن الناس ينفرون منك، ولا ينشرحون بالجلوس إليك، ولا بالتحدث معك، وربما تصاب بمرض خطير يسمى بالضغط، فإن انشراح الصدر وطلاقة الوجه من أكبر العقاقير المانعة من هذا الداء داء الضغط. ولهذا فإن الأطباء ينصحون ابتلي بهذا الداء بأن يبتعد عما يثيره ويغضبه؛ لأن ذلك يزيد في مرضه، فطلاقة الوجه تقضي على هذا المرض؛ لأن الإنسان يكون منشرح الصدر محبوبًا إلى الخلق.
هذه الأصول الثلاثة التي يدور عليها حسن الخلق في معاملة الخلق.
ومما ينبغي أن يعرف من حسن الخلق حسن المعاشرة بأن يكون الإنسان مع من يعاشره من أصدقاء، وأقارب، وأهل، يكون حَسَن العشرة معهم لا يضيق بهم ولا يُضِّيق عليهم، بل يدخل السرور عليهم بقدر ما يمكنه في حدود شريعة الله. وهذا القيد لا بد منه أعني أن يكون في حدود شريعة الله؛ لأن من الناس من لا يسير إلا بمعصية الله والعياذ بالله وهذا لا يوافق عليه.
لكن إدخال السرور على من يتصل بك من أهل وأصدقاء وأقارب من حسن الخلق. ولهذا قال النبي ﵊: "إن خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي" ٢.
_________________
(١) ١ صحيح رواه مسلم ٢٦٢٦. وأحمد ٥/١٧٣. وابن حبان ٥٢٤. ٢ صحيح: رواه الترمذي ٣٨٩٥. والدارمي ٢/٨٢. وابن حبان ١٣١٢. وصححه الألباني في الصحيحة ٢٨٥.
[ ١٨٤ ]
وكثير من الناس مع الأسف الشديد يحسن الخلق مع الناس، ولكنه لا يحسن الخلق مع أهله وهذا خطأ وقلب للحقائق. كيف تحسن الخلق مع الأباعد وتسيء الخلق مع الأقارب؟ فالأقارب أحق الناس بأن تحسن إليهم الصحبة والعشرة. ولهذا قال رجل: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: "أمك"، قال: ثم من؟ قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: "أبوك". في الثالثة أو الرابعة١.
والحاصل أن إحسان العشرة مع الأهل والأصحاب والأقارب كل ذلك من حسن الخلق، وينبغي لنا في هذه المراكز الصيفية أن نستغل وجود الشباب بحيث نمرنهم على إحسان الخلق لتكون هذه المراكز مراكز تعليم وتربية؛ لأن العلم بدون تربية يكون ضرره أكثر من نفعه. لكن مع التربية يكون العلم مؤديًا لنتيجته المقصودة. ولهذا قال الله تعالى ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] .
هذه فائدة العلم أن يكون الإنسان ربانيًّا بمعنى مُرَبِّيًا لعباد الله على شريعة الله.
فهذه المراكز التي نأمل من القائمين عليها أن يجعلوها ميدانًا للتسابق في الأخلاق الفاضلة ومنها حسن الخلق. فحسن الخلق يكون بالطبع ويكون بالتطبع - كما تقدم - وحسن الخلق بالطبع أكمل من حسن الخلق بالتطبع. وأتينا على ذلك بدليل وهو قول الرسول ﵊: "بل جبلك الله عليهما" ٢.
وحسن الخلق بالتطبع قد يفوت الإنسان في مواطن كثيرة؛ لأن حسن الخلق بالتطبع يحتاج إلى ممارسة وإلى معاناة وإلى تذكر عند وجود كل ما يثير الإنسان، ولهذا جاء رجل إلى الرسول ﵊ قال: يا رسول الله أوصني، قال: "لا تغضب" فردد مرارًا قال: "لا تغضب" ٣.
_________________
(١) ١ متفق عليه: رواه البخاري ٥٩٧١. وفي الأدب المفرد ٥، ٦. ومسلم ٢٥٤٨. ٢ صحيح: رواه مسلم ١٧. والبخاري في الأدب المفرد ٥٨٦. ٣ صحيح: رواه البخاري ٦١١٦. والترمذي ٢٠٢٠. وأحمد ٢/٤٦٦.
[ ١٨٥ ]
وقال النبي ﵊: "ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" ١.
والصرعة: هو الذي يغلب الرجال عند المصارعة. "إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"، الذي يصرع نفسه ويملكها عند الغضب هو الشديد. وملك الإنسان نفسه عند الغضب يعتبر من أحسن الأخلاق، فإذا غضبت فلا تنفذ الغضب، استعذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا كنت قائمًا فاجلس وإذا كنت جالسًا فاضجع، وإذا زاد بك الغضب فتوضأ حتى يزول عنك.
والمقصود أننا نقول: إن حسن الخلق طبع وتطبع وأن حسن الخلق بالطبع هو الأفضل؛ لأنه يكون سجية الإنسان ويسهل عليه في كل موطن، ولكن التطبع قد يفوته في بعض المواقف.
كذلك نقول: إن حسن الخلق يكون بالاكتساب بمعنى أن الإنسان يمرن نفسه، فكيف يكون الإنسان حسن الخلق؟ يكون الإنسان حسن الخلق بالآتي:
أولًا: بأن ينظر في كتاب الله وسنة رسوله الله ﷺ. ينظر النصوص الدالة على مدح ذلك الخلق العظيم، والمؤمن إذا رأى النصوص تمدح شيئًا من الأخلاق أو من الأعمال فإنه سوف يقوم به.
ثانيًا: مجالسة الأخيار والصالحين الموثوق بعلمهم وأمانتهم يقول النبي ﵊: "مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كمثل صاحب المسك وكير الحداد لا يَعدمُك من صاحب المسك: إما تشتريه أو تجد ريحه، وكير الحداد: يحرق بدنك أو ثوبك أو تجد منه ريحًا خبيثة" ٢.
فعليكم أيها الشباب أن تصاحبوا من عُرفوا بحسن الأخلاق، والبعد عن مساوئ
_________________
(١) ١ متفق عليه: رواه البخاري ٦١١٤. ومسلم ٢٦٠٩. وأحمد ٢/٢٣٦، ٢١٧. ٢ متفق عليه: رواه البخاري ٢١٠١. ومسلم ٤٦٢٨. وأحمد ٤/٤٠٥-٤٠٨.
[ ١٨٦ ]
الأخلاق وسفاسف الأعمال، حتى تأخذوا من هذه الصحبة مدرسة تستعينون بها على حسن الخلق.
ثالثًا: أن يتأمل الإنسان ماذا يترتب على سوء خلقه، فسيئ الخلق ممقوت، وسيئ الخلق مهجور، وسيئ الخلق مذكور بالوصف القبيح.
فإذا علم الإنسان أن سوء الخلق يفضي به إلى هذا فإنه يبتعد عنه.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المتمسكين بكتابه وسنة رسوله ﷺ ظاهرًا وباطنًا وأن يتوفانا على ذلك، وأن يتولانا في الدنيا والآخرة، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب.
[ ١٨٧ ]