الأبعاد الأساسية للعلاقة الناجحة: "شروط العلاقة"
يرى كثير من الباحثين في مجال الإرشاد أن الشروط التي حددها كارل روجرز في صياغته عن العلاقة الإرشادية تعتبر أبعادًا أساسية تقع في قلب العملية الإرشادية، وهذه الأبعاد هي:
١- التطابق.
٢- التفهم القائم على المشاركة.
٣- التقدير الإيجابي غير المشروط.
وقد أضاف كارخوف وبيرنسون "١٩٧٧" Carkhuff & Berenson بعدا رابعا، وهو دقة التعبير Specifity of expression.
١- التطابق "الأصالة" "Congrunce" Genuiness:
يقصد بالتطابق أو الأصالة أن يكون المرشد قادرا على أن يكون هو نفسه بدون الحاجة إلى واجهة مهنية يختبئ وراءها، والمرشد الأصيل هو الذي لا يختبئ وراء قناع، أو يكتفي بأداء "دور المرشد"، وهو يوصل أصالته في العلاقة؛ لأنه يكون واعيا بمشاعره، وتصرفاته على النحو الذي يعايشها؛ ولأنه يكون صادقا وأمينا، ومباشرا في اتصاله بالمسترشدين، فإن استجاباته اللفظية "أقواله" تكون متمشية مع ردود فعله الداخلية، ومع استجاباته غير اللفظية، كما أنها تتصف بالتلقائية، وهذا النمط من التفاعل الخالي من الزيف يسهل عملية الثقة من جانب المسترشد حيث لا يحتاج للمرور في طبقات من الدفاعات، والواجهات ليرتبط مع المرشد، إن المرشد الذي يكون آمنا مع نفسه منفتحا على مشاعره واستجاباته، وأفكاره واتجاهاته سوف يعطي الفرصة للمسترشد ليشعر بالأمن والأمان.
إن الأصالة من جانب المرشد تسهم في وجود علاقة ذات فاعلية علاجية مع المسترشد يتقريب المسافة الانفعالية بينهما، وكذلك بمساعدة المسترشد على التطابق مع المرشد، وأن يرى في المرشد شخصا آخر مشابها لذاته، وتقوم الأصالة من جانب المرشد على خمس عناصر أساسية هي:
المساندة بالسلوكيات غير اللفظية، وسلوك الدور، والتطابق، والتلقائية في التعبير عن النفس، والانفتاح.
[ ٦١ ]
وفي جانب السلوكيات غير اللفظية، فإنه بوسع المرشد أن يستخدم مجموعة من التصرفات التي تنقل للمسترشد أصالة في تقبله، وبشرط ألا يبالغ في هذه التصرفات كذلك، فإن المرشد الذي لا يركز بشكل مبالغ فيه على دوره الإرشادي، وسلطته في العملية الإرشادية يمكن أن يوصل للمسترشد أصالته، أما التطابق فيقصد به أن يكون هناك اتساق تام بين أقوال ومشاعر، وتصرفات المرشد، وبالنسبة للتلقائية، فتعني أن يعبر المرشد عن أحاسيسه كما يعايشها دون تعديل أو تزييف، وأن يكون ملامسا لخبرته الشخصية كما يعني الانفتاح أن ينقل المرشد جانبا من خبراته إلى المسترشد، وهذه الجوانب كلها من شأنها أن تنمي ثقة المسترشد في نفسه، وكذلك ثقة المرشد في نفسه، وبالتالي الثقة بين المرشد والمسترشد.
٢- التفهم القائم على المشاركة Empathic Understanding:
إن القدرة على المشاركة الوجدانية "التعاطف" في العلاقة الإرشادية تستدعي أن يستجيب المرشد بحساسية، ودقة لمشاعر المسترشد، وخبراته كما لو كانت تخصه، والمشاركة الوجدانية تعني قدرة المرشد على تبني الإطار المرجعي الداخلي للمسترشد، بحيث يمكن فهم العالم، والمعاني الخاصة بالمسترشد بدقة، ومن ثم توصيلها من جديد إليه، وهذه العملية، التي تسمى "تقمص التجربة" تشبه العلاقة التي يكونها القارئ مع بطل الرواية التي يقرؤها، وقد وصف ترواكس وميتشيل Truax & Mitchell هذه العملية على النحو التالي:
"عندما نحاول معرفة بعض من رغباته، أو بعض من حاجاته وبعض من إنجازاته، وبعض من إخفاقاته، وبعض من قيمه، فإننا نجد أنفسنا نعيش مع الشخص الآخر على النحو الذي نفعله مع بطل إحدى الروايات ونصل إلى أن نعرف الشخص من وجهة نظر إطاره المرجعي الداخلي، ومن ثم نكسب بعض التفهم، وبعض التذوق لخبراته كما يعيشها من لحظة للحظة أخرى.. "١٩٧١، ص٣١٥".
ولكي يستجيب المرشد بتفهم قائم على المشاركة لما يقوله المسترشد، فإن المرشد يحتاج أن يكون حساسا لاتصالات المسترشد سواء كانت لفظية، أو غير لفظية، وأن يكون
[ ٦٢ ]
مدركا لها، ويقصد بالحساسية في هذا المضمار وجود وعي زائد بالشخص الآخر "المسترشد"، كما أن الإدراك يشير إلى القدرة على الفهم، والحساسية مهارة أساسية تسمح للمرشد أن يتعرف على مشاعر المسترشد، كما أن الإدراك مهارة معرفية تمكن المرشد من أن يتعرف على مثير الشعور، "أي المثير الذي ولد الشعور" وهاتان المهارتان: الحساسية والإدراك تتضافران مع لتنتجا الاستجابة المتقدمة المتمثلة في التفهم القائم على المشاركة.
إن المشاركة تعطي الفرصة للمرشد أن يسمع، وأن يستجيب لمشاعر المسترشد، أي لغضب المسترشد ولامتعاضه، ولخوفه، ولعدائيته، ولاكتئابه، ولفرحه، وعدما يستطيع المرشد أن يصغي بدقة العالم المسترشد، وأن يتعرف بدقة على المشاعر التي يعايشها هذا المسترشد، فإن المسترشد، فإن المسترشد يصبح أكثر قدرة على الإصغاء لنفسه، والمشاركة تسمح للمرشدين أن يعبروا عن أنفسهم بينما يحتفظون باستقلالهم وفرديتهم.
وكذلك فإن التفهم القائم على المشاركة يتضمن تبني المرشد للإطار المرجعي للمسترشد، وهذا يتضمن الإصغاء للمسترشد بدون إصدار أحكام، وبينما يعبر المسترشد عن أفكاره، ومشاعره وقيمه واتجاهاته وآماله، وطموحاته، فإن المرشد يصغي بدون أن يصف أيا منها بأنه صحيح أو خاطئ، حسن أو قبيح، وهذا الاتجاه اللاتقويمي يجعل المسترشدين أكثر تقبلا لأنفسهم.
ويرى روجرز أنه عندما يصبح بوسع المرشد أن يتعرف على العالم الداخلي للمسترشد بدون أن يفقد هويته الخاصة في العملية، فإن التغيير يصبح حينئذ محتمل الحدوث، كما يحدد برامر وشوستروم "١٩٨٢" أن الاستجابة بالمشاركة للمسترشد تعني التفكير معه، وليس له أو حوله.
٣- الاحترام أو التقدير الإيجابي Respect or Pegard:
يعني التقدير الإيجابي، أو الاحترام القدرة على تقدير المسترشد كشخص له قيمة وله كرامة، وتوصيل التقدير الإيجابي للمسترشد يؤدي عددا من الوظائف في تكوين علاقة إرشادية فعالة منها أنه يوصل للمسترشد رغبة المرشد في العمل معه، وكذلك
[ ٦٣ ]
اهتمامه به كشخص وتقبله له، ويحدد روش وبوردن "١٩٥٧" Raush and Bordin أربعة جوانب أساسية للتقدير الإيجابي وهي: وجود إحساس بالالتزام نحو المسترشد، وبذل الجهد لفهم المسترشد، وتعليق "حجب" الأحكام النقدية، والتعبير عن قدر معقول من الدفء.
وقد لاحظ كارخوف وبيرينسون أن التقدير الإيجابي، أو احترام الآخرين ينشأ من احترام الذات، وأن المرشدين الذين لا يحترمون خبراتهم وأفكارهم، ومشاعرهم الشخصية سيجدون صعوبة في احترام أفكار، ومشاعر الآخرين، كذلك فإن توصيل الاتجاه الخاص بالدفء، والاهتمام والتقدير للمسترشد يقوم إلى حد بعيد على أساس من التفهم القائم على المشاركة.
وهناك علاقة بين التقدير الإيجابي، وبين أصالة المرشد أو تطابقه في العلاقة، فالمرشد الذي لا يحترم قدرة المسترشد على مواجهة الحياة، والتعامل مع مشاعره واستجاباته سيجد صعوبة في أن يسهم بأفكاره ومشاعره، وردود الفعل لديه حول سلوك المسترشد، وهو إسهام ضروري لنمو هذا المسترشد، بمعنى آخر فإنه بدون احترام المرشد للمسترشد، فإن هذا المرشد سيجد صعوبة في مواجهة
المسترشد في إطار العلاقة، وبذلك فإن الاحترام الذي يكنه المرشد للمسترشد يساعد المرشد على أن يكون صادقا، ومتطابقا في العلاقة إن الدفء والمشاعر الإيجابية يمكن للمرشد أن يوصلها للمسترشد بطرق لفظية "بالكلام"، وكذلك بطرق غير لفظية.
فمن الطرق اللفظية أن يقول المرشد: "إني مهتم بمشكلتك" "موضوعك أنا مهتم
به" "أنت ستكون موضع اهتمامي".
أما الأساليب غير اللفظية فمنها:
نظرة العينين، نبرة الصوت، تعبيرات الوجه، وضع الجلوس، القرب من المسترشد، ولمسات الحنو.
٤- متانة ودقة التعبير Concreteness & Specifity of expression:
أضاف كارخوف وزملاؤه بعدا رابعا للأبعاد الذي تحدث عنها ورجرز، "التطابق،
[ ٦٤ ]
والتفهم القائم على المشاركة، والاحترام أو التقدير الإيجابي"، وهذا البعد الجديد أطلقوا عليه المتانة أو دقة التعبير، وقد عرف كارخوف، وبيرنيسون هذا البعد بأنه: يشتمل على التعبير الطليق، والمباشر، والكامل عن مشاعر، وخبرات معينة بصرف النظر عن محتواها الانفعالي "١٩٧٧، ص١٣" كما حددا وظيفة هذا البعد الجديد في العلاقة الإرشادية على النحو التالي:
١- تضمن المتانة أن استجابة المرشد تكون قريبة من مشاعر وخبرات المسترشد.
٢- تنهض المتانة بالدقة في تفهم المسترشد، كما تكمن إزالة سوء الفهم والتعرف عليه عندما تصاغ الخبرات، والمشاعر في اصطلاحات محددة.
٣- تدفع المتانة أو دقة التعبير، المسترشد لأن يتعامل بتحديد كبير مع مجالات المشكلات، والصراعات الانفعالية.
إن هذا البعد من العلاقة الإرشادية يعمل بصورة أكبر من الأبعاد الثلاثة الأولى على تحريك المسترشد خلال العملية الإرشادية بتشجيعه على استكشاف مشكلات حياته وعلاقاته بالآخرين، وفي رأي إيجان Egan أن منطق عملية الإرشاد ينطبق على المتانة: فإذا كان المرشد دقيقًا في تعبيره بقدر الإمكان عندما يستجيب للمسترشد، فإن المسترشد بدوره سيتعلم أن يكون دقيقًا في التعبير عن استكشافه لسلوكه.
وقد يحدث في حالات كثيرة أن يكون المسترشد غير قادر على التعبير عن مشاعره في صورة دقيقة، وهنا تقع على المرشد مسئولية مساعدته على أن يصبح أكثر ملامسة لمشاعره، ويقوم المرشد بذلك عن طريق الاستجابة للمشاعر الخاصة بالمسترشد، وللمثير الذي ولدا هذا الشعور، فإذا أوضح المسترشد أنه مشوش أو محبط، فإن المرشد يحاول أن يتعرف بشكل أدق على الإحساس الذي يعايشه المسترشد، وأن يحاول كذلك تحديد المثير الخاص بهذا الشعور.
[ ٦٥ ]